ثقافة و أدب

 رسالة من ثورة التحرير

منتدى اجنان الصاباط يواصل نشاطه بمداخلة تحت عنوان:

 رسالة من ثورة التحرير

تزامنا مع الذكرى الخامسة والستون لاندلاع ثورة التحرير المظفرة وفي جلسة نوفمبرية مباركة استثنائية ومواكبة للحدث وبفندق ترانزات القديم (وسط المدينة) الوادي وفي يوم السبت : 02 نوفمبر 2019 كان موعد اللقاء  بالمنتدى بالتنسيق مع الديوان المحلي للسياحة والصناعات التقليدية- سوف- مع الأستاذ المؤرخ سعد بن بشير العمامرة بمداخلة تحت عنوان: رسالة من ثورة التحرير على شكل قراءة استعراضية لوثائق تاريخية تعرض لأول مرة خاصة بالقائد الشهيد الطالب العربي أمام جمع من الأساتذة والمثقفين والشعراء.

وقد أشرف على تنشيط فعاليات المنتدى الأستاذ نجيب بله باسي والذي بداية مرحبا بالأستاذ الكاتب سعد بن بشير العمامرة شاكرا له تلبية الدعوة كلما طلب منه خدمة للثقافة وابراز التاريخ الثوري والقومي للبلاد ومثمنا مجهوداته الجبارة وتفانيه في البحث وتدوينه المميز للأحداث رغم تقدمه في العمر. ومعرجا في نفس الوقت على أهمية طرح هذا الموضوع وما يحمله من دلالات وخصوصيات ومعلومات تعرض لأول مرة تتعلق بأسد من أسود الصحراء وقائدا فذا وبطلا مغوارا وشهيد الثورة الذي أرعب العدو والمستعمر الفرنسي الغاشم ولقنه درسا في الشهامة والجهاد والتضحية والبطولة ألا وهو الشهيد الطالب العربي والتي تعتبر مسيرته الثورية حلقة أساسية في سلسة طويلة وعريضة في تاريخ الجزائر التي تأبى العبودية والمذلة، والتي تعتبر قبلة الثوار بدون منازع وها نحن في هذه الذكرى العزيزة والغالية على قلوبنا جميعا نسترجع تاريخ الأمجاد وكفاح الأجداد ليطلع عليه الأحفاد والأجيال القادمة ليسيروا على الدرب ويكونوا خير خلف لخير سلف واستلهام من روح ثورة نوفمبر المجيدة التي انبثق عنها فجر الحرية والاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية والحفاظ على الهوية والانتماء للعروبة والاسلام والانسلاخ من التبعية الفرنسية الاستدمارية التي تهدف إلى طمس المقومات الأساسية والتاريخية والعقائدية واللغوية للشعب الجزائري والذي أطلقها مدوية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس (شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب) وعليه فإن الأستاذ المحاضر سعد بن بشير العمامرة سيكشف لنا عن سر من أسرار سير وتنظيم الكفاح المسلح سيعرض لأول مرة متمثلة في وثائق تاريخية نادرة لهذا القائد البطل الشهيد الطالب العربي.

ثم بعد ذلك توجه بالشكر الجزيل للسادة الأساتذة الحضور على مساهمتهم الدائمة ومشاركتهم المستمرة وعلى اثرائهم المميز واضافاتهم الجيدة لفعاليات المنتدى بدون استثناء ثم مباشرة أحيلت الكلمة إلى الأستاذ المحاضر الذي عبر عن سعادته في هذه الذكرى الخالدة والمباركة على الشعب الجزائري والأمة العربية والاسلامية ألا وهي ثورة نوفمبر المجيدة التي ضحى من أجلها وذبح على معبد الحرية أكثر من مليون ونصف شهيد حتى تنعم بلادنا بالاستقلال والحرية والأمن.

الشهيد العربي قمودي المدعو الطالب العربي:

ولد الطالب العربي قمودي سنة 1923 بالوادي تلقى تعليمه على يد الشيخ غربي الطالب الصغير بقرية أولاد احمد التي منها انتقل إلى القطر التونسي ليستقر خلال سنة 1952م بمدينة الرديف كعامل بمنجم الفوسفات، شارك في الثورة التونسية بفاعلية ودعمها بكل ما يملك الشيء الذي أسهم في نضجه وتكوينه السياسي والعسكري ثم انخرط في صفوف الثورة الجزائرية منذ أيامها الأولى وعقد اتصالات مهمة مع الشهيد مصطفى بن بولعيد وشيحاني بشير وبعد استشهاد الجيلاني بن عمر كلف بتموين الثورة وجلب السلاح والاشراف على الحدود الجزائرية التونسية فقام بتوزيع قواته إلى كتائب صغيرة وفرقها إلى جهات متعددة في شكل دائري ليسهل الاتصال والمراقبة والنجدات ، عرف عنه اهتمامه بجنوده وتفقده لهم وسمعته الطيبة سهلت له الاستمرار في تجنيد الشباب في كتائبه حيث بلغ عدد جنوده 900 رجلا خاض بهم ما يزيد عن 47 معركة وواقعة إلى غاية استشهاده في سنة 1957م.

الوضع العام:

عندما اندلع لهيب الثورة في غرة نوفمبر 1954م خرج من الرديف ووادي سوف جمع عدده 107 من المجاهدين وكلهم مسلحون إلا 25 منهم بدون سلاح، وكان اعتمادهم المالي يبلغ 160000 فرنك واتجهوا نحو الجبال الشمالية حتى التقوا بالمجاهدين في الأوراس وهناك انظمت الجيوش إلى بعضها حيث غدت تعمل في ميدان واحد بدون تميز أو تحديد نظرا لقلة العدد واتساع الأراضي وانقضت مدة ليست بالقصيرة على هذا النحو حتى اتسع نطاق الثورة وكثر الاستعداد بالمناطق المجاورة. وأصبح في الامكان تقسيم الجيوش ووضعها وضعا مركزا يتناسب مع الجنوب أرضا ومناخا وعندها ارتأت قيادة الثورة أن تفرغ إلى مناطق وتوزيع الجنود حسب مقدرتهم على الكفاح بصورة أقوى وأشد تأثيرا وإن كل منطقة لها رجال مدربون اخصائيون في فن الكفاح فيها على عكس الأخرى، فالتل(الشمال) مثلا له رجاله المدربون الذين اعتادوا المعيشة في أرضه وتربوا في أحضانه منذ الصغر  يعرفون جباله وشعابه  ولهم دراية ومهارة تميزهم عن غيرهم في الانسحاب لتلك الجهة من الغابات الكثيفة والطرق المتشابكة حيث يقومون بعملياتهم دون تحديد للزمن .

طبيعة المناطق الصحراوية وظروف الكفاح المسلح:

أما المناطق الصحراوية حيث أن الجبال عارية مجردة والأراضي شاسعة ووعرة لقلة الماء فيها ويبوسة الهواء وشدة الحرارة وبعد الجبال عنها بحيث إذا وقعت معركة بمكان ما من الجبال اليوم مثلا: فيتحتم علينا مغادرته في الحين إلى الجبال المقابلة في مكان المعركة الذي يبعد بـ 40 كلم على الأقل. ومن هنا اختارت القيادة لهذه المنطقة من الصحراء والحدود رجالا مدربين على تحمل العطش والجوع ولهم دراية خاصة بالقتال في الصحراء والجبال الجرداء لأنه في حالة الحرب عندهم غير مضبوطة بساعة أو ساعتين  بل مرهونة بطول النهار من الشروق إلى الغروب ولا يتحمل هذه  الجهات  إلا أهلها الذين نشأوا على حرارة أرضها وجفاف هوائها وتمرنوا على قطع المسافات فيها وأضاف الأستاذ قائلا على لسان الشهيد الطالب العربي كان نصيبنا من هاته المناطق هو هذه المنطقة الشاحطة ذات العيش المهزول والكفاح المركب من جانبين جانب الطبيعة الجافة والقاسية والحر الشديد وما يترتب عنها وجانب العمليات المتواترة والطويلة مع عدم التسرب وكثرة العدو والمرابطة بالحدود وبعد المراكز من أجل الهجمات القصيرة ليلا

مرور الشهيد مصطفى بن بولعيد ولقائه مع الطالب العربي:

كان ذلك يوم 08 فيفري 1955 عندما كان في طريقه إلى طرابلس الغرب حيث مكث عند الطالب العربي يومين وليلتين واطلع على الوضع الموجود فأقر على الكفاح بهذه المنطقة كميدان للعمليات ومركز المرابطة ونقطة انطلاق للتوسع الصحراوي والمرابطة حول الحدود التونسية الليبية  لقد خولت للثورة التزود بقسط أوفر من السلاح والكرطوش أكثر من أي مكان آخر . ولما نشبت نار الثورة في أرجاء الوطن كان جنود هذه المنطقة حماة بتلك القوافل من السلاح حيث أن كامل الجنود منتشرة على طول الحدود التونسية الليبية للذود عن هذه القوافل حتى تصل إلى الأوراس .

ما قامت به الجهة من خدمات للثورة منذ ابتدائها (1954) إلى شهر جويلية 1956م :

في غضون هاته المدة تم تقديم وتزويد الثورة عن طريق مسؤوليها بما فيها منطقة الأوراس وهم الشهيدين شيحاني بشير ومعاشو مسعود والازهر شريط وغيرهم بكميات من الخرتوش متوالية يبلغ عددها 567000 خرتوشة وعدد 350 بندقية وعدد 02 مدفعين رشاش من نوع /24 وعدد 04 صناديق معبأة بقذائف الهاون    وكميات أخرى كبيرة من اللباس والادوية وجهزت عددا من الجنوب يبلغ عددهم (100) كلهم مسلحون وبعثت بها إلى المناطق المجاورة ليشاركوا اخوانهم ويناصرونهم ضد الاستعمار الفرنسي، أما المال المدفوع من طرف المجاورة ثمنا لهذا السلاح والعتاد فقد كان نسبيا غير كاف.

وفي الاخير فتح باب النقاش من طرف الاساتذة الحضور  فكان للاستاذ الكاتب عبد الحميد بسر مداخلة قيمة حول سيرة ونضال وكفاح الشهيد الطالب العربي قمودي حيث أماط اللثام على عدة تساؤلات طرحت من الحضور حول طريقة وكيفية التزود بالسلاح ونقل الذخيرة ونظام الجيش والامدادات اللوجستية وكذلك تعريف الشخصية القوية والذكية للقائد الطالب العربي في ادارة المعارك ورسم الاستراتيجيات الحربية التي اذهلت الاعداء سواء من المستعمر أو خارج الوطن كما قدم الاستاذ عبد الحميد بسر لمحة عن جهاد ونضال وكذلك كيفية الاغتيال والمؤامرة التي حيكت ضد هذا القائد الهمام الذي استطاع أن يسير جيشا يفوق تعداد جنوده الألف جندي كلهم مدربين ويتمتعون باحترافية عالية، كما أضاف الاستاذ عبد الحميد بسر بأن لمنطقته سوف والسوافة دورا كبيرا وفضلا بارزا ومتميزا في انطلاق ثورة التحرير المباركة.

فكانوا مواتجدون في كل تنظيم ثوري أو هيئة قيادية أو خلية نضالية زيادة على انخراطهم القوي والدائم والمتميز في صفوف الجنود والكفاح المسلح وكذلك دورهم الرائد في جلب ونقل الاسلحة والعتاد الذخيرة والاموال إلى الثورة في الشمال ويعتبر الشهيد الطالب العربي ابن سوف والصحراء إلا حلقة أو لبنة من سلسة شهداء وادي سوف الذي تجاوز تعدادهم المئات الذين قدموا النفس والنفيس في سبيل أن تحي الجزائر وتنال استقلالها وتنعم بالحرية.

وأضاف الاستاذ عبد الحميد بسر لكن مع الاسف الشديد لم يعطى لسوف وشهدائها حقها ومكانتها المرموقة والمستحقة في سجل تاريخ ثورة التحرير المباركة وعلى الاجيال القادمة من اساتذة مختصين وأدباء ومثقفين أن يبرزوا هاته الحقيقة.

(مع العلم بأنه أقيم معرض لتاريخ الثورة والشهداء ولوحات تجسد صور لمجاهدين وشهداء الثورة تزامنا مع ذكرى 65 لاندلاع ثورة التحرير) من طرف الديوان المحلي للسياحة والصناعات التقليدية – سوف – المتمثلة في رئيسها الأستاذ علي بن طالب.

نجيب بله باسي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق