مجتمع

مختصون يدقون ناقوس الخطر الاعتداء على الأصول انحراف اجتماعي أم عقوبة إلهية

الإعتداء

من إعداد/ بن غالم نوال

في هذا الزمن المتطوِّر في كل نواحي الحياة نجد أن هنالك ظواهر اجتماعية جديدة وغريبة على المجتمع الجزائري  الذي عُرف بتماسكه الأسري وباحترام وتقدير الوالدين خاصة والأسرة الممتدة بصفة عامة.. ذلك لأن المجتمع الجزائري متمسك بالدين وهو بر الوالدين والإحسان إليهما.. ولكن أسوأ أنواع الظواهر التي بزغت في السطح أن يتجرأ الأبناء على ضرب آبائهم و ارتكاب أبشع صور العنف  ضد من قال فيهم الله عز وجل في محكم تنزيله «ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما»

 و لقد كشفت إحصائيات مصالح الدرك الوطني  عن أرقام خطيرة جدا بخصوص الارتفاع الخطير لظاهرة الاعتداءات العنيفة على الأصول من ضرب وجرح وسب وحتى القتل في بعض الحالات فقد سجلت مصالح الدرك خلال الثلاثي الأول لسنة 2012  113 حالة اعتداء ضد الأصول، فقد تم توقيف 96 شخصا منهم 41 أودعوا الحبس من بينهم نساء.

وحسب نفس التقرير، فان الأبناء الفاعلين أو المجرمين الذين يمارسون العنف ضد أصولهم خلال الثلاثي الأول 2012 تم الاعتداء على 67 ضحية منهم 43 من الآباء و24 من الأمهات، أما خلال سنة 2010 فتم الاعتداء على 324 من الأصول منهم 167 من جنس الذكور و157 من النساء ضحية الاعتداء، لترتفع الحصيلة إلى 358 ضحية .سنة 2011 تم الاعتداء عليهم من طرف أولادهم وبناتهم.

كما كشفت بعض الدراسات  البحثية، رغم قلتها، أن مظاهر انتهاك الأبناء لحقوق الآباء من الأمور غير الواضحة بسبب تكتم الآباء على ما يلاقونه من أبنائهم من عنف وانتهاك للحقوق، مما جعلهم يلجؤون إلى دور العجزة والرعاية بعيدين عن محيط الأسرة، حيث أوضحت دراسة عربية تحت عنوان “العقـوق.. تخلي الأبناء عن الوالدين”، أشرف عليها مختصون في شؤون الأسرة التي استهدفت معرفة أسباب دخول المسنين دور الرعاية الاجتماعية، ومعرفة إن كان هناك من يعمد إلى العقوق والتخلي الحقيقي من الأبناء عن الوالدين، وتبين أن الغالبية العظمى من المسنين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية ضعيفي الروابط الأسرية، ولاحظت الدراسة أن 86.6 % من أفراد العينة لا يوجد لديهم أبناء ذكور، كما يوجد 89.6 % منهم لا يوجد لديهم بنات، وأن هناك قرابة 13.6 % منهم لديهم أبناء ذكور، وهذه الدراسة تتفق مع الدراسة التي كشفت أن غالبية المسنين ليس لديهم أولاد يعيلونهم، وقليل منهم من يوجد لديه أولاد. وبينت الدراسة أن زيارة أفراد الأسرة لذويهم من المسنين داخل الدار لا تأخذ طابع الاستمرارية بل تتم على فترات متباعدة وقليلة ومتقطعة، فالذين يزورون آباءهم نسبتهم 23.4 %، إلا أنه من الملاحظ أن نسبتهم بين الإناث أكثر من الذكور، في حين يوجد 36.1 % لم يزرهم أحد البتة منذ دخولهم الدار، وهؤلاء نسبة الذكور بينهم أكبر، ثم هناك الذين يزورهم أقاربهم كل 3 أشهر أو في المناسبات، وهي الأعياد غالبا ونسبتهم 40.5 %، ومن هنا يتضح قلة زيارات الأبناء للآباء والأمهات الذين اختاروا دور العجزة بدلا من السكن مع أبنائهم بسبب تخلي الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم.

الاعتداء على الأصول….نتيجة للتربية الخاطئة

و عن الأسباب الاجتماعية للظاهرة يقول يوسف دكتور في علم النفس الاجتماعي   أن ظاهرة  الاعتداء على الوالدين تعتبر عارا في عرفنا الاجتماعي، والعادات والتقاليد في المجتمع الإسلامي لا تسمح بعدم احترام الوالدين نظرا لمكانتهم المهمة في المجتمع، وتنتشر هذه الظاهرة، خاصة في الأوساط المدنية مقارنة بالقروية وهذا راجع إلى الصعوبات والضغوطات التي تخلفها الحياة داخل المدينة وعادة ما نجد أن الجناة هم أغلبهم من الشباب والمراهقين والقصر الذين يجدون صعوبات كبيرة في التكيف والتطبيع مع المجتمع، ولقد تفشت هذه الظاهرة بشكل كبير في المجتمع لأسباب وعوامل عديدة منها تدني الوضع الاقتصادي للأسر وانحراف بعض الشباب وتعاطيهم للمخدرات، إذ يضطر المدمن تحت تأثير المخدرات إلى ارتكاب أفعال مشينة تدفع إلى التصرف بعدوانية مفرطة تجاه الآخرين، فإذا طلب من والديه أن يعطوه المال لشراء المخدر ورفضوا طلبه، فإنه يستخدم جميع أنواع العنف لتحقيق مطالبه، وحين يتعاطى الشخص المخدرات تقتل فيه الجوانب الإنسانية من إحساس بالأصول والدفء العائلي، فالإنسان المخدر لا يعي سلوكياته ولا يفرق بين شخص عاد ووالديه، وأي حوار معه يسبب له إزعاجا ورد فعل عنيف يتجلى في الضرب والسب إلى جانب انتشار البطالة في الأوساط الفقيرة، حيث أن الضغط وتراكم المشاكل الاجتماعية والمعيشية يولد الانفجار والعنف في العديد من الأحيان لاسيما أن الكثير من أبناء الجيل الحالي لا يتحملون المسؤولية ولا ينظرون إلى الأولياء بنظرة الاحترام، بل بصفة مشحونة بالانتقام على أساس أن أولياءهم أساس معاناتهم وتخبطهم في البطالة، بالإضافة إلى التفكك الأسري الناجم عن الخلافات، ونشأة الإبن على مشاهد العنف، ومع توالي الأيام يعمد الإبن إلى الانتقام من الوالدين محملهم المسؤولية عن الوضعية التي آل إليها، بالإضافة إلى الوازع الأخلاقي، فاختلال منظومة القيم وتراجع الأخلاق يشكل أحد الأسباب في انتشار الظاهرة، فقد أصبح مجتمعنا بفعل هيمنة القيم السيئة وتغليب المصلحة الذاتية يعيش نوعا من اختلال المعايير وتراجع العديد من القيم الاجتماعية كالتضامن والتكافل وتفشي الفردية أو الأنانية وغياب التواصل بين مكونات الأسرة وغياب آليات الحوار داخل الأسرة وانعدام التواصل وعدم القدرة على حل المشاكل الاجتماعية تسود لغة العنف ويحل معها فقدان الثقة بين مختلف أعضاء الأسرة وهو ما ينعكس سلبا على العلاقة مع المجتمع مما يخلق لدى الإبن إحساسا بالضياع والقلق فيدفعه من ثم إلى الانحراف واعتماد العنف تجاه ذاته وتجاه الآخرين، بالإضافة إلى حالة القلق والاحتقان التي عانى منها الفرد بعد معاناة سنوات من العنف الإرهابي فتولدت صورة العنف والعقد في تفكير بعض الأفراد. فنظرة بعض الأبناء لوالديهم هي نظرة انتقام، لأنهم ليسوا أثرياء، بل عاجزين عن تكوين ثروة، ويقول الأستاذ «أما عن الانعكاسات النفسية لهذه الاعتداءات على الوالدين، فهي جد خطيرة على استقرارهم النفسي، إذ أن الأشخاص المعنفين يتولد لديهم شعور حاد بالانقباض والإحباط وعدم القدرة على العيش بشكل طبيعي وحالة من فقدان الأمل في المستقبل وعدم الشعور بالأمان والاستقرار وفقدان الثقة في النفس.

أما  الأستاذ محمد إبراهيم أخصائي الاجتماعي والمشرف التربوي يرى  أن غياب دور الأسرة في تربية اولادها وتنشئتهم تنشئة دينية، واختفاء القدوة وعدم رعاية الالتزام الأخلاقي وعدم منح التربية فرصتها في تهذيب السلوكيات جميعها   أسهمت في خروج جيل يخرق المعروف ويأتي بغير المألوف. ويشير بإصبع الاتهام الى الفضائيات وضعف تربية الاسرة حيث يقول: وقعوا صيدا سهلا لأفكار منحرفة تغرسها الاقنية الفضائية التي تركز بعضها على محاربة الفضائل وخدمة الرذائل عبر خطط مدروسة ومستهدفة للأسرة والشباب وزاد من انحراف الأبناء ,إن كثيرامن الأسر لم تعد وفق فهم ووعي في تربية الأبناء لما تراه من إفراط في التدليل أو القسوة أو الشدة والسخرية او التفريق بينهم في العطاء والرعاية فأصيبت نفوسهم بالأمراض التي انعكست الى اعتداءات على الآباء والأمهات.

 

العنف ضد الآباء جريمة لا تغتفر

وفي اتصال هاتفي مع المحامي عبد الله  الذي تحدث لـ(جريدة التحرير) قائلاً: العنف ضد الآباء يعتبر عقوقاً بأي شكل من الأشكال ،والقانون هنا يعاقب الجاني بأشد العقوبات القانونية وتصل أحيانا إلى تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة القتل، فإذا كان الحق الذي أصابه الضرر المباشر بالجريمة أو تعرض للخطر يتعلق بشخص معين أو أشخاص معينين ، فإن الجريمة توصف بأنها مضرة بالأفراد كما هو الحال بالنسبة لجرائم القتل و الضرب و الجرح و جرائم الاعتداء على العرض وتفسير ذلك أن الضرب هو بحد ذاته يعتبر بالقانون جريمة فكيف إذا كان للوالدين ،وأشار عبد الله في حديثه إلى أن هناك حالات تحدث بسبب الخلاف على الإرث أحيانا وهذه ليست ظاهره إنما تحدث بين فترة وأخرى أن يقوم الابن بقتل والده ،ومع الأسف بكل الأحوال أن يقل الاحترام للوالدين ويزداد العنف ضدهم فهذا الأمر يعتبر خطيراً جدا ويحتاج الى معالجة نفسية قبل ان يستفحل ويصل الى درجة الضرب أو القتل وتشهد محاكم الأحوال الشخصية قضايا عديدة تختلف باختلاف السبب وكلها تتعلق بالعنف ضد الآباء من قبل الأبناء .

عقوق الوالدين….انتقام رباني


ومن وجهة نظر الشيخ يحيى أن من أسباب عقوق الأبناء للآباء هو الانتقام الرباني من بعض الآباء الذين عقوا آباءهم يوما وان الجزاء من جنس العمل حيث يقول قضاء الله نافذ وسنته أمر محتوم والعقل والنقل متفقان على أن الجزاء من جنس العمل، وهذا في كل الأديان والشرائع وهو المجبول أصلا في الفطر. فمن بر أباه بره أبناؤه وهكذا من عقهما عقه أبناؤه. وقد تناقل الناس جيلا بعد جيل قصة هي أشبه بالخيال والأسطورة ولكن الحال والواقع يصدقانها عن ذلك الابن الذي كان يجر أباه في الليل البهيم خارج المنزل دون شفقة أو رحمة، ويذهب به بعيدا فلما طلب من ابنه ان يكتفي بالمكان الذي جره إليه.
لأن هذا الأب قد جر أباه إلى نفس المكان من قبل واصل الابن جر أبيه زيادة في الإمعان والإذلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم).

كلمة أخيرة

ثمة كلمة لا بد منها تخاطب عقول الشباب . وهي أن قوة إيمان الشاب ورسوخ العقيدة الإسلامية في نفسه ووعيه هي الأساس في تحديد مساراته واتجاهاته في الحياة. ووقايته من الانحرافات والشذوذ والبقاء على الطريق الصحيح والصمود أمام مغريات الحياة وعواصفها ومواجهة المخطّطات المشبوهة التي تستهدف تخريب عقول الشباب وإفسادهم من أجل تقويض المجتمع الإسلامي وانحلاله وهدم أسسه .
فالإيمان يمدّ الشاب بالقوة اللاّزمة على الصمود والمواجهة والتحمل والصبر على المكاره ومقاومة الشهوات وحب المتع الدنيوية والجري وراءها ، بهدف الحصول على مرضاة الله تعالى والفوز بوعده, وجزاؤه للصابرين , وتجنب معصية الله تعالى وارتكاب المحرّمات والخوف من عقابه تعالى . وليكن شعار الشاب المسلم قوله تعالى : (ومن يتقِ الله يجعلْ له مخرجاً ويرزقْه من حيث لا يحتسب. صدق الله العظيم.)

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق