تحقيقات

المبدع الذي جعل من الإعاقة طاقة وانطلاقة

بورتريه/

أسير التحدي الطاهر بوصبع…..

المبدع الذي جعل من الإعاقة طاقة وانطلاقة

يعرف بالشاعر العصامي، والأديب المتحدي الذي يكتب بقلم جرييء ، يبدع في تركيب الكلمات لتصبح أبيات شعرية تخرج من قلب صادق متحمل للآلام والآمال، إنه الطاهر بوصبع الذي ذاع صيته في سماء ولاية ميلة وبين أحيائها وشوارعها ، الصغير ، الكبير ، الرجال والنساء يقدم التحية صباحا ومساءا ، وأينما تم لقاء هذا المتحدي والمبدع العصامي الذي جعل من الإعاقة طاقة وانطلاقة.

الطاهر بوصبع الشاعر والكاتب الثائر الذي ولد في اليوم الخامس عشر أفريل من عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين ببلدية تسالة المطاعي بميلة، من أسرة متكونة من إثني عشر فردا وترتيبه بين إخوته الثالث. و بعد سنة من مولد الشاعر الطاهر بوصبع انتقلت العائلة إلى منطقة دوار بن زكري و بالضبط الدشرة الحمراء ببلدية عين التين بميلة وذلك لأسباب تتعلق بالظروف المعيشية الصعبة التي كانت تعاني منها أغلب العائلات خاصة القاطنة في المناطق النائية التي تفتقد إلى أبسط ضروريات الحياة .ففي دوار بن زكري أين ترعرع أسير التحدي شاءت الأقدار أن يتوشح رداء المرض والإعاقة وهو في سن الثالثة ، مرض متطور يصيب جميع عضلات الجسم ،يفقدها فعالياتها مع مرور الزمن إنه مرض ضمور العضلات الشوكي الذي أثر سلبا على الطفل وعائلته، فكانت طفولة الطاهر بائسة على أكثر من صعيد قضاها في قرية جبلية نائية،مضطرا لقطع حوالي ثلاثة كيلومترات مشيا على الأقدام،من البيت إلى المدرسة على مسالك وعرة،وخالية من السكان،وإن كان المرض خفيفا في البداية،إلا أنه كان يعيق الطاهر التلميذ عن اللعب مع أقرانه ،فكان الحرمان الأول من ممارسة طفولته على أكمل وجه ،وإنغرست في نفسه عقدة كبيرة ،وإن كان جانبها السلبي يتمثل في ذلك الخجل والانطواء اللذان لازماه طويلا، إلا أنها وفي جانبها الإيجابي كانت حافزا،ودافعا قويا له كي يحاول تعويض ذلك النقص الجسدي الذي يعانيه بالسفر في فضاءات الدراسة والمعرفة،فكان الطاهر الطفل الرجل منذ الطفولة الأولى،وإكتمل وعييه باكرا بما يدور حوله ،وبما يعانيه ،وبما يجب عليه فعله ،فكان دائما من بين الأوائل في الصف المدرسي ،إلى أن أقعدته الإعاقة تماما في سن الرابعة عشرة ،وجعلته حبيس كرسي متحرك صار جزءا من ديكور حياته. كان حينها يطرق أبواب المراهقة،ويتطلع إلى مستقبل أفضل .

إعاقة الطاهر بوصبع أبعدته عن الدراسة وعن العالم الخارجي مدة ست سنوات ، كان خلالها حبيس بيت ضيق لا يستجيب لأدنى متطلبات الحياة الكريمة مع أسرة كبيرة العدد ، وفقيرة الحال،حتى بدأ يغوص في دوامة من اليأس والاستسلام لواقع كان يدفع به إلى حافة الجنون .وكانت الإعاقة تزداد قسوة وعنفوانا،وتفقده المزيد من الحركات اليومية الضرورية ،حتى صار يعتمد على الآخرين بصفة كبيرة،حتى في الأمور الجد شخصية،والمحرجة في بعض الأحيان. فالبرغم من هذه الحالة وهذا المرض الذي أقعد الطاهر بوصبع على كرسي متحرك إلا أنه كان متيما بمطالعة مختلف الكتب خاصة منها الكتب الأدبية،متأثرا  ببعض الأدباء والشعراء كالمتنبي ، أبو العلاء المعري،مصطفى محمد الغماري،محمود درويش، مفدي زكرياء وغيرهم، فتكون له رصيد لغوي وقاعدة ثقافية صلبة أعادته إلى معانقة الحلم من جديد بمساعدة معنوية من بعض المقربين منه، فقرر ذات يوم أن يكون، فأعاد ترتيب أولوياته ، وطموحاته متحديا إعاقته، ضابطا ساعته الداخلية على هدف واحد أنفق فيه كل طاقاته النفسية والجسدية،متوكلا على الله – سبحانه وتعالى – ومستعينا بما تيسر له من قدرات أنعمها الله عليه،ومتأثرا بسيرة بعض الشخصيات المتحدية والملهمة مثل الأديب عباس محمود العقاد في عصاميته،و الشيخ أحمد ياسين في تحديه لإعاقته ونضاله من أجل تحرير فلسطين ،  وأول هدف أراد تجسيده إكمال دراسته ،فقرر أن يكملها عن طريق المراسلة إنطلاقا من السنة السابعة أساسي متدرجا من فصل إلى فصل، إلى أن حصل على شهادة الباكالوريا –شعبة آداب وعلوم إنسانية كمترشح حر سنة 1998، دخل بعدها كلية الحقوق بجامعة منتوري قسنطينة متحديا كل الصعوبات والمعوقات إبتداءا من الحي الجامعي الذي لم يكن ملائما للأصحاء فما بالك لشخص يعاني شللا تاما ،ومرضا حساسا لا يعلم مداه سوى الله سبحانه وتعالى،مرورا بصعوبة التنقل من الحي الجامعي إلى الجامعة المركزية ،ووصولا إلى السلالم المنتشرة في كل مكان، هذا من الناحية المادية،أما من الناحية المعنوية،فكان الطالب الجامعي الطاهر بوصبع وهو الإنسان الحساس العزيز النفس الغارق في كبرياء زائد، يعاني معاناة كبيرة وهو يطلب يد المساعدة من زملاء الدراسة ولعزة نفسه كان يجبر مرات عديدة أخا من أخوته على الذهاب معه إلى الجامعة والمكوث بجانبه لمدة تزيد في بعض الأحيان عن الأسبوعين . هذا الطالب الجامعي المقعد على كرسي متحرك بالرغم من الظروف التي واجهته خلال مساره الجامعي إلا أنه تحصل على شهادة الليسانس في الحقوق والعلوم الإدارية سنة 2002 وبعدها بسنتين تحصل على شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة من نفس الجامعة .

الطاهر بوصبع الشاعر العصامي الذي كتب فأبدع .

كانت العزلة التي فرضتها مرض الطاهر بضمور العضلات الشوكي ،وتأمله في الحياة ومطالعته لكبار الأدباء الأثر الكبير في دخوله عالم الكتابة،خاصة بعدما أقعده المرض على كرسي متحرك فأشتعلت جذوة الكتابة في صدره ،وكانت أول محاولة تحت عنوان”إليك يا جزائر” سنة 1993 وقد كنا نرزح آنذاك تحت نير عشرية سوداء أكلت الأخضر واليابس، لتنطلق رحلته مع الشعر والكتابة الصحفية حيث نشر أعماله في العديد من الجرائد والمجلات الوطنية والعربية،منها”الشروق العربي،الحياة،رسالة الأطلس،الجريدة،صوت الأحرار،وصحيفتي تشرين السورية،وعمان من سلطنة عمان” إضافة الى مروره عبر عديد الاذاعات والقنوات التلفزيونية الوطنية والعربية. فضلا عن ذلك حاز الشاعر الطاهر بوصبع على العديد من الجوائز الأدبية على غرار تتويجه بالجائزة الأولى في شعر الانتفاضة بقصيدة صحوة الغضب سنة 2001، والجائزة الأولى بإذاعة سيرتا بقسنطينة سنة 2004 وجائزة لجنة التحكيم في مسابقة حصة أقلام على الطريق التي تبث عبر أثير إذاعة ميلة بمناسبة خمسينية الاستقلال سنة 2012.

وقد توجت مسيرته الشعرية الطويلة بديوان شعر تحت عنوان “مسافات البوح والاحتراق” وهو عبارة عن قصائد كتبها السي الطاهر في فترات مختلفة من فترات حياته، قصائد متنوعة الشكل والموضوع،تبحث عن هذا الانسان المفقود فينا،عن جرح الأمة وألم الوطن، عن لذة المعنى و تباريح الفؤاد ، قصائد تحاول أن تقترب من وجع الروح وما يشبه الشعر، لأن ما نكتبه حسب محدثنا سوى رماد الشعر ،لأنه لو قدر لنا أن نمسك الشعر لاحترقت أصابعنا ولاحترق الورق يضيف الطاهر بوصبع .

الطاهر بوصبع من مدرجات الجامعة إلى عالم الشغل

بعد تخرج أسير التحدي الطاهر بوصبع من جامعة منتوري بقسنطينة بشهادة الليسانس في الحقوق سنة 2002 وشهادة الكفاءة المهنية عام 2004 ، لم يدخل عالم الشغل إلى غاية سنة 2005 أين توظف في إطار عقود ما قبل التشغيل بالمركز الوطني لتكوين المستخدمين المختصين في مؤسسات المعاقين ملحقة ميلة وكلف بمهام أمين مكتبة المركز التي كانت تحتوي على كتب هامة في مجال التربية الخاصة في كيفية التعامل وتدريس الأشخاص ذوي الإعاقة، وكتب علم النفس وعلم الاجتماع وغيرها من المراجع القيمة إلى غاية نهاية 2013 .

الاعلامي الطاهر بوصبع وبرنامجه “التحدي”عبر أثير إذاعة ميلة

يعتبر الطاهر بوصبع من المتعاملين الأوائل مع إذاعة الجزائر من ميلة في بدايات بثها سنة 2009 معدا ومقدما لبرنامج التحدي الذي يعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك من خلال تسليط الضوء على إرادتهم وتحديهم و كذا العوائق المادية والمعنوية التي تعترضهم، بعيدا عن تلك الصورة النمطية التي تصورهم فيها مختلف وسائل الإعلام والتي تقتصر في نظرة شفقة ومسكنة ، البرنامج حسب محدثنا كان له صدى كبيرا لمدة سنة ونصف، إلى أن توقف لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية .

الطاهر القانوني والحقوقي المدافع الشرس عن ذوي الاحتياجات الخاصة

في سنة 2010 وبعد 06 سنوات من تحصل الطاهر بوصبع على شهادة الكفاءة المهنية في المحاماة قام بالتربص التطبيقي لمهنة المحاماة تحت إشراف الأستاذ المحامي والشاعر الكبير لخضر فنغور، وحصل بعدها على شهادة محامي معتمد لدى المجلس، إلا أنه للأسف لم يعمل في هذه المهنة النبيلة نظرا لغياب مداخل خاصة ومهيئة للأشخاص ذوي الإعاقة في محاكمنا ومجالسنا القضائية يقول محدثنا ،ونظرا لتفاقم ظروفه الصحية جراء ضمور العضلات الذي يتطور مع مرور السنين، إلا أنه لم يتوقف يوما على الدفاع عن الحقوق المشروعة للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال المقالات الصحفية والمحاضرات والقصائد الشعرية وفي الكثير من المنابر الإعلامية التي عمل بها أو مر عبرها .

الطاهر بوصبع الإطار الإداري بديوان الولاية الذي يعمل في الظل

بعد 12 سنة من تخرج الطاهر من الجامعة لم يوفق في الحصول على وظيفة دائمة وقارة إلا بحلول سنة 2014 حيث نجح في مسابقة توظيف بالولاية، و نظرا لنشاطه في مجال الثقافة والصحافة لمدة طويلة تم توجيهه إلى ديوان الولاية و بالضبط إلى خلية الإعلام والاتصال، أين عمل مستشارا ثقافيا في البداية ثم محررا ومشرفا على مجلة الولاية”صدى ميلة” إلى غاية يومنا هذا .

الطاهر بوصبع القامة الثقافية التي يحترمها الجميع

يعد الطاهر من المنضمين والمساهمين الأوائل في النادي الأدبي أحمد الغوالمي بدار الثقافة مبارك الميلي بميلة منذ تأسيسه سنة 2009 ، وأحد الفاعلين في الحقل الأدبي والثقافي على المستويين المحلي والوطني وحتى الدولي من خلال مشاركاته العديدة في الكثير من الفعاليات الثقافية ، ناهيك عن ذلك الطاهر بوصبع أسير التحدي له عدة محاضرات و تدخلات في مجال الدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة ، كما مثل الجزائر في كتاب معاقون حطموا القيود وصنعوا الإبداع الصادر عن دولة الكويت .

بورتريه/ بوجمعة مهناوي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق