ثقافة و أدب

منتدى جنان الصاباط يواصل نشاطه بمداخلة تحت عنوان:التمـدن فـي المنظومـات الاجتمـاعيـة

تختلف المواضيع وتتعدد العناوين وتبقى جلسات الشاي الثقافية ثابتة وفي يوم السبت” 30-11-2019 وبمنتدى جنان الصاباط الثقافي وبالتنسيق مع الديوان المحلي للسياحة والصناعة التقليدية – سوف- وبمقر فندق ترانزات القديم (وسط المدينة) الوادي كان موعد اللقاء مع ضيف المنتدى الدكتور أحمد زغب وذلك بمداخلة تحمل عنوان: التمدن في المنظومات الاجتماعية أمام جمع من الاساتذة والمثقفين والادباء قدموا خصيصا لهذا الفضاء .

وكعادته أشرف على تنشيط مجريات وفعاليات المنتدى الاستاذ: يحي موسى الذي توجه بالشكر الجزيل وجميل الثناء إلى الضيف المحاضر الدكتور أحمد زغب على تلبية الدعوة وكذلك باعتباره وفيا كل الوفاء لهذا المنتدى بمساهمته المفيدة واضافاته المميزة، ومعرجا في نفس الوقت لاهمية الموضوع المطروح وما يحمله من دلالات ماضيا وحاضرا ومستقبلا في حياة الشعوب والمجتمعات والامم عبر مراحل من تطور الافراد والحضارات.
بداية من عصر البداوة إلى العصر الحديث الذي يتمثل في التقدم العلمي والتكنولوجي السريع والرهيب الذي طرأ على حياة البشرية بصفة عامة، ويعرف التمدن في معاجم اللغة أنه: البدو بعد ما استقروا في المدينة عاشوا عيشة أهل المدن وتكيفوا مع جوها وتمدن الشعب بأنه دخل في مرحلة الرقي والحضارة والعمران وقد ذكر إبن خلدون ولهذا نجد أن التمدن غاية البدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها وحتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وفوائده، ولقد وجدت المدينة منذ الألف الرابعة قبل الميلاد إلا ان نسبة سكان المدن بقيت صغيرة جدا إذ لم يسكن فيها إلا أقل من 5 % من مجموع سكان العالم، أي أن معظم السكان كانوا ريفيين، ولكن بعد ذلك شهدت المدن الاوروبية تطورا صناعيا هائلا حيث أصبحت مركز جذب السكان للسكن نتيجة توافر فرص العمل فيها، فانتقل السكان من الريف إلى المدن حيث فرص العمل متوافرة، واستمرت معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة الاوروبية بنحو خاص حتى أصبح ثلث سكان العالم يسكنون المدن في عام 1960 م لذا يجب أن تحسن القرى حتى يعود السكان إلى الريف.
وأخيرا بعد تقديم تحية تقدير واحترام للسادة الحضور أحيلت الكلمة مباشرة إلى الدكتور المحاضر أحمد زغب الذي عبر عن سعادته وسروره لوجوده أمام هذا الجمع المميز والطيب من الاساتذة الافاضل ومعرجا على اهمية طرح هذا الموضوع قائلا: بأن المجتمعات تتطور باستمرار لكنها تخضع في تطورها لعدة عوامل حتمية إذا توافرت حدث تلقائيا التطور التدريجي ومن المعلوم أن المجتمعات مرت عبر مراحل متشابهة في تطورها من البداوة إلى الحياة الريفية ثم إلى الحياة شبه الحضرية إلى التمدن لكن هذا التغيير لم يكن بمعزل عن الخلفية السوسيو ثقافية لهذه المجتمعات وعلى هذا الأساس سأتطرق إلى أهم العوامل الاساسية التي أدت إلى هذا التغيير وهي كما يلي:
• عوامل انتقال القبيلة من البداوة إلى الحضر:
حيث ذكر الدكتور أحمد زغب بأنه من المعروف أن الحاجات الاساسية للانسان تؤدي به إلى التفاعل مع بيئته الطبيعية وثمرة هذا التفاعل هو المعنى الذي اعطاه كثير من الدارسين للحضارة وحاجة البشرية إلى التعاون والاجتماع، بغرض تحصيل الضروري من العيش قبل الكمالي، على حد تعبير ابن خلدون فالبداوة هي المرحلة الاولى لأنها متسع لما يستع له الحواضر من المزارع والفدن والحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو امرا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكسوة والدفء انما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة فالحاجة الاولى إذ هي حفظ الذات من غذاء وشراب ومأوى وأمن وما دامت البادية أصل العمران كما يرى ابن خلدون فإن البدو يقيمون حيث الماء والكلا ويرتحلون حيث تنضب هذه المادة الحيوية ومن المنطقي أن الموضع الذي يدوم فيه الماء يتيح الاستقرار حتى يمكن أن يتحول المنتجع البدوي إلى تجمع عمراني صغير وطول المدة ووجود بعض المواد قد تجعلهم يحولون الخيام إلى بيوت والحوش إلى جدران واضاف الدكتور احمد زغب ولو عدنا إلى قراءة ايتيمولوجية لاسماء التجمعات العمرانية (قرى ومداشر) لوجدنا الاسماء التي تشير إلى هذه التجمعات واضحة الدلالة على وجود الماء فمنها ما يبدأ بلفظ عين مثل عين البل وعين وسارة وعين البيضاء، عين التوتة، عين كرشة ، عين فكرون … إلخ .
كما نجد من بين الالفاظ التي تدل على الماء ألفاظ الحاسي مثل: حاسي مسعود، وحاسي خليفة وعلى البئر مثل بير العاتر وكذلك الماء أو تصغير الماء مثل مويه مثل مويه عطية، مويه ونسه، مويه علي والماء لبيض … إلخ، ثم إن عامل الاستقرار ووجود الماء يجعل البدوي يفكر في الاشجار التي يمكن أن تثمر فتساعد البدو على ايجاد جزء من القوت بالاضافة إلى علف أغنامهم والمعروف أن في الصحراء حواضر فلاحية قائمة على غراسة النخيل كواحة غدامس في ليبيا وواحة بسكرة في الجزائر وواحة ورجلان في تقرت وقفصة بتونس وغيرها.
كما نلاحظ أن تجمعات عمرانية في الصحراء قد اسست حول ولي صالح يسبق اسمه عادة بلفظ: سيدي، مثل سيدي عون، سيدي خليل، سيدي خالد، سيدي عقبة، سيدي خليفة، سيدي ناجي، سيدي بوغوفالة، سيدي مستور، سيدي عبد الله ….إلخ وأخيرا العامل القرابي، فالقبائل ترحل مجتمعة وتنزل مجتمعة لذلك سميت معظم التجمعات السكنية مسماة بأسماء العائلات أو العروش (العشائر) أو القبائل التي نزلت بها في بادئ الامر لذا تسمى نزلة ثم تضاف إلى العائلة أو العشيرة القبيلة مثل نزلة العوايسة نزلة أولاد جامع، نزلة أولاد حمد، نزلة الاعشاش، نزلة المصاعبة …إلخ. أما بخصوص العوامل الاساسية لانتقال القبيلة من البداوة إلى الحضر فحددها الدكتور أحمد زغب إلى عدة عوامل وهي:
• العامل الطبيعي:
العامل الطبيعي يتمثل في الحاجة التي تؤدي بالانسان إلى أن تغير وضعه أو نمط حياته، فتنقل البدو من أرض نضبت منها موارد العيش (الماء والكلا) إلى أرض جديدة أكثر خصوبة وأكثر وفرة في الماء خاصة، يجعلهم يستقرون طالما كانت الموارد باقية وبعض المواقع بها غدير ماء أو مياهها الجوفية قريبة أو بها منبع فعندئذ لا حاجة لتنقلهم فيستقرون مدة طويلة وربما حولوا المنتجع البدوي إلى ما يشبه القرية بحيث يتحول الحوش (وهو الحيز من الارض التي يحوشون فيها أغنامهم) إلى أرض محاطة بجدار من الطين أو الجبس بعد أن كان مجرد حاجز من الحجارة وبقايا أغصان الاشجار، ويحولون الخيمة إلى ما يشبه الغرفة حين يتحول الحجير إلى جدار، ويستنبتون بعض الخضر أو بعض النباتات الموسمية التي تنبت إلى جانبها فسائل من أشجار النخيل تتحول بطول الوقت إلى اشجار مثمرة عندئذ لا تكون هناك حاجة إلى الترحال فيستقرون قرب اغنامهم ونباتاتهم ونخيلهم فيما بعد وقد مروا بحقبة ينزلون إلى القرية في الشتاء، ثم يرتحلون إلى الاراضي الخصبة في الربيع والصيف ويعودون في الخريف والشتاء، وضرب الاستاذ مثلا بأن الرقيبة كانت من المناطق التي تحولت من منتجع بدوي في أوائل القرن التاسع عشر إلى قرية بسبب قرب المياه الجوفية.
• العامل الاجتماعي:
على حسب الاسطورة الشعبية ذكر الاستاذ أحمد زغب بأنها ربطت استقرار أولاد جامع بمنطقة الطيبات بالولي الصالح سيدي محمد السايح، وأن أولاد غنام كانوا ينقسمون إلى فصلين: أولاد قليل وأولاد شبل ، فلما قدموا فروض الولاء والطاعة للولي الصالح سيدي محمد السايح وقبلهم اشترط عليهم أن تقسموا قوتهم فيقيم أولاد شبل إلى الغرب وأولاد قليل إلى الشرق ومن ثم كان استقرار القبيلة وانقسامها إلى فصلين ارتبط بالثقافة، وحين نرى توزيع القبيلة في منطقة سوف نجد أن لا أساس عائلي لهذا التقسيم ولم يذكر المورد أولاد محجوب على الرغم من أنهم اصبحوا أغلبية لا سيما في سوف أي ضواحي الوادي فأولاد محجوب موجودون في المنطقة الجنوبية عميش وفي المنطقة الشمالية الرقيبة وكانوا يرعون بماشيتهم من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال وقد تجد الاخوين هذا ساكن بالرباح أو العقلة أقصى الجنوب والآخر بالرقيبة أقصى الشمال وإن الحياة البدوية تتسم بشظف العيش والاستغناء بالضروري عن الكمالي لذا نرى كل مظاهر التكاثف الاجتماعي كنظام الاسرة الممتدة الذي كان هو الاصل ثم اخذت الاسرة النووية تحل محلها الزواج الإضوائي الداخلي الذي كان سائدا إلى غاية أوائل القرن العشرين حين بدأت مظاهر التنقل التدريجي إلى الحياة الحضرية فبدأ الناس يتساهلون في التزاوج من خارج القبيلة.
• القبيلة والزواج الإضوائي:
إن الزواج الإضوائي هو زواج يتم بين الاقارب ويعتمد على القرابة ويتمثل دوره في تقريب الاواصر حتى بين ابناء البدنات المتابعدة إذا حدث بينهما تصاهر فإن ذلك يقوي أواصر القرابة ويحدث التزاور وتنشط الاتصالات، وبذلك نخلص بأن الانتماء او الانتساب إلى القبيلة وحده لا يكفي لتوثيق الروابط وينقسم الزواج الإضوائي إلى ثلاث درجات: الزواج بين ابني الاعمام درجة أولى – الزواج من أبناء العمومة درجة ثانية، والزواج من القبيلة درجة ثالثة، ومن خارج القبيلة زواج خارجي حيث ذكر الاستاذ أحمد زغب بأنه أجرى المقارنة بين هذا الجيل والجيل الذي ولد قبل 1950 م لنرى هل تجاوزا القبيلة حياة الحل والترحال حصر الزواج الإضوائي وتزايد الزواج الخارجي فوجدنا النسب التالية:
الجيل الأول الزواج للرجال المولودين قبل 1920م كان الزواج الداخلي هو الغالب – الجيل الثاني الرجال المولودين بين 1940- 1950 م تسجيل ارتفاع نسبة كبيرة واتساع في نسبة الزواج الخارجي لأن روابط القرابة أخذت في التفكك شيئا فشيئا بانتقال البدو إلى الحاضرة وكذلك العامل الاقتصادي له أثر فعال في الخروج من العادات القبلية البدوية.
• العامل الثقافي:
أضاف الاستاذ أنه يبدوا أن الثقافة السائدة لدى البدو هي ثقافة “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما” لهذا كان للقبيلة مناوشات سواء في غارات القبائل على بعضها فتحدث الحمية والنصرة بين القبائل، وعليه كان للشعر البدوي أيضا انعكاس على ثقافة البدو المستمدة من الثقافة الدينية الاسلامية لأن الانسان متقلب بين اليسر والعسر وعلى الانسان أن يكون سندا قويا لابناء عمومته، وأن أهم عنصر في العامل الثقافي هو الدين بحكم انتماء القبائل العربية البدوية إلى الاسلام السني، ومع ذلك فكل الشعوب المغاربية كانت تمارس الدين في ظل طريقة أو أكثر من الطرق الصوفية وكانت الطريقة بمثابة النظام الكهنوتي الذي يعلم الناس الممارسة المثالية للدين حسب وجهة نظرها، وضرب مثالا بأهم طريقيتين سائدتين وهما الطريقة التجانية والطريقة القادرية وغيرهما من الطرق الاخرى.
• العامل الاقتصادي:
أما بخصوص العامل الاقتصادي ذكر الدكتور أحمد زغب بأن له دورا كبيرا وهاما في تطور القبيلة من البداوة نحو الحضر لكن مع الاسف الشديد لم يسعنا الوقت للتطرق إليه في هاته الجلسة الثقافية والتفاعلية، ويمكن الرجوع إلى كل التفاصيل في كتابه الذي يحمل عنوان: عبور القبيلة العربية من البدو إلى الحضر.

نجيب بله باسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق