ثقافة و أدب

منتدى اجنان الصاباط يواصل نشاطه بمداخلة تحت عنوان: مباني الحقبة الاستعمارية

وللموسم الرابع على التوالي تتواصل الندوات في المنتدى الثقافي اجنان الصاباط بكل احترافية وانضباط وفي يوم السبت 23 نوفمبر 2019 وبالفندق القديم ترانزات (الوادي) وبالتنسيق مع الديوان المحلي للسياحة والصناعة التقليدية – سوف- كان الموعد مع ابناء سوف بالذات وهما الضيفان الأستاذ سي بشير كحلة والمهندس عثمان مصباحي وذلك بمداخلة تحمل عنوان: مباني الحقبة الاستعمارية وسط جمع من المثقفين والأدباء والفنانين والشعراء.

ولد أشرف على تنشيط فعاليات المنتدى الأستاذ: يحي موسى كعادته مرحبا بالضيفين الكريمين الأستاذ بشير كحلة والمهندس عثمان مصباحي شاكرا لهما تلبية الدعوة وعلى وفائهم لمواعيد جلسات الشاي الثقافية للمنتدى، وكذلك على تنويرهم للرأي العام لتاريخ حقبة استعمارية مرت بها الجزائر، ومتطرقا في نفس الوقت إلى صلب الموضوع المطروح للنقاش والذي شغل الرأي العام وأحدث جدلا واسعا في أوساط المجتمع الجزائري بمختلف شرائحه ومستوياته ألا وهو مباني الحقبة الاستعمارية ومدى قيمتها الحقيقية وأهميتها في مختلف القطاعات الثقافية والتراثية والاقتصادية والاجتماعية خاصة بأنها تركة وانجاز ضخم ومعتبر تم في عهد الاستعمار الفرنسي لبلدنا الجزائر وما يحمله من رموز ودلالات سياسية وتاريخية ارتبطت بالاحتلال في خضم العلاقة الوطيدة بمعيشة وحياة الشعب الجزائري والتي شاء أم أبا لأنها تعتبر جزءا لا يتجزأ من تاريخه وعلى العوامل والتأثيرات الداخلية والخارجية كشاهد لهاته الحقبة الزمنية الاستعمارية مع العلم بأن فرنسا كانت لها بصمتها الواضحة والمميزة والشاملة على نطاق واسع في مختلف مدن وقرى ومداشر التراب الجزائري والمتمثلة في القصور والعمران والمباني والعمارات السكنية مثل المستشفيات والمدارس والثكنات وحتى المساجد والزوايا والكنائس الخ…

حيث من وجه نظر البعض بأنها تعتبر ترسيخا للحضارة الاوروبية والغربية وطمس للتاريخ والطراز العمراني العربي والاسلامي ونزع طابع الهوية الوطنية الجزائرية لتبقى معالمها شاهدة على خصوصياتها العمرانية حتى بعد الاستقلال، ومن وجهة نظر أخرى هنالك من يرى بأن هاته المعالم والمباني المشيدة في الحقبة الاستعمارية تبقى رمزا للحضارة والتاريخ والموروث الثقافي للجزائر بغض النظر عن جرائم المحتل، ثم بعد ذلك توجه بالشكر الجزيل إلى السادة الأساتذة الحضور شاكرا لهم سعيهم الدؤوب في إثراء وتنوير جلسات المنتدى الثقافي وعلى مساهماتهم ومشاركتهم الفعالة في ذلك ثم مباشرة أحيلت الكلمة إلى الأساتذة المحاضرين، سي بشير كحلة وعثمان مصباحي اللذان تقدما بأسمى معاني الاحترام والتقدير وأجمل التحايا إلى السادة الحضور شاكرين لهما  حضورهما المميز وعلى إضافاتهم الايجابية في تفعيل النقاش وإدارة الجلسة متمنين لهذا المنتدى الثقافي الفتي والنشط كل التوفيق والنجاح في ابراز المعالم التاريخية الثقافية والموروث المادي والمعنوي التي تزخر به الجزائر من شرقها إلى غربها ومن شماله إلى جنوبها عبر العصور والأزمان.

وقبل تدخل الاساتذة إليكم هذا المدخل:

  • العمارة خلال الاستعمار الفرنسي:

ترك الفرنسيون ارثا ثقيلا  تمثل في المباني السكنية والتجارية والإدارية ويعتبر مكتب البريد الرئيسي في مدينة الجزائر الذي بني في الثلاثينات ولا يزال قائما نموذجا للمباني الشرقية الحديثة المتميزة بزخارفها الدقيقة وتنقسم مرحلة الاستعمار الفرنسي إلى مرحلتين: المرحلة الاولى (1830- 1930) غداة الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1980 م كان حي القصبة عامرا بالكثير من المرافق الأثرية والمباني العامة ووصل عدد المساجد الكبيرة فيه إلى ثلاثة  عشرة مسجدا، وأكثر من مائة مسجد صغير واثني عشرة زاوية جلها اندثر خلال الاحتلال الفرنسي للبلاد، المرحلة الثانية: (1930-1962) وتسمى هذه المرحلة بمرحلة الحداثة ونشأة الهندسة الحديثة في أوربا إذ تطور طابع جديد من العمران  في القرن 19 بتأثير الخطاط الفرنسي المهندس لو كوريوزيه من خلال العمارات الموجهة للمعمرين.

  • أشهر المعالم العمرانية والأثرية بوادي سوف:

جامع سيدي المسعود بسوق الوادي وقد شيد عام 1600م – زاوية سيدي سالم وبها أقدم صومعة بسوف وقد شيدت عام 1896م – الزاوية القادرية بسوق الوادي – الزاوية التجانية بالوادي – فندق ترانزات اتلنتك وبه صومعة – حي الاعشاش – بعض الفيلات الفرنسية التي شيدها الفرنسيون خلال الاستعمار في المنطقة – ضريح سيد أحمد الغرايسة وهو مجاور لدار الثقافة محمد الأمين العمودي – مسجد التلمود ومسجد الاخوان العزوزية ومدرسة كوينين كلهم بكوينين- وببلدية تغزوت هناك مسجد تغزوت العتيق والزاوية التجانية وضريح مسلم- الزاوية التجانية بقمار وهي من أقدم المعالم بالوادي – الزاوية الهبرية  والأبواب الأربعة بقمار الغربي والشرقي والظهراوي و البويبة – مسجد ورماس سنة 1850 م – الزاوية القادرية وضريح سيدي لمام بالرباح – مسجد العدواني بالزقم – ضريح سيدي عون وقصر علي بن عبد الله في سيدي عون – قصر برج بحاسي خليفة – معلم بري نوبه وتمرنه القديمة بسيدي عمران.

  • دخول القوات الفرنسية لمنطقة وادي سوف:

في ديسمبر 1854 م وصل العقيد الفرنسي “ديفو” بقواته الهائلة إلى وادي سوف مستطلعا الوضع العام، تم رجع إلى تقرت ليعلن يوم 26 ديسمبر 1854 م على أن “علي باي بن فرحات” ممثل فرنسا وقائد على تقرت ووادي ريغ ووادي سوف.

  • الفني المعماري الفرنسي (فريزي) والنمط العمراني بوادي سوف:

لقد ذكر التقني المعماري بشير كحلة بأن “فريزي” ولد في عام 1915 م بالجزائر العاصمة وهو فرنسي قدم إلى مدينة الوادي كعسكري لأداء الخدمة العسكرية لفرنسا بالجزائر، من أجل ذلك استغلته فرنسا في عملية تصميم ومتابعة المباني والمؤسسات التي تنجزها فرنسا في وادي سوف بصفة عامة وكان ذلك في الاربعينيات (1940م) وتمت مواصلته لهاته المهمة التي كلف بها إلى غاية 1960 م وبعد خبرة طويلة وواسعة قد توقف عن العمل في السلطة والحكومة الفرنسية بالوادي وفتح مكتبا خاصا به في وسط مدينة الوادي وهو المكان مقابل مقهى الشعب بالوادي حاليا، وهذا وأضاف المعماري بشير كحلة بأن المعماري “فريزي” له الفضل وهو الأول الذي حافظ على النمط العمراني الأصيل لسكان ومنطقة سوف، ولقد كون “فريزي” العديد من الرجال وفي فن التصميم والبناء لهم الكفاءة والخبرة الكافية ليواصلوا المشوار.

وأضاف المعماري بشير كحلة بأنه كان له الشرف بأنه يعتبر أول موظف يشتغل مع المعماري الشهير “فريزي” وأن من بين أصحاب فريزي الايطالي الشهير دبليون بمدينة الوادي، وأن أغلبية المؤسسات والبنايات إبان الحقبة الاستعمارية بالوادي كانت من تصميم “فريزي” وأضاف الأستاذ بشير كحلة بأن فريزي لم يكن موافقا على مكان انشاء نزل سوف حاليا نظرا لتوسطه النسيج العمراني ووسط التجمعات السكانية ولا يليق بمنطقة سياحية كوادي سوف بل اقترح أن ينجز هذا نزل سوف في طريق طريفاوي حاليا، في منطقة تحيطها الرمال الذهبية والكثبان الساحرة وتعبر عن السياحة وسحر جمال الطبيعة الصحراوية بالوادي ولكن مع الأسف الشديد لم يتم له ذلك.

  • ولاية الوادي والمحافظة على الطابع العمراني الأصيل:

جاء في تدخل المهندس المعماري عثمان مصباحي بأن في مخططات وتصميميات الدولة فإنه يؤخذ بعين الاعتبار المحافظة على الطراز المعماري للمنطقة والذي يعتبر موروثا ثقافيا ماديا ولكن مع الأسف الشديد فإن أغلبية المواطنين لا يحترمون ولا يلتزمون لهذه الخصوصية في الطراز العمراني للمنطقة، زيادة على ظهور انماط وأشكال دخيلة مستوردة خارج الوطن مثل الأنماط الآسيوية واليابانية والاوروبية التي أصابت في الصميم الطابع العربي الاسلامي الأصيل في العمران والمنازل والمؤسسات، وضرب المهندس عثمان مصباحي مثلا: بالصعوبة الكبيرة والتذمر الشديد من أصحاب المحلات التجارية في واجهة الطريق الرئيسي لمدينة الوادي حينما اتخذ السيد والي ولاية الوادي قرار بنزع الصفائح الحديدية الملونة  التي تحجب الأقواس من أمام المحلات التجارية والتي طمست وأخفت الطابع العمراني المميز لمدينة وادي سوف.

وأضاف بأنه لابد من تظافر جميع الجهود من أعيان البلاد وجمعيات ثقافية فاعلة وهيئات للحفاظ على الموروث الثقافي المادي لابراز خصوصيات منطقة وادي سوف في ميدان البناء والتعمير، وبرغم بأنه يوجد 180 مكتب دراسات لم يستطيعوا المحافظة على الطابع العمراني للمنطقة لحد الآن، وعليه يجب نشر الوعي بين أوساط الشباب خاصة وعدم الانجرار أمام التقليد الأعمى لحضارات وثقافات لدول أجنبية بعيدة كل البعد عن مقوماتنا التاريخية والتراثية والعقائدية نحو التشبث بالقيم الأساسية لأصالتنا.

  • مباني الحقبة الاستعمارية بالوادي ومصيرها:

وأضاف المعماري بشير كحلة بأنه قد فات الأوان وتأسف عن هذا التأخير الحاصل بهذه المدة الزمنية الطويلة بحيث أن ثمانون 80% من المعالم والبناءات قد اندثرت وهدمت ومحيت آثارها ولم يبق منها أي شيء والتي تعتبر كمعلم حضاري وموروث ثقافي شاهد على تاريخ منطقة سوف خصوصا بأنه يحمل في طياته دلالات ورموز تبقى مخلدة لماضي الأجداد حتى يطلع عليها الأحفاد والأجيال القادمة، وعليه كان من المفروض الاعتناء بها وصيانتها وترميمها وانقاذها من الزوال حيث أرجع باللؤم على المنتخبين المحليين من المجالس البلدية والولائية والوطنية وكذلك من الأعيان والمثقفين ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها (مرئية ومسموعة ومكتوبة) في التصدي لظاهرة طمس واندثار هاته المعالم الأثرية والتي لم تلعب دورا أساسيا في ذلك، وأنه بصفته تقني وخبير عمل واشتغل في مجال تصميم العمران ومتابعته لم توجه له الدعوة ولو مرة واحدة من قبل المجالس المنتخبة في الاستشارة والاستفادة من خبراته وتجاربه في هذا الميدان بالخصوص.

  • صومعة مقر بلدية الوادي ومصيرها:

أما فيما يخص الجدل الكبير الذي أثير حول مصير صومعة مقر بلدية الوادي حاليا قد فتح باب النقاش فهناك من الأساتذة الحضور من يؤيد فكرة تهديمها لأنها وقفت سدا في غلق وحجب واجهة مقر بلدية الوادي الجديدة وأن هذه الصومعة لا تمثل تراث ثقافي ولا ثوري لمنطقة سوف وإنها بقايا لموروث ثقافي استعماري فرنسي وهناك بعض الآراء المخالفة تماما ترجع باللائمة على الذين صمموا واختاروا مكان انجاز البلدية من الأول أصلا وهم يعلمون كل العلم بأن أمامها هاته الصومعة كأنهم يهدفون إلى نزعها بطريقة أو بأخرى، غير أن بعض الآراء من بين الحضور تؤكد على عدم تهديمها وابقائها، بل يجب ترميمها وصيانتها لتبقى كمعلم تاريخي وموروث ثقافي مادي شاهدة على تاريخ سوف وعلى طابعها العمراني الأصيل ولا يؤثر على الاطلاق على منظر البلدية بل تزيدها أصالة وقيمة تراثية.

أما رأي المعماري بشير كحلة فكان له اقتراحا آخر مفاده بأن تجرى مناقصة وطنية أو دولية وفق ميزانية حكومية أو محلية خاصة بالهندسة المعمارية خصيصا لصومعة البلدية لترميمها واخراجها بطابع معماري وفني مميز لتكون تحفه ذات طراز عالي في الزخرفة والتصميم بحيث لا تؤثر في الطابع الجمالي لواجهة مقر بلدية الوادي، والجدير بالذكر أن المعماري بشير كحلة عبر عن تذمره الشديد وتأسفه الكبير للطابع المعماري والطراز الذي بني عليه مقر بلدية الوادي عاصمة الولاية الذي يعد بعيدا كل البعد عن الطابع العمراني الأصيل للتاريخ العربي والاسلامي وخصوصيات أهل سوف.

وفي الأخير تدخل الأستاذ عز الدين زوبيدي مؤكدا على ضرورة انقاذ ما تبقى من المعالم العمرانية التاريخية حتى لا يكون مصيرها الاندثار كما حصل للغوط الذي يبقى رمزا شاهدا ومخلدا للموروث المادي والمعنوي لمنطقة سوف والسوافة.

نجيب بله باسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق