ثقافة و أدب

مبادرات للمحافظة على الموروث الأمازيغي بولايتي ورقلة وتقرت

ترقية الثقافة الأمازيغية

مبادرات للمحافظة على الموروث الأمازيغي بولايتي ورقلة وتقرت

تحرص عدة جمعيات وفعاليات ثقافية محلية بولايتي ورقلة وتقرت على المحافظة على الموروث الثقافي واللغوي الأمازيغي، من خلال تنظيم عدة تظاهرات ثقافية ومعارض لإبراز جذور هذا التراث عبر التاريخ.

ويسعى فاعلون في المجال الثقافي ومهتمون باللسانيات إلى توثيق الرصيد الثري من الموروث الثقافي الأمازيغي المادي منه واللا مادي، والذي يشكل عنصرا هاما في مكونات الهوية الوطنية.

ومن بين المساهمات الجمعوية، تدوين التراث من شعر وأغان محلية وقصص وروايات كانت شفوية عبر الأجيال، من خلال تسجيلات حية من الأجداد الذين لا يزالون على قيد الحياة عبر مناطق بالولايتين، كما أوضح رؤساء جمعيات ثقافية محلية.

كما تعززت الساحة الثقافية المحلية بهاتين الولايتين بإصدار مؤلفات حول اللغة الأمازيغية بمختلف تنوعاتها، نشرت بمبادرات خاصة لمهتمين بالدراسة والبحث في المتغيرات اللغوية المحلية التي ما زال يتمسك بها ساكنة المنطقة.

وأغلب تلك المؤلفات بادر بها شباب بغية تدارك أوضاع هذا الرصيد اللغوي المحلي المهدد بالاندثار، من خلال اعتمادهم على ما تحتفظ به ذاكرة مشايخ وكبار السن وتوثيقها في كتب وقواميس مبسطة لشرح مفرداتها وفهم قواعدها.

قواميس وكتب لتعلم اللغة الأمازيغية

وفي سياق نفس الجهود، أصدر المؤلف خالد بن أحمد فرتوني من ورقلة، قاموسا (عربي-أمازيغي) بالمتغير الورقلي “تقرقرنت” بعنوان “إيوالن تقرقرنت” باستعمال كلمات تيفيناغ ونطقها ومقابلها بالعربية وأمثلة بالأمازيغية.

كما يتضمن القاموس قواعد قراءة وكتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني وسلسلة من الضمائر والصفات والنعوت وأدوات الاستفهام والإشارة وغيرها من الأدوات اللغوية والمعرفية في علم اللسانيات.

وجمع المؤلف في قاموسه الذي صدر في 2016، عدة كلمات أمازيغية اندثرت مع مرور الوقت، وأخرى مهددة بالزوال لقلة استعمالها، بغرض استرجاع وتكريس استعمالها في الحياة اليومية للمواطن الورقلي، حسب شروحات المؤلف.

كما حاول الأستاذ فرتوني في هذا الإصدار، وضع مقاربة بين المتغير الورقلي-الزناتي والمتغيرات الأمازيغية الأخرى (الشاوي والميزابي والقبائلي)، بل وحتى متغيرات اللغة الأمازيغية على مستوى المنطقة المغاربية، معتمدا على رؤية متكاملة زادت من ثراء عمله اللغوي.

وللمؤلف إصدار ثان يحمل عنوان “أوال أناغ” أي “لغتنا”، وهو كتاب شبه مدرسي لتعلم أبجديات اللغة الأمازيغية بالمتغير الورقلي – الزناتي “تقرقرنت” موجه للطور التحضيري والابتدائي.

ومن جهته نشر المؤلف الشاب يوسف غطاس من بلدة عمر بولاية تقرت، قاموسا لغويا مبسطا بالمتغير المحلي “تاشلحيت” الخاص بساكنة وادي ريغ، جمع فيه عدة مفردات، مركزا على جمع الكلمات المهددة بالاندثار بمنطقة تقرت، وذلك تحت إشراف المحافظة السامية للأمازيغية من خلال متابعة التدقيق اللغوي.

وتجري أيضا تحضيرات لترجمة السلسلة الموجهة للأطفال”أتعرف على تراثي وتاريخي”، الصادرة بمبادرة من الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية إلى اللغة الأمازيغية بالتعاون مع المحافظة السامية للأمازيغية بهدف غرس الثقافة المحلية لدى الأجيال القادمة لمعرفة الموروث الثقافي والمعالم التاريخية التي تزخر بها المنطقة، وكذا المحافظة عليه، وفق توضيحات المديرة الفرعية للديوان بورقلة أم الخير بن زاهي.

ومن جهتها تحرص إذاعة “الواحات” المحلية بورقلة على بث برامج متنوعة تهتم بالموروث الثقافي الأمازيغي المتنوع بهاتين الولايتين.

وتبث في هذا الصدد برامج إذاعية بالتعاون مع القناة الثانية الناطقة بالأمازيغية، إلى جانب تنشيط كوكبة من الإعلاميين المحليين المهتمين بترقية اللغة الأمازيغية، برامج على مدار الأسبوع باللهجة المحلية “تقرقرنت” و”تشلحيت”، ذات مضمون اجتماعي وثقافي وتراثي وديني وترفيهي أيضا.

ومن بين الحصص الإذاعية التي لقيت تفاعلا كبيرا لدى المستمعين، حصة “ثيفيث نمزداغ” أي “مرآة المجتمع” التي تعالج أسبوعيا مواضيع اجتماعية بمرافقة أخصائية تقدم نصائح وحلولا لبعض القضايا الاجتماعية.

كما تبث أيضا حصة “أقاز نتنفوس” أي “حصة الأحاجي” تقدم مضمونها بالمتغير الورقلي، وأيضا برنامج “دزيقما” أي “الخط الأول للنسيج”، الذي يتطرق إلى الموروث الثقافي الأمازيغي بالجزائر.

ويرى الإعلامي صالح تمينة من إذاعة “الواحات” أن جهود الهيئات المعنية والجمعيات وأيضا نشاط الأكاديميين المحليين سمحت بتكريس مكانة اللغة الأمازيغية وترقيتها في أوساط المجتمع الورقلي، وعملت أيضا على نشر الوعي بأهمية تعليمها للنشء.

ومن جهتها أكدت الإعلامية زينب بوغابة ضرورة اهتمام الأسرة بصفة خاصة بتعليم الأبناء المصطلحات المحلية للغة المنطوق بها حتى يتمكن الطفل من تعلم الأمازيغية بسهولة.

وبدورهم حث أكاديميون وجامعيون بالولايتين على ضرورة تعميم تدريس هذه اللغة بالمؤسسات التربوية من أجل المحافظة عليها.

وأوضح من جهته رئيس جمعية “الفجر” للسياحة والتراث الأمازيغي ببلدة عمر لمين بوخلاط، أن جهود الجمعية والمجتمع المدني سمحت بفتح قسم لتدريس اللغة الأمازيغية في موسم 2017/2018 خاص بتلاميذ السنة الأولى ابتدائي، معتبرا ذلك “خطوة إيجابية” لتعميم تدريس اللغة الأمازيغية وتعريف الأجيال بتراثهم الثقافي واللغوي.

كما بادرت بعض المدارس الخاصة بولاية ورقلة إلى فتح أقسام دروس مسائية لتعليم الأطفال مواد أساسية باستعمال اللغة الأمازيغية المحلية.

ويضاف إلى تلك الجهود تأسيس المجلس العلمي للغة الأمازيغية بالمتغير الريغي التابع لجمعية “اقرأ” للثقافة والتنمية العلمية ببلدة عمر (ولاية تقرت) الذي من بين مهامه جمع المفردات للهجة الشلحية وإعادة الاعتبار لتراث المنطقة بالتنسيق مع مشايخ المنطقة لجمع التراث المادي واللا مادي وبمتابعة من المحافظة السامية للغة الأمازيغية.

تجارب محلية لإنتاج أفلام وثائقية بالأمازيغية

يعد فيلم “أراك داراك” أي “ابنك هو ابنك” بـ”تقرقرنت” الورقلية، أول تجربة محلية في إنتاج أفلام وثائقية بالأمازيغية بولاية ورقلة، ويعرض الفيلم مشاهد من طبيعة الحياة اليومية لساكنة القصر العتيق خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

كما يسلط الضوء على مجالات عديدة من الحياة الثقافية والاجتماعية والرياضية وغيرها لساكنة ورقلة قديما وحديثا، سيما ما تعلق بالأعراس التقليدية والحياة الأسرية والتكافل الاجتماعي والهيئات الاجتماعية العرفية (العشيرة) في معالجة المشاكل الأسرية والمجتمعية وغيرها.

ويعد هذا الإنتاج المحلي “خطوة هامة” في مجال إبراز الموروث الثقافي والتراثي لساكنة قصر ورقلة العريق وإعادة إحيائه من خلال تعريفه للأجيال الناشئة وتحسيسها بأهمية المحافظة عليه.

وجاءت مبادرة إنجاز هذا العمل الفني الذي أخذت أولى مشاهده من داخل القصر وتحديدا من زاوية سيدي عبد القادر الجيلالي بحي بني إبراهيم، واختيرت شخصياته من سكان القصر، من طرف عدة جمعيات ناشطة في مجال المحافظة على الثقافة والموروث الشعبي للمنطقة وبتمويل ذاتي، حسب أصحاب هذا المشروع الثقافي.

كما تقوم بعض الجمعيات المهتمة بالتراث المحلي بإعداد أشرطة وثائقية بالورقلية حول مختلف المعالم الأثرية بالمنطقة على غرار القصور.

ويقوم في هذا الشأن الإعلامي محمد لحول الطيب من ولاية تقرت بإعداد ربورتاجات قصيرة وشهادات حية حول منطقة وادي ريغ بالمتغير الأمازيغي المحلي “الريغية” لإبراز الموروث الثقافي والسياحي للمنطقة.

محمد علي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق