B الواجهة

“التحول الرقمي”أكبر أثر إيجابي مستدام لجائحة “كوفيد-19” على الاقتصاد الوطني

الدكتور نور الدين جوادي لـ”التحرير”:

“التحول الرقمي”أكبر أثر إيجابي مستدام لجائحة “كوفيد-19” على الاقتصاد الوطني

n الأزمات الاقتصادية شكلت على الدوام نقاط تحولا جذريا في مسارات التنمية للكثير من التجارب الدولية

n وأزمة كوفيد 19 فرصة تاريخية لمشروع الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي لاستثمار إيجابياتها

 nوالرقمنة ومع أنها رهان نجاح مشروع الجزائر الجديدة فإنها أضخم وأجل الأثار الإيجابية المستدامة لكوفيد 19 على الاقتصاد الجزائري

 n والحكومة ملزمة بالتعامل بجدية مع الجائحة في المرحلة القادمة للاستفادة منها.

بقدر حجم الآثار السلبية التي أفرزتها (ولا تزال تولدها) جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد الوطني على غرار كامل اقتصادات العالم، فإنه من الناحية الموضوعية منحت هذه الأزمة الراهنة لمشروع الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي فرصاً تنموية ثمينة يمكن استثمارها لتقليص مدى الحائجة وتقصير عمرها من ناحية، ومن ناحية ثانية يمكن الارتكاز عليها لإنجاح مشروع الجزائر الجديدة، فالأزمات الاقتصادية أثبت التاريخ أنها شكلت على الدوام نقاط تحول جذري في مسارات التنمية للكثير من التجارب الدولية.

ولعل أضخم وأجل أثر إيجابي مستدام لجائحة كوفيد-19 على الاقتصاد الوطني هو تسريع معدل تغلغل”التحول الرقمي”في الاقتصاد بمعدل (شهر= السنة) كأقل تقدير، هذا التحول الذي يشكل رهان نجاح مشروع الجزائر الجديدة يمكن تأكيده من خلال تحولات كبرى:

nأولاً:تعزيز “البنية التحتية الرقمية”بفعل التعميم العاجل للتكنولوجيات والتقنيات الرقمية عمودياً وأفقياً في عمق المنظومة الاقتصادية للدولة، والذي رافق البروتكول الصحي للوقاية والحد من انتشار وباء كورونا كوفيد-19.

فعلى سبيل المثال، انطلقت الحكومة ممثلة في مؤسسة “بريد الجزائر” في حملة وطنية للتوزيع المجاني لجهاز الدفع الإلكتروني (TPE) على كافة المتعاملين الاقتصاديين دون استثناء، وحددت تاريخ 31 ديسمبر 2020 كأجل نهائي أمامهم لوضع الجهاز تحت تصرف المواطن، وقد جاء ذلك تطبيقا لأحكام المادة 111 من قانون المالية الجزائري لسنة 2020 (الجريدة الرسمية رقم 81 الصادرة بتاريخ 30 ديسمبر 2019، ص 40)، والتي نصت على: يتعين على كل متعامل اقتصادي، بمفهوم القانون رقم 04-02 المؤرخ في 23 يونيو سنة 2004 الذي يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، المعدل والمتمم، يقدم سلعاً و/أو خدمات للمستهلكين، أن يضع تحت تصرف المستهلك وسائل الدفع الإلكتروني قصد السماح له بناء على طلبه بتسديد مبلغ مشترياته عبر حسابه البنكي أو البريدي الموطن قانونياً على مستوى بنك معتمد أو بريد الجزائر… وعلى المتعاملين الاقتصاديين الامتثال لأحكام هذه المادة بتاريخ 31 ديسمبر 2020 كأقصى حد.

وهذه الحملة الأولى من نوعها من شأنها أن تأسس لبنية رقمية واسعة الاستعمال في الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية في الجزائر باعتبار أن بطاقة الدفع لمؤسسة “بريد الجزائر” والمعروفة بـ “البطاقة الذهبية” تعتبر من أكثر الوسائل الرقمية انتشارا بين المواطنين بحوالي 6 مليون بطاقة.

وفي نفس السياق، أطلقت الحكومة خدمة “بريد باي” كوسيلة دفع جديدة عن طريق الهاتف النقّال من خلال تكنولوجيا قراءة الرّمز الشريطي ثنائيّ الابعاد، أو ما يعرف  برمز الاجابة السريع (QR).كما و كشف “وزارة التجارة” عن فتح فضاء إلكتروني موجه أساساً للمؤسسات للقيام بعملية إيداع حساباتها الاجتماعية السنوية عبر البوابة الإلكترونية “سجل كوم”، و الذي سيكون استخدامه اختيارياً هذه السنة مع إجبارية الدفع من خلاله انطلاقا من العام القادم 2021.

و أما كل من وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتزامنا مع موسم 2020/2021 فقد تم اعتماد أرضيات رقمية وتعزيزها للقيام بكل الإجراءات الخاصة بالاطلاع على نتائج الطلبة والتسجيلات، خاصة منها ما تعلق بالدفع الإلكتروني لرسم الدراسة الرمزي المقدر بـ 200 دج بالنسبة للطلبة الجامعيين لأول مرة.

nثانياً:اتساع”الوعي الرقمي”أو بتعبير آخر تسارع الاستجابة للرقمنة لدى الفاعلين الاقتصاديين (القطاعين العام والخاص) منتجين، تجار و مستهلكين … ظل تجميد الكثير من النشاطات الاقتصادية وغير الاقتصادية بطبيعتها التقليدية، والذي أشارت بعض الدراسات أنه تضاعف (أي معدل الاستجابة) بحوالي 40 مرة.

و قد كشفت بيانات “بريد الجزائر” أن عمليات الدفع الإلكتروني تطورًا ملحوظاً في الآونة الأخيرة وإقبالاً لافتاً من قبل المواطنين، ففي حين لم يتجاوز المعدل الشهري لعمليات الدفع الإلكتروني لمؤسسة “بريد الجزائر” 51 ألف عملية شهرياً عام 2019، تجاوز حدود 317 ألف عملية شهرياً خلال أربعة أشهر بين مارس إلى جوان 2020. أما المبالغ التي تم تحويلها من خلال عمليات الدفع الإلكتروني فقد ارتفع إجمالها من حدود 2 مليار دج خلال 2019 إلى أكثر من 6.6 مليار دج خلال الـ 8 أشهر الأولى للعام 2020 تمت من خلال 2.4 مليون عملية منها 2 مليون عملية في المنصة النقدية لبريد الجزائر (أي بمعدل 86% من مجموع المعاملات المسجلة)؛ وهذه الأرقام تجسد تطورًا مشهودًا لخدمات الدفع الإلكتروني، كما أنه تسارع كبير جدًا للاستجابة للرقمنة لدى المواطن الجزائري يفسر انتشارًا أوسعا لـ “الوعي الرقمي” والتوجه نحو وسائل الدفع الحديثة وتقنيات الحياة الرقمية.

n ثالثاً: تولد “الثقافة الرقمية” و تهيج معدل الاندماج في الخدمات الرقمية كأسلوب جديد للحياة العامة و السلوك الاقتصادي تزامناً مع الدعوة (أو الاضطرار) إلى استعمال تلك التكنولوجيات كبديل أمثل لتطبيق التباعد الاجتماعي وتفادي الاحتكاك المباشر الناقل للعدوى.

و على سبيل المثال أشارت دراسة لشركة “مكنزي McKinsey” أنه في الولايات المتحدة الأمريكية كان من المتوقع أن يصل تغلغل التجارة الإلكترونية إلى 24% بحلول عام 2024، وانتقل بفعل جائحة كوفيد-19 من 17% إلى 33% في شهرين فقط. كما وتُظهر البيانات الحديثة أنه في الدول المتقدمة تم قفز 5 سنوات إلى الأمام في تبني الرقمنة في غضون 8 أسابيع تقريبًا من تفشي الوباء (انتشار الخدمات المالية عن بعد، الفصول الرقمية، التطبيب عن بعد…إلخ).ويعتقد أن هذه النسب التي يمكن استقراؤها وتعميها سيما وأنها وبقدر ما تؤكدها مجريات الواقع المعاش في غالبية دول العالم بما فيها الجزائر، فإنها من حيث القراءة العلمية جد مقبولة.

بالمختصر، أعتقد أنه سيقترن اسم “كوفيد-19” حتماً بعبارة “التعامل عن بعد”، وسوف تشكل “حقبة كورونا 2020” إحداثيات البداية لاقتصاد “الثورة الرقمية”، ذلك كما شكلت من قبل نهاية “الحرب العالمية الثانية 1945” إحداثيات البداية للنظام العالمي الجديد في ظل اقتصاد العولمة.

وفي الأخير، يمكن القول أن تسريع معدل تغلغل التحول الرقمي في الاقتصاد من أكثر الآثار الإيجابية التي ستخلفها أزمة كوفيد-19، خاصة وأنه “أثر دائم” باعتبار أن توجه المستهلكين والمنتجين إلى الرقمنة سيظل قائماً (بل ويتطور) حتى بعد انقضاء الأزمة. فالدراسات أكدت أن أكثر من 75% ممن استخدموا تقنيات رقمية لأول مرة زمن كورونا سيستمرون في استخدامها، بل سيسعون بجد لتوسيع استخدامهم لها وتطوير طرق تعاملهم معها.

كما ويبقى على الحكومة التعامل بأكثر احترافية مع الجائحة للاستفادة من مزاياها، ويبقى ذلك رهان الإرادة السياسية بالدرجة الأولى، والاستعانة بكفاءات بدرجة أساسية، سيما وأن الدولة على أبواب مرحلة جديدة يمكن من خلالها تحقيق ذلك.

محمد علي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق