أعمدة

ملاحظات حول اجتماع السقيفة 3

———-حتى لا تكون فتنة———-

ملاحظات حول اجتماع السقيفة 3

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

لا ننفي أن مناقشات الأنصار كانت ذات بعد سياسي، وأنّ شهوة الحكم كانت حاضرة، وأنّ مناقشة ترتيبات الانتقال السّياسي كانت حاضرة فيها النّوازع الإنسانيّة، ولكن المميّز في الأنصار، أن إجراءات الشّورى عندهم، أدّت إلى اقتراحات تتجاوز التّوازن القبلي المحكوم به العرب آنذاك، إلى اقتراحات تقدميّة، تعتبر نموذجا حيّا للتفكير الحرّ والمبادرة الخلاّقة، ونقصد اقتراح «منا أمير ومنكم أمير»، الذي يجسّد اقتسام الحكم بين قطبين رئيسيين من المسلمين، أو إحداث مجلس حكم ثنائي لإدارة دفّة الحكم. وهو اقتراح سابقة في الفقه السّياسي العربي السّائد في تلك الحقبة التاريخيّة.

لقد مثّل الأنصار على مرّ السّنوات القليلة من الإسلام، الشقّ المتطوّر المتقدّم المبادر إلى كلّ جديد، وكل خلق مبدع تجده أنصاري.. حيث أثنى عليهم الله في كتابه، ومدحهم الرّسول عليه الصّلاة والسلام، في عدّة مناسبات….بحيث نرى أنّهم امتداد أصيل للإرث النّبوي المبدع والموحّد للمسلمين، ذلك الإرث الذي حاول تجاوز القبليّة والانقسامات الإثنيّة، إلى مجتمع يوحده الإسلام…

أما خطاب عمر للأنصار، فكان نابعا من قراءة واقعيّة وعمليّة للتّوازن القبلي، وللخارطة العربيّة آنذاك: «والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمنع أن تولّي أمرها من كانت النّبوة فيهم وولي أمورهم منهم».. وواضح أن الأنصار يتكلّمون باسم الفكر الإسلامي الحديث، والمهاجرون يتكلّمون باسم الفكر العربي التّقليدي، مع أنّ الإسلام فيه مركزي. ويظهر ذلك جليّا في الفكر العمري الذي جعل المدينة مركز الجزيرة وعاصمة العرب والإسلام، حيث منع إفراغها من الصّحابة، الذين مثّلوا روح الإسلام لدى العرب، وجعل خروج الصّحابة الكبار منها بإذن خاصّ منه، كما مثّل تقسيم العطايا على أساس القرابة من رسول الله والأسبقيّة في الإسلام، فكرا عربيّا بلبوس إسلامي، ظهرت نتائجه الاجتماعيّة بعد فترة وجيزة من تطبيقه، ممّا جعله ينوي الرّجوع عنه قبل وفاته.

ومنذ البداية، كان الوعي الجماعي لدى الأنصار والمهاجرين، على يقين بأنّهم يناقشون أمرا دنيويّا سياسيّا نابعا من رأي، وليس من كتاب ولا سنّة، وهو ما اعترف به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين قال: «يا أيّها النّاس، إنّي قد قلت لكم بالأمس مقالة فما كانت إلاّ عن رأي، وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده رسول الله…».  وكأنّه لما استرسل في إبداء رأيه في السّقيفة، وارتجل مقالته المعروفة، والتي أدّت إلى بيعة أبي بكر، وغلق النّقاش حول الخلافة، أراد تأصيلها شرعا، وبيان أنّها رأي سياسيّ وليس وحيا ونبوّة.

وكانت خطبة أبي بكر المرتجلة، يوم السّقيفة، ملخّصا لتاريخ المهاجرين والأنصار، وموجزا لتاريخ الإسلام، جمع فيها حال العرب قبل البعثة، وبعدها، حيث قال عن المهاجرين: «وأحقّ النّاس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم إلا ظالم» ثم التفت إلى الأنصار وقال لهم: «وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدّين ولا سابقتهم في الإسلام، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاوتون بمشورة، ولا تقضى دونكم الأمور»…

وواضح، أنّ أبا بكر قد اعتمد في تحليله للأوضاع من قبل البعثة إلى تلك اللّحظة، على فكر إسلامي يعترف بالقبليّة، باعتبارها الهيكل الأساسي للتّركيبة العربيّة آنذاك، مع اعتبار القرابة والسّابقة في الإسلام، موجبا لنيل السّلطة وقيادة الأمّة. ولو تساوت فضائل المهاجرين والأنصار في الإسلام، فإنّ الكفّة ترجح لفائدة المهاجرين الذين تميّزوا على الأنصار بالسّبق في الإيمان والجهاد، حيث حرم الأنصار من المشاركة في غزوة بدر. إلاّ أنّ الاعتراف للأنصار بالوزارة والمشورة، بوّأهم مكانة مهمّة على المستوى النّظري، لم تجد لها موطئا للتّنفيذ إلاّ في عهد عمر وعليّ رضي الله عنهما.

وأخيرا، يمكننا أن نجزم أنّ السّقيفة كانت موعدا أنصاريّا وتاريخيّا مع الشّورى في صبغتها الإسلاميّة، وأنّها كانت منفتحة على فكر سياسيّ حرّ وخلاق، يتجاوز السّائد والرّاهن، وأنّ التّدخل العمري والبكري أنقذ السّقيفة من الفتنة، وجنّبها التّحول إلى صراع قبليّ، رغم انتصار الفكر العربي ذو المركزيّة الاسلاميّة، وهو الفكر الذي يعترف بالبناء القبلي، والتّصنيف المعتمد على السّابقة والقرابة الرّوحيّة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو أول بوادر الرّأي السياسي الفتيّ، في دولة المدينة، بعد فقدان مشرّعها الأول.

وللحديث بقية…

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق