ثقافة و أدب

الصحة النفسية بين الفرد والمجتمع

منتدى اجنان الصاباط يواصل نشاطه بمداخلة تحت عنوان:

الصحة النفسية بين الفرد والمجتمع

وهكذا تتوالى الجلسات في المنتدى الثقافي اجنان الصاباط وللأسبوع الرابع من هذا الشهر بالذات وفي يوم السبت 2019/10/26 وبالتنسيق مع الديوان المحلي للسياحة والصناعات التقليدية- سوف- وبفندق ترانزات القديم (وسط المدينة) الوادي كان الموعد مع ضيف المنتدى الأستاذ: محده الهادي وذلك بمداخلة تحمل عنوان: الصحة النفسية بين الفرد والمجتمع .

وسط جمع من السادة الأساتذة والمثقفين والأدباء والشعراء من معجبين ومهتمين لحضور هذا اللقاء ، وقد أشرف على تنشيط مجريات المنتدى الأستاذ نجيب بله باسي مستفتحا ومرحبا كل الترحيب بالأستاذ المختص في علم النفس محده الهادي شاكرا له تلبية الدعوة، خاصة بأنه يعتبر عضوا فعال في المنتدى ومن الذين ساهموا في دعم المسار الثقافي واثراء الساحة الفكرية والأدبية في منطقة وادي سوف ومتطرقا مباشرة إلى أهمية المواضيع التي ينتقيها المنتدى بكل دقة واحترافية والتي هي من صميم الواقع والتي تعالج القضايا الأساسية للأمم والمجتمعات، والتي من بينها مداخلة الأستاذ الهادي محده التي تناقش أحد المواضيع المهمة والخطيرة المرتبطة بحياة الفرد والمجتمع والتي ما أحوجنا في هذا الزمن بالذات لمعالجتها بحدة وبجرأة ومسؤولية وبواقعية ، والعمل على عدم التهرب والتملص والتستر أمام حجج واهية لاخفاء حقيقة وطبيعة النفس البشرية وما يعتريها من اهتزازات عاطفية واضطرابات عقلية توفر بشكل أو بآخر على نمط الحياة المعيشية والاقتصادية والصحية والنفسية بصفة أخص، وكان لزاما على الأفراد والمجتمعات أن تتقبل بكل صدر رحب وبكل قناعة تامة اللجوء والتردد على المصحات النفسية ومتابعة المختصين في مجال الصحة النفسية لأن التأثير النفسي في الإنسان أشد وطأ من التأثير والمرض الجسدي والعضوي، بحيث إذا اختل التوازن النفسي والسلامة الذهنية والعقلية تداعت له سائر أعضاء الجسم بالسقم والإعاقة ، لأن مفهوم الصحة والثقافة النفسية أصبح يشكل هاجسا مرعبا، وبمثابة اتهام بالنقصان والإعاقة العقلية لدى كثير من المجتمعات بينما العكس صحيح فإن الصحة النفسية السليمة تؤدي إلى التطور الحقيقي في شتى المجالات ، ثم بعد ذلك توجه بالشكر الجزيل إلى السادة الحضور الأفاضل مثمنا تواصلهم الدائم ووفائهم المستمر لجلسات المنتدى بدون استثناء.

ثم مباشرة أحيلت الكلمة إلى الأستاذ المحاضر والذي بدوره عبر عن سعادته وشعوره النبيل تجاه هاته الطبقة النيرة والمثقفة من أهل أرض الثقافة والبطولة والأمجاد مبديا استعداده للخوض في اغوار هذا الموضوع الهام.

تاريخ علم النفس:

للنفس جذور يرجع تاريخها إلى 3000 سنة قبل الميلاد وتطور إلى مرحلة علم النفس الغير مقنن خاصة في الحضارات الصينية والهندية القديمة حيث بدأ التفكير في وجود النفس والعقل والإنسان ، ومن البديهي أن تكون بداية علم النفس بداية فلسفية تصديقا للحكمة القائلة الفلسفة أم العلوم ومنذ سالف العصور بدأ الفلاسفة يتساءلون عن سر النفس وما هو أصلها وما هي طبيعتها؟ وما هو مصيرها، ولعل سبب هذا التساؤل يتمثل في كون الإنسان قد تأثر بظاهرة وجود تغيير في النشاط الفيزيولوجي كما لاحظ أن التفاعلات النفسية المختلفة (الغضب والفرح والحزن وغيرها) ووجودها متأكد منذ أقدم العصور فالإنسان البدائي كان يفرح ويحزن أي أن هناك قوة دافعة وهذا الشخص الخفي هو الذي يوجهها نحو الخير أو الشر، أما رواد االفلسفة فلقد تفننوا في التصور النفسي ، فيتاغورس تصورها وكأنها عنصر خالد مغاير للجسم مستقر في الدماغ وعند الموت تغادر الجسم ثم تعود إلى الأرض في جسم أحط أو أسمى من الذي كانت فيه.

فالنفس واقعة في ذهاب وإياب أي وفق مبدأ تناسخ الأرواح ، أما أبو قراط فكان اهتمامه في بداية التشخيص والتصنيف وجاء بعده أفلاطون  فقد أدت نظريته في اقرار بأن الروح  والنفس جزء من الروح أقدم من البدن وأنها أدركت المثل التي لا تدركها الأبدان فالنفس عنده قوة روحية فهي بذلك تتذكر المثل بعدما عقلته في العالم الروحي وفي كتابه المسمى الجمهورية كتب عن المرض بأنه يجب نزع التعذيب عن المرضى لأن العقل هو المسؤول على صحة الإنسان وكذلك بالنسبة   للفيلسوف سقراط الذي أثار اشكالية هل الروح هي الجسد أو هي العكس هو الروح؟ أما عن ابن سينا فقد كان أكثر الفلاسفة المسلمين اعتناء بأمر النفس وفعلا هيأ لهذا الغرض العديد من الرسالات والمقالات من بينها اختلاف الناس في أمر النفس  وأحوالها واستطاع اثبات وجود  النفس بالبراهين النفسية، هذا لقد تقدمت الدراسات النفسية في سنة 1811م 1820م بواسطة العالمان   (بال وما جندي) وبعدهما العالم HELPZ وأسس العالم فونت أول مخبر في علم النفس التجريبي بألمانيا ، كما يعتبر فخنر مؤسس علم النفس التجريبي في 1860م.

تعريف علم النفس:

علم النفس هو الدراسات العلمية للسلوك والعقل والتفكير والشخصية ويمكن تعريفه بأنه الدراسة العلمية لسلوك  الكائنات الحية وخصوصا  الإنسان . وذلك بهدف التوصل إلى فهم هذا السلوك وتفسيره والتنويه به والتحكم فيه، كما أن علم النفس هو العلم الذي يهتم بدراسة الظواهر النفسية المختلفة من عمليات عقلية معرفية كتخزين المعلومات واسترجاعها وسمات الشخصية الانسانية من انفعالات وميول وانطباعات وكذلك دراسة العلاقات المتبادلة في السلوك الانساني.

أهداف علم النفس:

إن من أهم الأهداف هو الفهم الأساسي لهذا العلم وهو ما يقوم به الباحث من تحديد مسببات ظاهرة معينة ونعني بالفهم أيضا امكانية الربط وادراك العلاقات بين مختلف الظواهر والأحداث المراد تفسيرها  وكذلك الضبط وهو القدرة على التحكم بإحدى الظواهر النفسية وأخيرا التنبأ حيث يعتبر المحك الرئيسي بدراسة ظاهرة ما وفهمها بعد ضبط المتغيرات .

غياب الثقافة النفسية (الصحة النفسية) وآثارها على المجتمع:

ذكر الأستاذ محده  الهادي بأن المجتمع يفتقد للثقافة النفسية وكذلك الصحة النفسية وما أحوج الإنسان للتزويد بهذه الثقافة وإن الصحة النفسية تدل على مستوى الرفاهية النفسية أو العقل الخالي من الاضرابات وهي الحالة النفسية للشخص الذي يتمتع بمستوى عاطفي وسلوكي جيد وبالمقابل فغياب الصحة النفسية يساهم بشكل مباشر وغير مباشر في تعطيل عملية التطور الاجتماعي والثقافي وإن الحفاظ على صحة نفسية جيدة مهم وضروري لممارسة حياة هادئة وطويلة وممتعة على عكس الصحة النفسية السيئة التي تؤثر سلبا على حياة الفرد والمجتمع، وإن الثقافة النفسية هو وجوب معرفة الفرق بين المرض النفسي والمرض البدني أو الجسدي .

وهذا ما حدث بعد الثورة الفرنسية لقد تطور العلم في هذا المجال وتم ذلك بواسطة  عالم فرنسي يدعى شاركوا  بدأ يعالج مرضاه بواسطة التنويم المغناطيسي وذلك باخراج المكبوتات والمشاكل الباطنية التي يخزنها المرضى ولا يفضحون عنها نتيجة لعدة عوامل قديمة وحديثة من خلال صدمات عاطفية أو اجتماعية وغيرها.

كما تطرق الأستاذ إلى عدة مدارس عالجت مشكل الصحة النفسية بدأ من مدرسة التحليل النفسي (صدمات وكبت) في 1830م من طرف العالم (فرويد) وفيها يسلط الضوء على كيفية التحليل النفسي للمصابين والمرضى وكشف المستور من الأحاسيس والمشاعر الغير معبر عنها والغير ظاهرة ثم هنالك ما يسمى بالمدرسة السلوكية بزعامة  العالم الأمريكي (سكينار) وهي مدرسة تعتمد على دراسة سلوك الفرد من خلال تصرفاته وحركاته وأعماله في الميدان وأفعاله المتبعة فمن خلال هذه السلوكات يحدد المختص مصدر الخلل ونقاط الضعف ليعالجها خطوة بخطوة وعلى مراحل حسب كل سلوك منتهج للفرد المصاب وهناك أيضا ما يسمى بالمدرسة العقلية وهي مدرسة تعتمد في تحليلها النفسي على الفكر والعقل، فالانسان تظهر تصرفاته ما يمليه به عقله وقتناعاته الخاصة أو بواسطة تطبيق أفكار رسخت في ذهنه بمفهومه الخاص به ولا يعترف بأي فكرة أخرى مخالفة لرأيه وقناعته.

العلاج النفسي:

أكد الاستاذ الهادي محدة على أن العلاج النفسي يعتبر من أهم العلاجات بالنسبة للافراد والمجتمعات والمؤسف أن كثير من الناس لديهم عقدة من هذا النوع من العلاجات النفسية لأن ليدهم صورة سلبية حول هذه الظاهرة في أوساط المجتمع مخافة من اتهامهم بالاعاقة أو النقصان والجنون، مع العلم بأنهم ينفقون أموالا باهظة من أجل العلاج الجسدي أو العضوي خارج وداخل الوطن ولا يعلمون بأن المرض النفسي هو أشد وطأة وتأثيرا وخطورة على الانسان وجسده أكثر من المرض العضوي بكثير.

هذا وذكر الاستاذ بأن هناك عدة نظريات علاجية وطرق تستخدم في هذا المجال مثل النظرية الذهنية لعلاج بالرائز (الحبر) وغيرها من العلاجات المتعددة والمختلفة، وأضاف بعض الامثلة عن معالجة ما يسمى بالوسواس القهري والاكتئاب وازدواجية الشخصية والاسقاط، كما تطرق بشكل مختصر إلى ظاهرة النرجسية والنجومية وإلى جنون العظمة وصولا إلى ظاهرة الدهانات (PSHYCOSE) وكذلك التوضيح الفرق بين الاضطراب النفسي والامراض النفسية والاضطرابات العقلية.

وفي الأخير وبعد المناقشة إتفق الحضور بضرورة التزود بالثقافة النفسية التي أصبحت ضرورة حتمية في حياتنا اليومية والاجتماعية والصحية لضمان العيش في رفاهية وهدوء وسعادة، علما بأن أكبر نسبة للوفيات في العالم سببها ظاهرة القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية والعقلية.

نجيب بله باسي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق