حوارات

التاريخ يصنع الوعي الذي يقود الى التغيير

البروفيسور الباحث في التاريخ علي غنابزية للتحرير:

التاريخ يصنع الوعي الذي يقود الى التغيير

حاوره أحمد ديدي

الكتابة عن التاريخ  المحلي الموغل في القدم والخصوصية كونه مرتبطا بجغرافيا ومكان، هي أكبر التحديات التي تطرحها ندرة الوثائق والمصادر أمام الباحث في تصديه للكتابة التاريخية المحلية. ووادي سوف إقليم شاسع في قلب العرق الشرقي الكبير لها من الخصوصيات والمميزات من حيث الموقع الاستراتيجي والنمط العمراني للسكان وكذلك الأنشطة التي قام بها سكان هذه المنطقة المتفردة عن غيرها من المناطق الأخرى للوطن كالنشاط الفلاحي المتعلق بالفلاحة البعلية وطريقة المعمار والأدوات المستعملة في البناء وحركة التنقل والاتصال رغم العزلة التي فرضتها الطبيعة القاسية وكذلك الهجرات العلمية من وإلى وادي سوف.

وللحديث عن هذا…تستضيف جريدة التحرير البروفيسور” علي غنابزية” أستاذ التاريخ المعاصر والمهتم بالتاريخ المحلي لوادي سوف بجامعة الشهيد حمه لخضر بالوادي من خلال بحوثه وإصداراته .

التحرير: مرحبا بكم – دكتور كيف يقدم البروفيسور علي غنابزية نفسه للقراء؟

أصعب شيء هو أن يعرّف الإنسان بنفسه ولعل الصفحات الداخلية من كتبي وضعت فيها تعريفا عاما، علي غنابزية هو شخص من مواليد سنة 1959 بالوادي فتحت عيني على الأيام الأولى للاستقلال وليس في ذاكرتي صور كبيرة للاستقلال، ولكن ملامح بسيطة عالقة بذاكرة الطفل الذي نشأ وترعرع في الوادي عائلتي أصيلة الأعشاش وعائلتي الكبيرة انتقلت إلى حي الجدلة وهي مؤسسة لهذا الحي وأول من سكن فيه…  والجدلة هي نسبة لجدتي مباركة بنت ساعي درست في الكتّاب أولا، والمدرسة الابتدائية المسماة ونيسي الهاشمي ، ولي قصة طريفة متعلقة بتعليمي الابتدائي كنت سأضيع بسبب الإدارة في ذلك الوقت حيث لم أسجل في المدرسة كوني صغيرا وبعدها رُفضت كوني كبيرا في العام الذي يليه لولا إصرار والدي على تعليمي فأدخلني إلى الآباء البيض وبعدها فتحت لنا مع مجموعة من التلاميذ مدرسة ونيسي الهاشمي حاليا ووصلت تعليمي المتوسط شطره الأول بمدرسة بن باديس ثم متوسطة الأمير عبد القادر ومنها ثانوية عبد العزيز الشريف وبعد البكالوريا التحقت بجامعة قسنطينة وتحصلت فيها على شهادة  ليسانس سنة 1983 بعدها وظفت في التعليم الثانوي لمدة سبع  عشرة سنة؛ وفي سنة 2002 التحقت بالجامعة مدرسا في التعليم العالي لحد الساعة ، كأستاذ في التاريخ الحديث والمعاصر؛ ودراستي للماجستير والدكتوراه كانت بجامعة  الجزائر.

التحرير: لا يخفاكم بأن “سوف” في موقع جد استراتيجي بين ثلاث دول، ولها ما يميزها من خلال ذكاء أهلها وتجربتهم وعلاقتهم مع دول الجوار والشمال ورغم ما كتب عنها تاريخيا إلا أن هذه الكتابات قليلة جدا تكاد لا تذكر على الأصابع، لماذا في نظركم؟

هناك اشكالية كبيرة للمنطقة من بينها عدة اعتبارات من بين هذه الاعتبارات هو عزوف من مثقفي سوف وعلمائها في كتابة تاريخ المنطقة؛ أولا بداية سوف كانت إباضية ونحن نعرف بأن الإباضية عندهم  التقية والتخفي فكان هناك حظّ كبير في طباعة الكتب   في السنوات الأخيرة بدأت كتاباتهم تُنشر وتخرج إلى النور وهذا الذي ترك سُوفَ في تلك الحقبة غامضة كثيرا ولعل من الكتب عن سوف العدواني وهو أقدم كتاب وبعده العوامر، فالكتابات الإباضية تشير إلى سوف وهذه المرحلة كانت صعبة نظرا لصعوبة المنطقة وعدم استقرارها، ولي مشروع بهذا الصدد قريبا سيصدر ويكون فيه بعض الإشارات التجديدية لأن التاريخ له جانبان، جانب المعلومات الموجودة وهذه المعلومات قد تكون متناثرة، لكن المؤرخ الحكيم هو الذي يستطيع  جمعها ويجعلها في نسق ويعطيها أبعادها الحقيقية هذا هو الغائب خاصة في الفترة التي تمثل التاريخ القديم والتاريخ الوسيط بالخصوص… وحتى بالنسبة للتاريخ العثماني.

التحرير: هل تستطيع القول بأن “سوف” كانت بعيدة على مراكز التدوين ومناطق التحضر بسبب أنّهم بدو يعيشون حالات التنقل والترحال؟

جاء العياشي الرحالة المعروف سنة 1663 تقريبا وعندما كتب ماء الموائد لأنه الرحالة المغربي الوحيد الذي زار الوادي وهذه تعتبر قلة من الفلتات، لأن كل الرحالة يمرون على شمال سوف ففي طريقهم إلى المشرق والحج، وكان أحد علماء سوف خليفة بن حسن القماري العلامة المعروف، يصعد إلى خنقه سيدي ناجي كي يلتقي بهم فالحياة كانت بسيطة والمعيشة ضنكة ، فالعياشي تكلم في رحلته عن سوف ليس ككلام الحواضر الأخرى الموجودة في الزاب ووادي ريغ والجريد التي تعتبر بها مكاتب وحواضر أما في “سوف” وضعها على أنها أرض جرداء وأهلها يسكنون الزرائب والنخيل ومظهرها البسيط، على عكس العهد الإباضي فسوف كانت محطة مهمة تتوسط الطريق الرابط بين جبل نفوسة ودرجيين ومنطقة ميزاب. ولسوف علماء كخليفة السوفي صاحب السؤالات مشهور عند علماء الإباضية، وحتى النساء في المنطقة كان لها عالمات لكن التاريخ القديم لغياب الكتابة والتدوين ضاع الكثير من المصادر، تركت سوف بهذه الطريقة مع عزلة المنطقة ولم تكن   على خط ملتقى القوافل والمحطات الكبرى رغم موقعها الاستراتيجي الذي ذكرته ، والمنطقة كانت تشهد حروبا كبيرة بين القبائل العربية المتصارعة على الماء والكلاء كقبيلة طرود وعدوان مما أثر سلبا على استقرار المنطقة في ذلك الوقت. ويذكر العدواني كيف كانت زينب بنت تندلة المرأة الصالحة تصلح بين القبائل المتنافرة للأعراب في سوف التي ترفض أن يتآمرعنها أحد وربما هذا هو الإشكال الذي تعيشه سوف في تكوين عصبة ووحدة وغياب الأعيان وكبار البلد، يرجع لحالة التمرد وعدم الانصياع إلى أي تنظيم ملزم ويجمع أهل سوف نحو العصبية الإيجابية التي تشد من عضد المنطقة وتجعلها قوة إقليمية في البناء والتطوير والمساهمة بناء مجتمع مدني فعّال وقوي، يمثل سوف أحسن تمثيل، وهذا العمل على الأجيال الحالية والقادمة   أن تحققه وتجعله واقعا.

التحرير: يكتسي التاريخ المحلي أهمية قصوى في توثيق الأحداث والوقائع المحدودة في الزمان والمكان، ماهي العوائق والصعوبات التي اعترضتك في بحوثك ودراساتك لتاريخ المنطقة؟

بالنسبة لدراسة التاريخ ، المؤرخ له رؤية، وأنا باستطاعتي القول إننا لسنا مؤرخين وإنما نحن باحثين في التاريخ فالمؤرخون يُعدّون على الأصابع، والمؤرخ الحقيقي هو صاحب الرؤية ويكون على دراية بمفاصل التاريخ… والآن أصبح كل من هب ودب يكتب في التاريخ حتى من العامة وهذه كارثة، وخاصة التاريخ المحلي؛ اطلاعي على الروايات الشفوية،  ليس من السهل أن تتعامل وتتحقق من الروايات الشفوية ففيها مزالق لا يدركها إلا صاحب منهج قويم في التاريخ، ومتمكن كما ذكرت، من أنها من مفاصل التاريخ وله حس تاريخي من خلال التجربة والتحكم العلمي في المادة التاريخية لذلك على كل من يخوض في كتابة التاريخ أن يكون حذرا.

وعن المعوقات والمشاكل التي تعترضني وتعترض كل باحث في التاريخ هي عدم وجود وثائق ومصادر فإذا غابت الوثائق تكون هناك ثغرات في التاريخ، وأسد رستم، يعتبر من الأوائل الذين كتبوا في التاريخ، يقول في كتابه مصطلح التاريخ: ” إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ”، فالأصول هي الوثائق، هي الكتابات وهي المعلومات النيرة من عند الثقاة من الرواة الشفويين والأمر الآخر هو استحياء الناس وعدم البوح بما عندهم من شهادات ومعلومات .. هذا أيضا تحدٍّ، وكذلك عدم الوصول إلى الوثائق التي هي في خزائن البيوت عند أصحابها وورثتها الذين يعتبرون هذه الوثائق ملك العائلة وهي في الحقيقة ملك جماعي، ملك للأمة وتضيع ويرجع الفضل في كتابة كتابي مجمع وادي سوف إلى إحدى المكتبات الزاخرة لأحد الورثة لأحمد بن أبي الضياف التغزوتي رحمه الله عليه، فلقد استفدت كثيرا منها واستخرجت بما فيها من كنوز تاريخية جد مهمة متعلقة بالأنشطة التجارية في حقبة زمنية من تاريخ سوف، هناك تاريخ مهم كُتب عن سوف بالفرنسية وهو متواجد في الأرشيف الفرنسي فلا نعادي الفرنسية كلغة بحث ولا نعادي ما كتب بالفرنسية فهو جزء من تاريخنا فنحن نختلف مع الفرنسية إذا كانت هوية تؤثر على قيمنا ومبادئنا أو يراد بها التسويق للثقافة الفرنسية وكذلك الأرشيف التونسي والليبي فيه كتابات عن سوف والمناطق القريبة من سوف.

التحرير: من خلال بحوثك في تاريخ “سوف” كثير من الكتاب يشيرون إلى عبقرية سكان سوف عبر التاريخ وبمساهماتهم في المنطقة والوطن. ما هي أهم الصفات التي يتميز بها الذكاء السوفي؟

من أهم صفات السوفي: هو تأقلمه مع المناخ وطبيعة المنطقة فهو يتناغم مع رياحها ويسخرها في حركة الرمل و يصل بجذور النخيل إلى الماء ويخلق نموذجا خاصا في الفلاحة والري، وهندسة المعمار في فن  بناء القبة واستخراج مادة الجبس وكذلك الحس التجاري الراقي.. لحد الآن السوفي يمثل قوة كبيرة في انتاج البطاطا وغيرها من المنتوجات من خلالها حوّل سوف إلى سلة غذاء الجزائر ..فالسوفي صاحب تحدٍّ منذ فجر التاريخ وهو على هذه الأرض يتحدّى المناخ الصعب. ينقصنا كما ذكرت سابقا الوحدة والتضامن والوعي بالتاريخ..فالتاريخ يصنع الوعي ونحن في حاجة إلى وعي كي تتغيّر الذهنيات إلى الانطلاق والخروج من الصراعات الفارغة التي قتلت الانسان والابداع والتي كانت من بين المكابح التي جعلت المجتمع لم يخرج من دائرة السلب ،رغم ما يمتلكه من مقدرات مادية ومعنوية تجعلنا المعادلة الأقوى على مستوى التنمية بمفهومها الشامل.

التحرير: هل أنت كاتب مقلد أم أنك كتبت شيئا لم يكتبه الآخرون؟

هذا السؤال يعتبر قراءة أو فكر غنابزية ؟. هذا يكتشفه الآخر، لا أستطيع أن أقيّم نفسي لكن الشيء الذي ربما أفتخر به هو أنني حاولت أن أبعث روحا جديدة في التاريخ المحلي، وأن أطرح التاريخ بوجهة نظر علمية جديدة تتماشى مع روح العصر.

التحرير: المعروف عنك أنك متنوع في كتابة تراجم للشخصيات تاريخية والخطب المنبرية والبحوث التاريخية في المنطقة؟

نعم كتابي خطب منبرية، هو كتاب جمعت فيه بين الخطابة وبين التاريخ،  وهي محاولة لتوظيف التاريخ في الخطب المنبرية لأن  كوني خطيب مسجد، مارست هذا الجانب فوجدت أن الناس في حاجة ماسة لهذه المقاربة بين التاريخ والخطابة لا سيما الأئمة، كيف يستعينون به في توظيفهم للمعلومة التاريخية ويعطونها بُعدها الديني بطريقة بسيطة أما بخصوص كتابي “مجتمع وادي سوف”، من خلال الوثائق التاريخية في القرن الثالث عشر الهجري التاسع العشر ميلادي، ونظيره الكتاب الذي يليه “مجتمع وادي سوف من الاحتلال الفرنسي إلى بداية الثورة التحريرة “،هذان الكتابان يعتبران موسوعة دوّنت فيها تاريخ سوف المحلي وهما كتابان علميان،الأول هو رسالة ماجستير والثاني رسالة دكتوراء وإن شاء الله تتبعهما كتابات أخرى في نفس السلسلة .. ومن نعم الله على هذين الكتابين أخذا عنوان “مجتمع وادي سوف” وهذه فكرة جيدة وما يحتويه هذان الكتابان لم يُكتب من قبل ،وهي لحوالي قرن من الزمن.  هذه المرحلة فيها تحوّل كبير لسوف وهو تاريخ علمي موثق من خلال الوثائق وهو يوثق لمرحلة حساسة في أواخر الحكم العثماني، المتمثلة في بني جلاب سلاطين تقرت وسوف، ومرحلة دخول فرنسا لسوف واحتلالها لسوف، واصلت في الكتاب الثاني بدور الإدارة الفرنسية وتأثيرها على المنطقة من ناحية الجانب الثقافي والجانب الاقتصادي والاجتماعي. وبدخول فرنسا حدث استقرار وبدأ البدو يستوطنون ويتوسّعون في القرى والمدن وبدأت سوف تشهد حالة من الإعمار الجديد…. كل هذا مدون في كتابي مجتمع وادي سوف الخاص بالماجستير الذي قسمته إلى أربعة محاور سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وفي كتابي الثاني الخاص بالدكتوراء اقتصر على ثلاث محاولات : السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكتابي رحلات الفرنسيين إلى واحة سوف وأعماق العرق الشرقي هو عبارة عن اربعة نماذج اخترتها.  هذه النماذج هي عبارة عن كتابات صحفيين وأغلبها رحلات لم تنشر قبل ذلك، والجديد فيها أنها لم تنشر وربما هي فذلكات… رغم هذا فيها مادة تاريخية مهمة وأردنا أن نعطيها بُعدا آخر ،حيث أنني ترجمتها ترجمة عابرة كي أثري موضوعي ذلك الوقت، كنت في التحضير لشهادة الدكتوراة. وبعد ذلك أردت أن لا أحرم منها القراء فأضفت إليها تعليقات كبيرة وأضفت لها الجانب الدراسي وجانب تعليمي كتقديم منهجي للترجمة التاريخية بمعنى ترجمة المحتوى والأفكار وأردت من خلال هذه الترجمة أن أعطي الضوابط في التقديم المنهجي. فأملت مبحثا كاملا خاصا بأصول الترجمة وقليلا من كتب في هذا الجانب.

التحرير: كلمة أخيرة

لقد تفاعلت مع هذا اللقاء الحواري وما كان لي أن تخرج هذه الأفكار لولا حواركم الشيق وأسئلتكم العميقة. أتمنى أن تكون هذه الأفكار ووجهات النظر التي عرضتها أن تكون مفيدة فعالة ويستفيد منها القارئ الكريم، وتكون رسالة تبني المعرفة التاريخية والوعي الجمعي والاجتماعي والتقريب بين فئات المجتمع. فبوحدتنا وتضامننا والتقائنا نستطيع أن نخرج بكثير من التخلف الذي تعيشه منطقتنا. ونتمنى لجريدتكم “التحرير” المتميزة مواصلة النجاح في درب الإعلام الهادف البنّاء من أجل بناء رأي عام وطني وواعٍ.

حاوره: أحمد ديدي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق