رمضانيات

هل نحتاج إلى الدين؟ الاستاذ محمد دخان-الجزائر

محمد دخان

ذكرنا فيما سبق، أن الذي يدفع في صدر التدين، إنما هو طاعن في مصدرين من مصادر المعارف و هما العقل أو الفطرة، والتواتر الهائل من مجتمعات شتى وثقافات متنوعة.

ويا له من مسلك صعب أن يخالف الإنسان مرادين داخليا وخارجيا لا ينفكان ولا يردان بسهولة وعدم مبالاة، فإن نجوت من أسئلة المجتمع وتاريخ أديانه، بأن تعتزل الجموع الغفيرة نحو مفازة(1) أو كهف، فلن تخرج من حجمك الإنساني العقلي الذي يلاحق ظلك، ولذا فالتدين عند كثيرين صمام أمان نفسي للفرد والمجتمع.

إذ هو أمر يهوي نحو المرء دون شعور منه(2) فـ(الإنسان قد يحصل له تارة من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا وتارة ما يكون باطلا فإن اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل والخبر عن هذا صدق وعن هذا كذب والإرادات تنقسم إلى ما يوافق مصلحته وهو جلب المنفعة له وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره .

فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء: الحارث وهمام، وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها: حرب ومرة)(3) فإن الإنسان لا بد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية ولا بد من أن يهم بالأمور)(4) )مذ بلوغ المرء ستة عشر سنة من عمره)(5)  فصاعدا.

لذا نجد كثيرين ممن وقفوا ضد طلبات أنفسهم المشروعة، وأسئلة أذهانهم المتكررة، حول الوجود والأشياء، يعانون من صدام عنيف، يعكر أمزجتهم، ويحطم بقايا الاستقرار في ضمائرهم، ويصبح طعم المعاني في وجدانهم باهتا، فكل من الخير والعدل والإيثار والحب تذهب أدراج الرياح دون التسليم بوجود قانون كلي منبعث من مسير مدبر لهذه النفوس، وإلا فيصدق ما قاله الفيلسوف فيخته: “إن الأخلاق من غير الدين عبث”(6).

(وإني لأذكر الأيام التي لم يكن للناس فيها حديث سوى التنافر بين العلم والدين، ولكن هذا الجدال انتهى إلى غير رجعة، فإن أحدث العلوم – وهو الطب النفسي – يبشر بمبادئ الدين، لماذا؟
لأن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي، والاستمساك بالدين، والصلاة – كفيلة بأن تقهر القلق، والمخاوف، والتوتر العصبي، وأن تشفى أكثر من نصف الأمراض التي نشكوها، نعم إن أطباء النفس يدركون ذلك وقد قال قائلهم الدكتور أ.أ بريل: إن المرء المتدين حقاً لا يعاني قط مرضاً نفسياً)(7).

الهامش ــــــــــــــــــــــــــ

1) الصحراء كما في “لسان العرب” لابن منظور (5/393) قال: (ابن الأعرابي: سميت الصحراء مفازة لأن من خرج منها وقطعها فاز) اهـ.

2)عبد المنعم المليجي: (تطور الشعور الديني عند الطفل والمراهق)، دار المعارف، مصر (1955) ص73.

3) أخرجه أبو داود في “سننه” ح(4950) والنسائي (6/218- 219) والبخاري في”الأدب المفرد” ح(814) وأحمد [4/345] والبيهقي[9/306] من طريق عقيل بن شباب عن أبي وهب الجشمي مرفوعا بإسناد حسن.

4) “درء تعارض العقل والنقل” لابن تيمية (4/325) ط دار الكنوز الأدبية، الرياض، 1391، تحقيق: محمد رشاد سالم.

5) “منشور جاويد” أي “مفاهيم القرآن” بالفارسية (2/50ـ 53) للشيخ السبحاني.

6) “موقف العقل” لمصطفى صبري (1/126) دار إحياء التراث العربي: بيروت ط2 1981.

7) ديل كارنيجي”دع القلق وابدأ الحياة”ص: (211– 212) تعريب عبد المنعم الزيادي.

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق