ثقافة و أدب

في صناعة الثقافة

عناية جابر

للتعرف على ثقافة مجتمع عليك طبعا ان تقوم بجولة شاملة على فنونه وإبداعاته الفكرية بجميع أوجهها. عليك أن تتحسس شخصية هذا المجتمع من خلال مبدعيه.
فلو كنت أجنبيا يريد التعرف على المكسيك مثلا فما عليك، أولا وقبل كل شيء، إلا التعرف على ثقافتها وفنونها ومأكلها وآثارها وملبسها وشعرها وأدبها ورسومها وعمارتها بألوانها وهندستها ومزركشاتها، الخ.، اي بكلمة على ثقافتها الخاصة بها. عندما تزور العمارة التي بناها الغرب في ساحات سنغافورة، كمثل آخر، أو في مدينة هونغ كونغ، فإنك حتماً لن تتمكن من التعرف على الثقافة الآسيوية في فن العمارة. عندما تقع على موسيقى باخ في قطعة موسيقية أفريقية مثلا فإنك حتماً ستتعرف على قسم من الثقافة التي أنتجت باخ لكنك لن تعثر على روح الأفريقي التي تبحث عنها في الموسيقى.
في روح العصر فكرة سائدة تقول بأننا في عالم العولمة وأن الفن واحد أحد، عالمي. وان الثقافة الحقّة هي الثقافة الواحدة لا الثقافات الخاصة بكل شعب. الطعام واحد، لا نكهات ولا بهارات. وغالب الأحيان يكون هذا الطعم ‘ العالمي’ طعم المطبخ المسيطر على العالم ، طعم الهامبرغر الثقافي. نكهة القاسم المشترك بين العدد الأوسع. نكهة اللانكهة هي نكهة القاسم المشترك. لا طعم ولا رائحة هي شعار المطبخ ‘العالمي’. سلع ثقافية سريعة الاستعمال وسريعة الرمي يستهلكها العدد الأكبر بأسعار رخيصة. ‘تصيّف ولا تشتّي’ هذه الثقافة بمادتها ومنتجيها ومبدعيها. لا عمق فيها ولا خصوصية. لا روح حقة فيها. لذا فهي ترمى بعد أول استعمال، هي وصاحبها.
استهلاك الهامبرغر الثقافي لا يعني بأي حال من الأحوال إمكان طمس شخصية أحد مهما كان ثقل المحاولات عنيفاً. حتى المحاولات الناعمة الذكية باءت هي أيضاً بالفشل. صناعة الثقافة ليست بالبراءة التي نظن لأول وهلة. ليست بنت إبداع المبدعين الأحرار كما نتوهم. فالمبدع أسير مناخ ثقافي يسيطر على اللاوعي الثقافي، الموضة، بحيث يجعله يتوهم التحرر من الايديولوجيا والقدرة المطلقة على إنتاج نصوص ثقافية خارج كل قالب محافظ ومفروض. التقليد إجمالاً لا ينتج ثقافة حقيقية. ميزته الأساسية أنه لا يعكس حقيقة المقلَد ولا حقيقة المطموس بعملية التقليد.
التوهم بان التاريخ خط مستقيم وأن هناك من هو في الأمام، في أول الخط، ومن هو في الوسط او الخلف، وان على من في الوسط او الخلف ان يقلد ثقافة من في المقدمة، لكي يلحق به، فكرة ساذجة عن التاريخ وطوباوبة جداً. ذلك أنها تنطلق من وهم انسانوي آيته غياب المصالح المتناقضة بين من هم خلف ومن هم في الأمام. طوباوي لأنه ينطلق من عدم قناعته بأن من هو في الخلف ضرورة وجود من هو في المقدمة، شرط نجاحه وازدهاره وحريته ورفاهه وديمقراطيته. طوباوية لأنها تتوهم أن التخلف نتيجة لثقافة المتخلف لا لقوة سيطرة المتقدم العسكرية والاقتصادية وعمله الدؤوب على منع تقدم ثقافة المتخلف.
ثقافة تقليد المتقدم هي، بمعنى من المعاني، ثقافة تأبيد التخلف وتذويب الخصوصيات وأسباب التناقض والاختلاف بين الشعوب والثقافات. هي ثقافة قبول السيطرة وإعادة إنتاج شروطها من جديد. فبغياب شروط الخروج من تبعية الثقافة الغالبة يصبح تقليدها سعدنة فارغة تضحك الثقافة الغالبة وتسلّيها بدل أن توجعها. كما أن التقليد يجوّف الثقافة المحلية التي تشكل القاعدة الروحية لوحدة الناس في المجتمعات الخاضعة. والتقليد قردنة تسلّي الغالب لأن النسخة المنتجة فيه لا تشبه الأصل بل جدها الأول بأحسن الأحوال.
والتقليد في الثقافة لا يقف عند نقل الثقافة المسيطرة في المتروبولات الغربية بل يتعداها عند بعض مثقفي الأطراف الخاضعة عندما يقوم بنقل ثقافاتها المعارضة متوهماً قيامه بعمل ثوري خلاٌق في بلاده. والتقليد تقليد أيا كان مصدره، موال أم معارض. فالثقافة لا تقلّد ولا تستبدل. فهي نتاج تاريخ محدّد في لحظة محدّدة لا تصدّر ولا تستورد كما هي. وبما أن التاريخ تاريخ كل تشكيلة اجتماعية بخصوصياتها فإن ثقافتها خاصة بها ولا تعمّم من حيث المبدأ. وبسبب من هذا التقليد المعارض وسيطرة نموذج محدد على قوالب تفكير البعض نقع على نعوت مستغربة تحاول ان تصف واقعنا من مثل التطور المشوّه أو المجتمع المشوّه. فالتشويه بنظرهم ناتج عن غرابة الواقع وابتعاده عن الصورة النموذج. ابتعاد الواقع عن الجوهر-الأصل كما ورد في النموذج المقلَد.
كل ما لا يشبه ثقافة الغالب بوجهيه، الحاكم او المعارض، هو إذن مشوّه. التشوّه في هذه الحالة أن تكون ما تكونه، أنت. والجمال أن تكون الآخر، مجرد آخر لن تكونه يوماً. هكذا يتم قلب المفاهيم وإنتاج ثقافات تعيد إنتاج التخلف والتبعية للأقوياء. فمن يمكنه أن يكون الآخر؟
الثقافة تبقى إبداعا أولا وقبل اي شيء. ابداع يقوم به أناس يملكون أدواتهم الخاصة به. يصنعونها بمعاناتهم الشخصية والعامة. صناعة الثقافة الخاصة بحاجة لأدوات. الأدوات خاصة بكل ثقافة لأن من يستعمل أدوات ثقافة اخرى هو كمن يصنع سيارة بأدوات صنع الخزائن الخشبية. والأدوات الخاصة لا تعني بالضرورة إعادة إنتاجها في كل مرة على نحو كامل. لكن لكل صناعة خاصة أدواتها الخاصة. المبدع هو ذلك الذي يكتشفها ويطوّع الموجود منها لكي تخدم مشروعه.
الثقافة ليست حقلا مستقلا عن تاريخها الملموس حتى يمكن التلاعب بصناعتها كما نرغب. الرغبات والمعرفة والتجربة ليست عوامل كافية لصناعة ثقافة أمينة ومبدعة. الثقافة في كل وحدة سياسية نتاج تاريخ هذه الوحدة ترتبط فيه ارتباط الجنين بالرحم. وأما التبشير بثقافة عالمية، في تشكيلات اجتماعية متقادمة، فهو كإقناع أهل الاسكيمو بأن الجنة ليست حيث يوجد النار.

عناية جابر

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق