B الواجهة

الجزائر ليست بحاجة لاحتياطي الصرف الأجنبي الراهن

قال إن تراجعه لا يهدد مستقبل الاقتصاد الوطني بل قد يدعمه ،نور الدين جوادي لـ : “التحرير” :

الجزائر ليست بحاجة لاحتياطي الصرف الأجنبي الراهن

احتياطي الصرف الراهن طفرة مالية لا يجوز القياس عليها

■ القلق بشأن مستقبل الدولة من خلال الاحتياطي الأجنبي يحتاج للكثير من التعمق العلمي وليس الطرح الشعبوي

الاقتصاد الجزائري في مأمن والاحتياطي الأجنبي ليس مصدر قلق على المدى المتوسط

كل المؤشرات الاقتصادية تؤكد فائض احتياطي الصرف الأجنبي

والحكومة عليها تأمين المستوى الأمثل وليس الاهتمام بالفائض.

 

 

 

منذ العام 2013، ومع بداية تراجع احتياطي الصرف الأجنبي، حيث انخفض من حدود 201 مليار دولار إلى 186 مليار العام 2014 علمياً، وهو الآن في حدود 87 مليار، ازدحمت الساحة الاعلامية وحتى المجالس العلمية بتفسيرات جد قاتمة حول مصير الجزائر واقتصادها في ظل ذلك التراجع، ومع الأسف افتقرت تلك التحليلات للكثير من الموضوعية في الطرح، كما أن البعد العلمي فيها كان شبه مغيب.

علمياً، الكلام عن وضع أي دولة مقارنة بحجم احتياطها الأجنبي يحتاج للكثير من التعمق، كما أن تراجع حجم هذه الاحتياطات لا يمثل خطرا في غالب الأحيان خاصة في الفترات الاستثنائية، مثل التي مرت بها الجزائر خلال الارتفاع الجنوني لأسعار النفط عندما لامست 140 دولارا للبرميل، والتي رفعت من حجم احتياطي الصرف بمعدلات هائلة وفي ظرف قياسي بحث قفز الاحتياطي من أقل من 60 مليار العام 2005 إلى أكثر من 200 مليار دولار العام 2013.

بشكل أدق، قبل تحليل مستقبل اقتصاد أي دولة من منظور احتياطها من العملة الصعبة، يجب أولاً تحديد مستوى ما تمتلكه اليوم من احتياطي مقارنة بما يعرف “المستوى الأمثل” للرصيد الأجنبي، وهو المستوى الذي سوف يضعنا عند ثلاث مستويات لحجم احتياطي الصرف الأجنبي والتي يمكن من خلالها التحليل:  (01) “الاحتياطات الفائضة” والتي تنتج عن ضخامة حجم تلك الاحتياطات، ما قد ينجر عنه مشاكل اقتصادية أكثر منه فوائد؛ (02)  “العجز في الاحتياطات” وهو ما قد يشكل أزمة ويرهق الاقتصاد الوطني؛ (03) المستوى الأمثل للرصيد الأجنبي، والذي يجب أن يتم تحديده بدقة والعمل بجدية للمحافظة عليه.

وفي ضوء التحليل أعلاه، يطرح السؤال نفسه وبقوة عن كيفية حساب “المستوى الأمثل” للرصيد الأجنبي، وهل الوضع الراهن لاحتياطي الصرف للجزائر يشكل خطرا أم لا على الاقتصاد الوطني.

اقتصادياً، هنالك حزمة من عدة مقاييس لتحديد ذلك “المستوى الأمثل” للرصيد الأجنبي، والتي من أهمها : نسبة احتياطي الصرف الأجنبي إلى إجمالي الواردات، قدرته على تغطية العجز في ميزان المدفوعات، نسبته إلى إجمالي عرض النقود، ونسبته إلى حجم الديون قصيرة المدى…الخ.

 

بالنسبة للجزائر، فإن إجمالي الاحتياطيات بدلالة عدد أشهر الاستيراد يعتبر عال جداً مقارنة بالمستوى المعتمد عالمياً بين 3 إلى 6 أشهر وأيضاً مقارنة بالمتوسط العالمي وبمثيله في أكبر اقتصاديات العالم منذ عقود، فمثلا يبلغ متوسط إجمالي الاحتياطيات بدلالة عدد أشهر الاستيراد للجزائر للفترة 2010 إلى 2018 حوالي 29 شهراً، في حين لا يتجاوز المتوسط العالمي لنفس الفترة 13 شهراً، الصين 18 شهر، اليابان 15 شهراً، الاتحاد الأوروبي 3 أشهر، الولايات المتحد الأمريكية شهرين على الأكثر…الخ، وكل ذلك يؤكد أن هنالك فائض في الاحتياطات الأجنبية في الجزائر، وهو مل يقلل بل ويقزم من حدة القلق بخصوص مستقبل الاقتصاد الوطني، ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بالمحافظة على احتياطي الصرف للدولة.

أما باستحضار مؤشر الدين الخارجي وتحديداً الديون قصيرة الأجل، والتي لا يتجاوز حجمها 2 مليار دولار منذ سنوات، فإن مستوى الاحتياطي الأجنبي في أعلى مستوياته ويحقق فائضاً كبيراً جداً، كما أن تراجعه لا يهدد الاقتصاد الوطني كما يدعي الكثير اليوم. فبيانات البنك العالمي تؤكد أنه خلال الفترة ما بين 2010 إلى 2018 لم يتجاوز متوسط حجم الدين الخارجي للجزائر عتبة 1.1% من إجمالي الاحتياطات الأجنبية، وهي نسبة مهملة وغير معتبرة أصلاً، خاصة عند مقارنتها ببعض دول العالم: تركيا 96.5%، الهند 25.4%، الصين 17.6%، ورسيا 13.7%. وهو ما يؤكد أن وضعية الاقتصاد الجزائري جد مطمئنة من ناحية وضعية احتياطيات الدولة من العملات الأجنبية.

ومن ناحية نظام التحذير المبكر المتعلق بنسبة الاحتياطيات إلى عرض النقود داخل الاقتصاد، والذي يمثل مدى قدرة تلك الاحتياطيات على الحفاظ على استقرار الاقتصاد في حال هروب الأموال أو غيره، فإن المستوى الراهن للاحتياطي الأجنبي للجزائر يغطي بشكل كبير جدا ذلك، ويتيح اطمئنان مالي كبير جدا من هذه الناحية، فمتوسط نسبة العرض النقدي بمعناه الواسع إلى إجمالي الاحتياطيات لم يتجاوز 1% خلال الفترة ما بين 2010 إلى 2018، وهو رقم صغير جداً، خاصة إذا ما عرفنا أن هذه النسبة تتجاوز 34% في الولايات المتحدة، وحوالي 10% في اليابان، و6% في الصين.

كما أنه هنالك علاقة كبير بين قيمة الدولار الأمريكي مقارنة بالعملات العالمية الرئيسية وخاصةً اليورو واليوان بالنسبة للجزائر باعتبار أن الصين والاتحاد الأوروبي من بين أهم ممولي الاقتصاد الجزائري، فانخفاض قيمة الدولار سوف تأدي إلى تآكل الرصيد الحقيقي للاحتياطيات والعكس بالعكس؛ ولكن الملاحظ أنه منذ العام 2013 ومع بداية تراجع إجمالي الرصيد الاحتياطيات الأجنبية للجزائر، شهد قيمة الدولار ارتفاعاً من حدود 0.72 يورو العام 2013 إلى 0.95 يورو العام 2016 وهي الآن في حدود 0.88 يورو. كما أنه بالنسبة لليوان الصيني ارتفع الدولار وبشكل مستمر من حدود 6.14 يوان العام 2013 إلى 6.75 يوان العام 2017، وبالتالي فإن القيمة الحقيقة لإجمالي احتياطات الصرف الأجنبي للجزائر لم تتآكل برغم تراجع القيمة الاسمية له. وهو ما يؤكد صلابة الوضع الجزائري بمعيار احتياطي الصرف الأجنبي.

كما يجب أيضا استحضار تغيرات سعر الذهب لتحديد أدق للقيمة الحقيقة لاحتياطي الصرف الأجنبي للجزائر، باعتبار أن الذهب يمثل أحد مكونات احتياطي الصرف وهو تربع على حوالي 8.2%من إجمالي قيمة احتياطي الصرف الأجنبي للجزائر العام 2018، وحدود 5% كمتوسط خلال الفترة ما بين 2010 إلى 2018. وبالنظر في الأسعار العالمية للذهب نجد هنالك استقرار نسبي فيها خلال الفترة ما بين عامي 2013 إلى اليوم في معدل 35 ألف إلى 40 ألف دولار للكلغ الواحد.

في الأخير، أعتقد أن الجزائر ليست بحاجة لاحتياطي الصرف الأجنبي الراهن، وأن تراجعه لا يهدد مستقبل الاقتصاد الجزائري بل يدعمه، باعتبار أن هذا التراجع سوف يحرك ويعجل وتيرة التفكير في كيفية المحافظة عليه قبل بلوغ المستوى الأمثل له، وهو ما نأمل أن يتحقق خلال المدى القصير.

نور الدين جوادي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق