أعمدة

ملاحظات حول اجتماع السقيفة2

———-حتى لا تكون فتنة———-

ملاحظات حول اجتماع السقيفة2

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

قال القرطبي في تفسيره لآية الشورى: وأوّل ما تشاور فيه الصّحابة الخلافة؛ فإنّ النبي صلّى الله عليه وسلم لم ينصّ عليها حتّى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه. وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم لديننا وتشاوروا في أهل الرّدة فاستقرّ رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجدّ وميراثه، وفي حدّ الخمر وعدده. وتشاوروا بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الحروب؛ حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من النّاس من عدوّ المسلمين مثل طائر له ريش وله جناح، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرّجلان بالجناح والرّأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرّجلان والرّأس، وإن شدخ الرّأس ذهب الرّجلان والجناحان. والرّأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس؛ فمُر المسلمين فلينفروا إلى كسرى… وذكر الحديث. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قطّ! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون؛ فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون.. .

يبدو أنّ المفسّرين انساقوا وراء ثقافتهم عندما فسّروا آية الشورى، فهم لم يبحثوا عن المعنى المحمول في اللّفظ، وعن توظيف القرآن لمعنى الشّورى، وكيف تناول الشّورى الأنصاريّة؟؟؟ هل تناولها باعتبارها من التّقاليد المعروفة عند الأنصار قبل الإسلام؟؟؟ أم أنّه جعلها شورى خاصّة؟؟؟ فالشّورى المذكورة في سورة الشّورى جاءت في سياق تعداد لسلوكيات استوجبت المدح، اختصّ بها هؤلاء الأنصار، في الفترة المكيّة. فكان السّياق يبدأ بالاستجابة للدّين، ثم بالصّلاة، ثم ثلّث بالشّورى وختم بالإنفاق.  قال تعالى:  «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصّلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون»

فمن خلال الآية، جاء مدح الشّورى بعد الاستجابة إلى الله وإقامة الصّلاة، بحيث ندرك من هذا التّرتيب أنّ الشّورى ثمرة من ثمار الاستجابة والصّلاة، باعتبار أن الانفاق جاء في المرتبة الرّابعة… فالاستجابة لله أدّتهم إلى إقامة الصّلاة، وإقامة الصّلاة أدّتهم إلى الشّورى في أمورهم، والشّورى أدّت إلى الإنفاق…

فإذا عرفنا أنّ الفترة المكيّة كانت ذات طابع توحيدي صرف، وإذا عرفنا أنّ سورة الشّورى نزلت تقريبا في السّنة الأخيرة من البعثة، تحمل رقم (62) من ترتيب النّزول، بعد سورة الإسراء التي تحمل رقم (50) بنفس التّرتيب، وإذا عرفنا أنّ هذه الآية تتحدّث عن سنتين فقط من الاستقرار الإيماني والتّوحيدي، استطعنا أن نستنتج أنّ الشورى هي ثمرة من ثمار التّوحيد الأنصاري المكّي وليست عادة من عادات الخزرج والأوس.

هذا ما غفل عنه المفسّرون لأنّهم لم يدركوه،… الشّورى الممدوحة في هذه الآية كانت خصيصة أنصاريّة، نبعت في بيئة خارج مكّة وليست هناك وثائق تفسّر سبب عقم المجتمع المكّي في عدم انجابه للشّورى…. كما أنّه من المفيد البحث عن الأسباب الاجتماعية التي جعلت الشّورى تظهر في الأنصار باعتبارها ثمرة من ثمرات التّوحيد ومظهرا ايمانيّا وليس عادة عربيّة كما يصوّرها المفسّرون…..

لقد لمسنا عند الأنصار جرأة وإقداما على مناقشة أمور دينيّة من صميم التّوحيد والإيمان، وهو ما يعتبر من تجلّيات الإسلام عندهم مثل صلاة الجمعة التي ابتدعوها أوّلا في المدينة قبل الهجرة، ومناقشة القبلة والصّلاة إلى الكعبة. ونحن نرى أن اجتماع سقيفة بني ساعدة يندرج ضمن هذا السّلوك الإسلامي الخاصّ المتفرّد: الشّورى، والذي يعتبر خصيصة أنصاريّة، مجلبة للمدح ومستوجبة للثّناء الرّباني، وليس مؤامرة من خلف المهاجرين.

فالشّورى الأنصاريّة هي شورى: أولا: قاعديّة، وثانيا: ثمرة من ثمرات التّوحيد، وثالثا: تهمّ أمور الدّين قبل الدّنيا.فالشّورى كسلوك توحيدي نشأ في جماعة الأنصار وهو سلوك مكمّل للتّوحيد مستجلب للمدح الرّباني، تميّز به الأنصاري في الفترة المكّية، ويمكن لنفس هذا السّلوك أن يظهر من جديد إذا ما تكرّرت شروطه الموضوعية، بل إنّ أهمّ ظهور له، وتجلّ له، كان في سقيفة بني ساعدة حيث اجتمعوا لبحث موضوع خلافة النّبي عليه السّلام في الجانب السّياسي الدّنيوي، وهذا دليل على حسّهم المدني المتطوّر، وتواصلا مع سلوكهم الحضاري النّابع من التّوحيد…..

ولعلّ انفتاح الاجتماع على مجموعة من النّقاشات والاقتراحات، التي أخذت في الاعتبار الشقّ الغائب، دليلا على أنّ الاجتماع كان بريئا، بعيدا عن المؤامرة والانقلاب والالتفاف والفتنة.. بل كان تجربة شوريّة ولحظة شوريّة وحدثا شوريّا، يستوجب المدح والثّناء. فرغم قولة سعد بن عبادة: «استبدّوا بهذا الأمر فإنّه لكم دون النّاس» تساءل بعض الأنصار عمّا يفعلون إذا رفض المهاجرون مقالتهم هذه، فاقترحت طائفة أن تقول لهم: «منّا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بغير هذا الحلّ».

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق