ثقافة و أدب

قافلة «لا للعنف» الشعرية تجوب المدن العراقية بحثاً عن السلام العالمي

 

 

غالباً ما نسمع القراء والناس يتهمون الأدباء عموماً والشعراء بشكل خاص بأنهم لا يعبؤون بما يحدث حولهم، وأن أبراجهم لا يمكن فتح أبوابها مهما حدث… فإما أن يعيش في الماضي وإما أن يعاني من الاغتراب أو أن يغرق في لغة ومصطلحات تثير الارتباك أكثر من تقديم فعل تنويري للمجتمع.
ربما يحدث هذا، هنا في العراق أو في أية بقعة في العالم، ربما ينظر الشاعر من كوّته الخاصة ويتلصص على السماء، يسترق السمع لملائكة يجوبون العوالم ليقرؤوا عليه أخبار السموات والأرض، لكنه حينما يضيق به العالم يفتح أزرار قميصه ويصرخ: لا!
هذا ما فعله مجموعة من الشعراء الشباب، تركوا منازلهم وأعمالهم وهم لا يملكون أجرة الفندق الذي سيقيمون فيه، بل لم يطرقوا أبواب أصحاب النفوذ والسياسة، خرجوا ليحلقوا مع السياب ابتداءً، ومن ثمَّ الحبوبي، ويمروا بمدنٍ أخرى ليحطوا رحالهم عند أبي الطيب المتنبي، لا لشيء، إلا ليقولوا لا للعنف… وهم يرون أن العنف الذي يصيب العالم اليوم صار ثقافة، وظاهرة، لها أشكال ومعالم، تحتاج لثقافة مضادة، تسترعي نزولهم للشارع حتى يأخذوا دورهم في بناء مجتمع مدني خال منه، ومن التطرف. القافلة تبدأ بالشعر لكنها تنتهي بالفرد، ثم بالحياة.
لم يحدث أن وقف سائق تاكسي ليستمع لقصيدة تلقى في شارع عام، ولم يتجمهر طفل مع شاب مع شيخ مع امرأة في مدينة جنوبية كما حدث في البصرة حينما بدأ شعراء قافلة لا للعنف بإلقاء قصائدهم، حتى أن بعض المارة؛ ومن دون شعور، صرخ: الله… هكذا يمكن أن نجعل العالم يسمع الشعر، وهكذا من الممكن أن نجعل المواطن مستمعاً أولاً، ومن ثمَّ قارئاً، ومن ثمَّ إنساناً فاعلاً في صناعة مجتمع طبيعي، ومبتعداً عن العنف: بالشعر.. أليس الشعر بقادر؟!!!
الشعراء نبيل نعمة الجابري، صلاح حسن السيلاوي ومهدي النهيري، ومن ثمَّ التحق بهم الشعراء حسين القاصد وعلاوي كاظم كشيش وميثم العتابي وغيرهم الكثير، تجمعوا على موعد أعدوا له من أكثر من شهرين ليرتقوا قاعدة تمثال السياب ويقرؤوا قصائدهم التي لا تطالب إلا بالسلام… ومثلما جاء هؤلاء الشعراء من مدن مختلفة، من بغداد وكربلاء والحلة والناصرية والديوانية وغيرها، انضم إليهم الشعراء البصريون لمساندتهم وليطالبوا معهم بصوت واحد: لا للعنف.

أفكار أولى

تبلورت الفكرة لدى شعراء مؤمنين بالحياة، وبضرورة التعايش والتسامح في عراق يسوده الأمن والتنوع، مستهدفين الإنسان باعتباره قيمة مقدسة يجب الحفاظ عليها، وحمايتها من شتى أنواع العنف وأشكاله. واتفقوا في جمعهم على أنها قافلة، تجوب العراق الآمن، تحمل رسالة إنسانية كبرى شعارها لا للعنف، تبدأ من محافظة البصرة أقصى الجنوب، وتنتهي في مدينة بغداد العاصمة، مارة في تسع محافظات، يقرؤون فيها الشعر بالساحات العامة وأمام المارة، مبتعدين عن الغرف المقفلة، والسقوف الواطئة، ناقلين الشعر من الكتب للحياة على اعتبار أنه سلوك قبل أن يكون فعلا كتابياً، بهذا يمارس المثقف دوره كعنصر متفاعل مع ما يحصل حوله. لكن بعد أن تم إطلاق الإعلان في شبكة التواصل الاجتماعي، تحولت القافلة إلى مشروع عالمي، لمسوا هذا التحول عبر بيانات التضامن التي أعلنتها شخصيات ثقافية وأدبية وفكرية، ومؤسسات معنية بالشأن، من أوربا والوطن العربي، فقد أعلن المنتدى الأوربي للثقافة والفنون في بروكسيل، تضامنه التام مع القافلة، واستعداده لإقامة نشاط مماثل في ذات الوقت الذي تنطلق فيه القافلة، يحمل نفس الاسم والشعار، كذلك كان موقف الأدباء في البيت الثقافي التونسي العراقي، ومجموعة من الإعلاميين التونسيين، والصالونات الأدبية فيها، إضافة إلى منتديات أدبية في السعودية والجزائر.

ما الذي حدث؟

يقول الشاعر نبيل نعمة الجابري، أنهم توجهوا بالقافلة لافتتاح ما خططوا له طوال المدة السابقة، وصلوا لمدينة البصرة ظهراً، وكانوا يرتبون كيف ستكون الأمسية؟ وكيف سيكون الافتتاح؟ وما هو موقف اتحاد أدباء البصرة؟ وكيف لهم أن يخرجوا بمشروع افتتاح قافلة شعرية ناجح…
«في الساعة الخامسة عصراً بدأت الجماهير بالتوافد إلى تمثال السياب، وكانوا يتوقون لسماع ما سنقول، يريدون أن يعرفوا ما فحوى الحملة التي أعلنا عنها منذ أشهر… السعادة الحقيقية كانت حينما رأينا الشباب والأطفال والنساء والشيوخ يتجمهرون حول السياب، لأول مرة نشعر بقيمة نزول المثقف العراقي للشارع، وكان مصداقاً لمطاليب كنا نسمعها في السابق على أن المثقف يجب أن يكون عضوياً ويأخذ دوره الفاعل. بدأت القراءات الشعرية التي قدمها الشاعر صلاح حسن السيلاوي، فقدمنا شعراء مدينة البصرة على شعراء القافلة، فقرأ علي الإمارة ومسار رياض ومحمد طالب الأسدي وسراج الدين، فضلاً عن مجموعة من شعراء البصرة الكبار الذين أخرجوا قصائدهم للشارع وأسمعوها للمارة، لم تقتصر النشوة والسعادة التي غمرتنا علينا فقط، بل غمرت الجميع، أدباء وكتاب وموظفين وأطباء وعمال خرجوا من بيوتهم في هذه المحافظة التي رفدت الكثير للثقافة العراقية، والشارع البصري بدأ يتلمس أن المثقف العراقي يحاول أن يخرج من قمقمه. هؤلاء الشعراء ركنوا كتبهم على الرفوف وخرجوا ليقولوا صرخة واحدة: لا للعنف… نعم للعراق».

فعاليات من دون دعم

أما عن الدعم الذي حصلت عليه القافلة، فيتحدث الشاعر صلاح حسن السيلاوي، قائلاً بأن المجموعة التي فكرت بإقامة هذا النشاط على مدى أكثر من شهرين وجدت أن الحل الأمثل أن تعلن أن كل من يود الالتحاق بهذه القافلة عليه أن يمول نفسه، أن يتحمل تكاليف النقل والسكن ويتحسب الواقع الأمني لأننا قد لا نوفر له وضعاً أمنياً مثالياً، لكننا مع هذا تحركنا بشكل يحافظ على استقلالية القافلة، تحركنا بجهد من الباحث الدكتور أحمد حسون، فوجد جسراً بيننا وبين محافظ كربلاء الذي قال لنا بأنه سيكون أحد أعضاء هذه القافلة، ولن يطلب منا أي مسعى سياسي أو يغلف خطابنا بأي هدف آخر، فوفر لنا سيارة لنقلنا على مدى تسعة أيام، وهي عمر القافلة، وخصص لنا سائقاً وشخصاً للتشريفات. «نحن لا نمتلك أي دعم حتى الآن، لكن اتحاد أدباء العراق دعمنا معنوياً فأرسل كتاباً لفروع الاتحاد في المحافظات مطالباً إياهم بتسهيل سير القافلة وتوفير الغطاء الأمني من قبل الجهات المعنية».

حق الحياة

ينظر الشاعر عبد العظيم فنجان إلى هذه القافلة قائلاً إن حزمة من الشعراء تقود الحرب ضد العنف شعراً، وهو موقف جمالي نحتاجه كفاصل، ولو قصير، في خضم حياة مشتركة وطويلة مع الموت. هناك ملمح مدهش لهذه الفعالية الشعرية هو غياب التغطية الحماسية التي ترافق معظم الفعاليات، خاصة على الفيسبوك، وهو مؤشر على استقلالية المبادرة اجتماعياً، لكن هذا لصالحها، لأنها عمل ذاتي وجمالي بحت لا تدخل فيه حسابات النجومية ولفت الانتباه إلى القائمين بها، وإنما إلى ضرورة الشعر، الشعر الذي ينبغي له أن يكون مرآة تعكس الوجه الآخر المخفي عن أبصارنا، وأعني: حق الحياة..

أرواح عالية

أما الشاعر والناقد الدكتور حازم هاشم، الذي انضم إلى القافلة قادماً من مدينة الناصرية، ليبدأ معها منذ خطواتها الأولى ويستمر وصولاً إلى المتنبي في بغداد، فيشير إلى أنه انضم لهذه القافلة لأنها فقط قررت أن ينتقل الشعر والأدب عامة من برجه العاجي، المنقطع الصلة بالناس، إلى فعل وظيفي عنوانه الوطن والثقافة المدنية، هي مسيرة لا تشبه الزحف الكبير الذي قام به صديقنا ماو تي سونغ الاشتراكي المدان، ولا هي طقوس عاشورائية وإن كانت تحمل روح الحسين في عمقه الباكي على قاتليه، ولا هي تنفيس في شارع إربات في موسكو، هي رغبة ملحة صادقة حقيقة، في أن نقول كفى لكل هذا الذي يلغي الإنسان والوطن، الشعراء وبصدورهم العارية قرروا أن يخرجوا دعاة إلى دين الإنسان والوطن، محملين بكل عراقيتهم، حالمين بوطن بلا طوائف ولا قتل، مستغرقين بحلم طفولة لا تعنف، ونساء لا يعنفن، وبلا للعنف… «للمدن المحتلة سننشد الشعر، للعراق الواحد سنقرأ، للإنسان سنرفع أرواحنا عالياً…».

أفكار ومشاريع مقبلة

غاية هذه القافلة ملخص في عنوانها (لا للعنف) حسب ما يقول الشاعر مهدي النهيري مضيفاً أن هذا العنوان يتمثل برفض العنف بأشكاله المختلفة، ثقافي وسياسي واجتماعي وأسري، رفض حتى على مستوى الجامعة والتدريس وعلى مستوى الجيش. العنف الآن يستشري بين الطالب والمدري، بين الجندي وآمره، بين الجندي وعدوه، نحن نرفض كل أشكال العنف مطلبين بأن يعم السلام بين أطياف شعبنا. ما يحدث الآن بدلاً من أن تكون الساحة العراقية للنقاش والحوار تحولت إلى ساحة للقتال، وهو ما نريد أن نتلافاه.
وفيما إذا كانت هناك مشاريع مقبلة يمكن من خلالها أن يتوسع مشروع القافلة، أفاد النهيري: عملنا الآن وفق الإمكانيات البسيطة انطلقنا اليوم وسنستمر في إقامة هذا المهرجان بسبع محافظات، تخيل أننا لا نمتلك جهاز مكبر صوت، ولو توفر أية جهة هذا الشيء البسيط، لكن موضوعة أن نقيم مهرجانات أخرى بالمطالب نفسها والشروط حلم وفكرة موجودة في رؤوسنا. وفيما إذا كانت اللجنة المنظمة قد فاتحت مؤسسات مجتمع مدني معنية بالموضوع، بيّن النهيري أنهم تحدثوا في هذا الموضوع مع بعض الجهات، و»كنا نحلم أن نجعل من القافلة عملاً عربياً وربما عالمياً، بمعنى أننا كنا نريد أن نطالب بإلغاء العنف في كل أنحاء العالم من خلال صوت الثقافة، هناك استقبال لهذه القافلة في تونس وبلجيكا ولندن، وقد دعمنا بعض الأدباء التونسيين بإقامة مثل هذه القافلة قبل أيام.. الأمل موجود ونسعى لأن تمتد هذه القافلة إلى خارج العراق».

الواقعية الشعبية

من جانبه قال الشاعر حسين القاصد أنه كان من المفترض أن تنطلق القافلة في اليوم العالمي للسلم، غير أن مناسبة العيد أجبرت المنظمين على تأجيلها لأكثر من أسبوع، فجئنا للسياب لنحمل رسالته للمتني، لتكتمل هذه المسافة، بين السياب والمتنبي، مسافة أمان واطمئنان لكل النازحين والمطمئنين أيضاً في هذه المنطقة. لا للعنف لا تعني أننا سنصفق للإرهاب ولا نقاومه، بل تعني بالقضاء على الإرهاب ومنع العنف، لا للطائفية والفئوية، لا للخلافات السياسية، لا للسياسيين الذين يتصارعون على الشاشات ويتفقون فيما بينهم، سرنا من أجل هذا.
وفيما إذا كانت هناك تحركات من قبل مجموعات أخرى ربما تقوم بمثل هذه الخطوة؟ أفاد القاصد أن المثقف ينافس المثقف، وأحياناً يحسده، هناك بعض من هنَّأ نجاحنا وهناك دعوة كبيرة من الشاعر كاظم الحجاج بأن تكون فعالية لا للعنف ضمن المربد، لكن هذا الاستفزاز هو دعوة بأن يصحو، الآن صحو إعلامياً لكنهم لم ينتموا للقافلة، صرحوا لأن أي مهرجان شعري لم يتحقق له هذا الدعم الإعلامي، لأن هذه القافلة ليست مدعومة من جهة. «دعوت اليوم إلى مصطلح الواقعية الشعبية، وهو أوسع من الواقعية السحرية ونحن بحاجة له، لأننا نحتاج من المثقف أن ينزل إلى الشارع وإلى الشعب.. هذا ما أردناه اليوم، قرئت قصائد نثر وقصائد تأملية، وكان الناس يتجمهرون حولنا، وهذا لم يحدث في أي مهرجان رسمي».

مدن وشوارع وساحات

لم تتوقف القافلة عند مدينة من دون أخرى، بل تجمع شعراؤها من مختلف المدن والتقوا في البصرة عند تمثال السياب، ومن ثمَّ إلى الناصرية ليحلقوا حول تمثال محمد سعيد الحبوبي، وبعدها الوركاء التي احتضنت مدينة السماوة والديوانية والحلة وكربلاء والنجف لتحطَّ أخيراً عند المتنبي، شاعراً وشارعاً…

الوكالات

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق