ثقافة و أدب

قراءة نقدية في رواية : فجرالغيطان للكاتب والصحفي : خليفة قعيد

16

بقلم الناقد والكاتب: الجيلاني شرادة

قدم لنا الإعلامي : خليفة قعيد روايةتحمل عنوان – فجر الغيطان – في 204 من الصفحات ذات الحجم المتوسط , وقد عكستالرواية التجربة الإبداعية والأدبية للكاتب والتي انطلقت من أواسط الثمانينات أيامالدراسة الجامعية بباتنة حينما بدأها بكتابة القصة القصيرة ثم الكتابة الصحفية التيلازمته طيلة حياته المهنية إذ يشتغل حاليا صحفـيابـ “جريدةالخبر”
قدم لنا الإعلامي : خليفة قعيد رواية تحمل عنوان – فجر الغيطان – في 204من الصفحات ذات الحجم المتوسط , وقد عكست الرواية التجربة الإبداعية والأدبيةللكاتب والتي انطلقت من أواسط الثمانينات أيام الدراسة الجامعية بباتنة حينما بدأهابكتابة القصة القصيرة ثم الكتابة الصحفية التي لازمته طيلة حياته المهنية إذ يشتغلحاليا صحفـيا ومدير مكتب جهوي لـ “جريدة الخبر”

أول ما يتبادر إلى ذهن قارئ رواية – فجر الغيطان- أنه أمام رواية كلاسيكية لما تحمله من خصائص الرواية العربيةالتقليدية ,, فأدوات فهم الرواية  بسيطة وغير مركبة وقد قصد الكاتب ذلك وأصر عليه – حسب ما صرح بذلك في الندوة التي  قدم فيها الرواية  للقراء – ولا ندري هل ستكون هذهالطريقة منهج الكاتب في المستقبل أم سيختلف الأمر باختلاف المعطيات التي أملت عليهذلك ( حسب قوله ) لذا نذكر في البداية بأننا سوف نجاري طبيعة كتابة الرواية , وسوفنتجنب المناهج العلمية و النظريات النقدية الحديثة ونقرأ رواية ( فجر الغيطان ) قراءة تقليدية نبرز فيها بعض خصائصها الفنية مبنى ومعنى , وذلك حسب فهمنا لها , وحسب اجتهادنا في تحليلها , دون أن ندعي بأن لدينا الكلام الفصل أو أننا أصحاباختصاص…..
فجر الغيطان :  رواية اجتماعية تحكي تطور فئة من المجتمع الجزائري , حسب المعطيات الاقتصادية والسياسية والتغيرات المختلفة التي عايشها المجتمع بعدالاستقلال , تجري أحداثها في بيئتين مختلفتين , الأولى بيئة صحراوية ريفية مركزها ( الغوط = غابة النخيل) بكل ما يحمله الغوط من رموز ثقافية ( عادات وتقاليد ونمطحياتي صحراوي وتقليدي بسيط ). والثانية بيئة المدينة بما تحمله من التقاليد الحضريةالجديدة وما هب عنها من رياح العصرنة آخذة منه التفسخ والتشتت الأسري والانحلالالاجتماعي وما ينطوي عنه من حب الذات والأنانية واستعمال المكائد والدسائس في غيابالضمير ( المهني ) والمصلحة العامة …

صالح : هو البطل الرئيسي للرواية , رجلمتشبع بالمبادئ الأصيلة لابـن الغوط , يعمل بفرع الجنوب لمعامل التمر يجتهد ليصبحمديرا لهذا الفرع  ثم يكافئ بمسؤولية كبيرة في المؤسسة الأم بالشمال وينتقل معأسرته هناك ليبدأ الصراع ويعيش التناقضات والدسائس والتي تؤدي به إلى التوقيف عنعمله والعزلة عن أسرته
رشيد : المسؤول المباشر ومدير الشركة الذي يرقي صالح فيعمله ولما لم يسايره في الفساد ينتقم منه بكمين لا أخلاقي محبوك  يؤدي إلى عزلومتابعة بطل الرواية ..
صونيا : امرأة لعوب يستعملها رشيد لتنفيذ خطط الفسادالمختلفة وبعد تورطها تميل إلى صالح وتتعاطف معه في محنته بل ويعيد معها الزواج بعدعزلته عن أسرته الأولى..
رقية : ابنة الريف العاملة بفرع الجنوب تتزوج صالحوتنتقل مع بقية العائلة إلى المدينة , عرفت بحبها ووفاها لزوجها , على الرغم مماتعانيه من مضايقات ..
وعلى اعتبار التركيبة التقليدية للقصة , فهي تنطلق منالغوط ثم الفضاء الاجتماعي الصحراوي
بكل أبعاده خاصة صعوبة العيش ومشاق الحياةوالصراع مع الطبيعة الصحراوية القاسية وصمود الإنسان فيها وتصميمه على أن يحولهاإلى واحة خضراء ثم تنطلق خيوط القصة نحو الشمال وقد نجح الكاتب في المحافظة على حبكأحداث القصة حيث النمو المنطقي للأحداث بكل واقعيته بما فيه الانتقال نحو المدينةوالصراع الدائر فيها , حيث ينجح رشيد في حبك خيوط الدسائس ويوقع بالبطل صالح شرالوقع وهنا قمة التأزم حيت يصبح البطل متهما في شرفه ومعزولا لا عن عمله فقط بل حتىعن أسرته وزوجته التي حبذت عدم العيش معه ..وهنا نقف عند ما يعرف بالعقدة فيالرواية التقليدية ..حيث نجح الكاتب في شد خيوطها وبقوة ..حتى خلنا أن الكاتب أيضاكان ضد البطل صالح حيث أغلق عنه كل منافذ الحياة..
ويأتي الحل من الخارج( خارجالوطن) ولا ندري إن كان رمزا مقصودا من الكاتب , أو جاء حسب السياق العام لأحداثالرواية ,حيث يقدم ملف الفساد ( تعاطي الرشوة والعمولات) الخاص برشيد وجماعته إلىسفير البلاد ( في دولة اسكندنافية ) وتبدأ التحقيقات مع جماعة رشيد لتنكشف خيوطالمؤامرة المحاكة ضد صالح , فينصفه القضاء ويعاد له اعتباره على أعلى مستوى فيالبلاد , ويقرر المسئولون تحويل الشركة إلى الجنوب ويعود صالح والعائلة إلى جوارالغيطان ..
ما يسجل للكاتب هو استيفاؤه للعناصر الفنية للرواية وإعطاءكل مرحلة حقها الفني المطلوب وكذا التنقل التدريجي والمنطقي من عنصر إلى آخر وفقنسق فني مدروس يعكس تمكنه من فنيات الرواية التي  تبدو كما لم تكن- فجر الغيطان- باكورة إنتاجه ., وحتى نعطي لهذه النقطة حقها فقد تبادر لنا في حبكة الرواية كما لوكان هناك خللا في نهايتها , فبعد حل العقدة وإنصاف البطل وعودته بالشركة – التيأصبح مديرها –  إلى الجنوب ..وهي النهاية المريحة المنتظرة  والتي تنتهي في الصفحة  (197) نجد الكاتب يعود من جديد إلى طرح قضية جديدة وهي  قضية  صعود المياه بالجنوبوهي المعضلة الإيكولوجية المعروفة واسترسل في ذلك جاعلا نهايتها مفتوحة ., فبالمقاييس التقليدية لصياغة الرواية فإن نهايتها تكون بحل عقدتها ., وما يطرح بعدذلك يعتبر عيبا فنيا في حبك عناصرها ,, وعلى اعتبار أن ما يطرحه الكاتب من إشكالخاص بصراع الغيطان مع صعود المياه هو من صميم موضوع الرواية , فكان بالإمكان طرحهذه القضية داخل الرواية , كأن تطرح القضية في وسائل الإعلام – الجريدة مثلا –  فيالفترة التي كان فيها البطل نادلا  في المقهى وتتم مناقشة الظاهرة ,  أو بأي صيغةأخرى على أن تكون قبل حل العقدة وهو أمر متاح بالنسبة للكاتب…. أما إذا التمسناعنصرا الزمان والمكان في الرواية فالأمر أيضا فيه تعقيد , وباختصار فإن الكاتب لميعطنا اسم  مكان ما يمكن أن نحط فيه رحال الرواية ولا تفسير عندنا لتمنع الكاتب عنذلك  ., فما يضير الكاتب لو مركز غيطانه مثلافي  (الرباح أو الرقيبة ) فحتى لفظ ( الوادي أو سوف ) لم يرد في الرواية ولم يرد اسم لمدينة ما ولا حتى اسم الدولة , وحتى الدولة الأجنبية التي يتصل بها بعض أبطال الرواية فقد اكتفى الكاتب بوصفها بـ 🙁 إحدى الدول الاسكندينافية )…أما بالنسبة للزمان فيبدو أن أحداث القصة تجري بعدفترة الاستقلال ويصعب حصرها ., وبعملية حسابية فهي تنطلق من طفولة البطل ( صالح ) إلى أن تحصلت ابنته الكبرى على شهادة الباكالوريا , والسقف الزمني هو ظاهرةالاحتجاجات الشعبية وما يقوم به الشباب من قطع الطرق والتهجم عن المؤسسات الإداريةوإذا أضفنا إلى ذلك ما ورد في الرواية من حق العمال في الإضراب وهو المكسب الذيتحقق بعد التعددية الحزبية والنقابية فسوف نستنتج ملاحظة ذات أهمية وهي أن أحداثالرواية قد مرت بـ ( سنوات الجمر) أي سنوات الأزمة الأمنية ( فترة التسعينات ) وماعاناه المجتمع الجزائري من أزمات أمنية واجتماعية مختلفة غفل عنها  الكاتب و لميتوقف عندها ولو بملاحظة عابرة  …..أما التحليل النفسي للشخصيات فقد أجاد الكاتبفي ذلك خاصة مع شخصية البطلة : صونيا بالدرجة الأولى وكذلك البطل الرئيسي: صالح . أما بالنسبة للزوجة -رقية- فنلاحظ غياب الشعور بالغيرة عندها , فنجدها مثلا – وهيالتي تحب زوجها – توافق مباشرة ودون رد فعل عن زواجه من( صونيا ) وتتعامل مع( ضرتها ) فيما بعد كما لو كانت أختها حيث تتعاطف معها بل وتعزي زوجها فيها الخ ..كذلكبالنسبة لصالح الذي يعرف علاقات صونيا ( المنحلة ) بالرجال مع وجود شريط جنسي مصوريكشف هذه العلاقة ومع ذلك يقبلها زوجة له وهو ما لا يتماشى وأخلاقيات أبناءالغيطان..
وعلى الرغم من حرص الكاتب على توظيف الفصيح في اللفظ والتراكيب إلاأن بعض العبارات وردت بشكل غير سليم إما لكونها مستوردة من بيئة أخرى أو للشك فيفصاحتها , ومن هذه العبارات ما تكرر عدة مرات مثل عبارة : أكثر من اللزوم .. أوأكثر من اللازم.. و التي وردت في مواضع مختلفة راجع مثلا الصفحات : 57 /169 / 174 /184 الخ وكذلك الحال في بداية الحوار بقوله : على فكرة.,.. وكذا في قوله : مسجل فيالشهر العقاري …أي : إدارة التوثيق . إضافة إلى قوله : مفتش المباحث ..أي : مفتشالشرطة…ومعلومات …المباحث .أي الأمن …
ص : 193 / و..189./ ..ومن العباراتالتي لم يراجعها الكاتب جيدا  قوله : رقية التي هي تحت ذمته ..أي : في ذمته…وكذاقوله : يسخط رئيس البلدية في وجوههم…وقوله الشبان المهتاجين ..الخ ….ومنالألفاظ ذات الاستعمال البعيد والتي استعملها الكاتب على الرغم من ثقلها نذكر    مايلي : مستطير…ساهم …المعاذير… التبضع…أفراس …الإعاشة….الخ

وكلما ذكرته في اللغة والأسلوب لا يعدو أن يكون انطباعا عابرا لا يقلل من جمال أسلوبالكاتب وحرصه على اختيار ألفاظه السلسة والفصيحة وكذا  الصور البيانية الجميلة , لاحظ مثلا هذه الصورة الجميلة والمأخوذة من البيئة ولا يركبها إلا من ترعرع بينالكثبان الرملية وعايش الجمال واستعمل وبرها ,يقول الكاتب مشبه الكثبان الرملية بعدنزول المطر: (..تبدو الكثبان الرملية المبللة في لونها البني وكأنها تلبس وير الإبل ..)وكثير من مثل هذه الصور الجميلة .,  وقد نجح الكاتب في الارتقاء عن أسلوبهالصحفي إلى ما هو أكثر سبكا وجمالا … وفي اعتقادنا أن كل ما ذكرناه من خصائصأسلوب الرواية لا  يمنع صاحبنا من مجارات الأساليب المحدثة في كتابة القصة , خاصةوأن الكاتب  يمتلك أدوات اللغة الفصيحة المرنة  و مقدرة قوية في التحكم في صيغهامما يؤهله  لخوض التجربة الحديثة نظرا لما تحتويه من جماليات لها ذوقها ومتعتهاوشاعريتها الجميلة ..

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق