أعمدة

في الثقافة الجنسية 1

———-حتى لا تكون فتنة———-

في الثقافة الجنسية 1

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

في أواخر التسعينات، على شاطئ المرسى، وفي فصل الخريف، كنا نستمتع ببعض أشعة الشمس الهاربة من الصيف… والتفت صدفة، فإذا بشاب يبعد عني مسافة 30 مترا تقريبا بصدد ممارسة العادة السرية… تفاجأت بالمشهد… انتظرت حتى أتم فعله ثم اتجهت إليه وقلت له: كان عليك الاستتار عن الأعين… أقسم الشاب أنه لم يفعل شيئا… وظل يقسم بأغلظ الأيمان…

ما حزّ في نفسي هو كذبه وتمسكه بالإنكار… أما ذلك الفعل، فلم أره جريمة لأن كل الشباب يفعله في السرٌ… حتى الشابات اليوم…صحيح، أنه فعل مخلّ بالأدب حين يمارس في العلن، أو حين يكتشف صاحبه على حين غفلة… لكنه في ذاته، فعل يأتيه كل الناس تقريبا، دون أن نبرزه ونظهره للعموم… لأنه فعل مرتبط بذواتنا وبوجودنا… وبجزء منا… لكننا، وككل ممارساتنا الجنسية، نسعى إلى إنكاره والتبرؤ منه، ونلعن فاعله متمثلين الفضيلة والأدب والأخلاق…

العادة السرية، أو الاستمناء، معروف منذ وجود الإنسان… هو ممارسة تعلق باستدعاء الشهوة والارتواء الذاتي وتصريفها بطريقة ليس فيها اعتداء على أي شخص… في ظاهر الأمر… وإن كان الفاعل يكتشف لاحقا أنه هو الضحية… وتبدأ عادة مع البلوغ واكتشاف اللذة الجنسية التي كانت في حالة كمون مع الطفولة… وإن كان اليوم، مع وسائل الإثارة والاستفزاز، نجد بداياتها مع الطفولة وقبل البلوغ، في حركات تقليد لصور رسخت في الذهن…

ثمّ تتطور لاحقا، بحسب وضع الشخص ومحيطه وبيئته وانشغالاته، ومدى تغذيته الروحية… نعم، تلعب الثقافة، دورا هاما في تقنين اللعبة الجنسية للمراهق… وتثبيته على برنامج معين يلبي له راحته النفسية… فالبيئة الليبرالية والفوضوية وبيئة الجهل واللامبالاة، وبيئة طغيان المادة والاهتمام بالدنيا، كلها بيئات تساعد على توجيه الشاب وجهة خاطئة، في سلوكياته الجنسية… في حين، أن البيئة الدينية والمحافظة والعلمية، تؤدي إلى سلوكيات أخرى…

أين تقع العادة السرية؟ في أي بيئة؟

الحقيقة، نجدها في كل أنواع البيئات بلا استثناء.. وتعلمها يخضع للتأثر بالأصدقاء والصور الجنسية وحب الاكتشاف…وبعدها، يبدأ الإدمان… نعم، الإدمان عليها هو الخطر… وليس في ثقافتنا الشعبية أي ملاذ أو حلول أو علاج لهذا الإدمان… بل الأخطر، أنه يصعب اكتشاف هذا الإدمان، بحكم سريتها…

من الطرائف، أن صديق قديم لي، إطار في مؤسسة تأمين، كان أيام دراسته الجامعية، مفرطا في استعمال العادة السرية، وكان يقول لي، إن فيها مزايا لا تجدها في أي طريقة أخرى لتصريف المتعة… منها:

أولا: أن الإستمناء مجاني، على خلاف أي طريقة أخرى..

ثانيا: أنه غير مرتبط بوقت ولا مكان…

ثالثا: أنه يسمح لك بالتمتع بأي امرأة في العالم، بخيالك.

هذا التحليل الطريف لصديقي، يمكن أن يشكل بداية التفكير في دراسة علمية، عن انتشار العادة السرية بين صفوف المواطنين، وعن أسبابها ونتائجها، ثم البحث عن حلول لها…

المشكل، أنه لم نتلق، كشباب ومراهقين، أي تربية جنسية، وأي تمرين يسمح لنا بتجاوز لحظة الشهوة المتمكنة بالشخص…. أهمل القائمون على التربية في بلداننا، الاعتناء بالخيال ومجال إبداعه لدينا… حتى سقطنا ضحاياه… مع كل المؤثرات والمحفزات الحسية والصورية في واقعنا…

هنا نذكر، على سبيل الإشارة فقط، إلى أهم تأثيرين سلبيين للعادة السرية على الأشخاص:

التأثير الأول: الاقتصار على الارتواء الذاتي يقصي كل الأشكال الأخرى من الارتواء وأهمها: الممارسة الجنسية بين الأزواج… تلك الممارسة العادية التي لن تجد طريقها إلى الزوجين، باعتبار أن أحدهما أو كلاهما، تعود على قضاء شهوته بطريق خاطئ…وهذا ما يفسر إلى حدّ ما، تعاسة عائلاتنا، وفشل أسرنا، بل ونقل ذلك إلى الأجيال التالية…

التأثير الثاني: في مجال الفكر والخيال والإبداع، الذي يفتقده شبابنا بفعل الإدمان على الممارسة السرية… وهو تأثير بالغ الأهمية، حيث يعزز عقدة الكبت في النفسية، ويحطم كل خيال وإبداع خارج منطقة الجنس… ويسيطر على الشخص إلى درجة يجعل منه كائنا انطوائيا غير اجتماعي، فاقدا للنشاط والفعل…

نعم، هناك من الأشخاص، المدمنين على هذا الفعل السري، من استطاع الفصل بين حياته الخاصة وحياته العامة، فكوّن شخصيته المهنية والاجتماعية، وحقق نجاحات في أفق مهنته وسلوكياته الاجتماعية، وأخفى جوانب سرية من حياته الجنسية… لكن الأكيد، أن هذا الازدواج في الشخصية مآلها الافتضاح والظهور وتحطيم الصنم…

لا يمكن التبرير للسلوك القبيح وغير السويّ، ولا يمكن مواصلة تجاهله وتعديه… لأنه سيحطمنا يوما ما…

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق