أعمدة

ملاحظات حول اجتماع السقيفة 1

———-حتى لا تكون فتنة———-

ملاحظات حول اجتماع السقيفة 1

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

ثمة إجماع على أن اجتماع السّقيفة عقد يوم وفاة النّبي، في السّنة الحادية عشرة للهجرة(632م) وقبل الانتهاء من تهيئته وتشييعه ودفنه. وكان الأنصار هم الذين سارعوا إلى الاجتماع أوّلا. هذا الحدث، يعدّ خطيئة كبرى من قبل بعض العناصر المهتمّة بالموضوع، سواء منها تلك التي شاركت فيما بعد، أو انخرطت متأخّرة في العمليّة السّياسية، أو استعادت تلك اللّحظة التّاريخية تأويلا وتعسّفا.

يبدو أنّ المؤرخين وقعوا في إشكال كبير، عندما أرادوا الإجابة عن سؤال مهمّ: ما الذي دعا الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، للتّباحث في الفراغ السّياسي الذي حدث بوفاة الرّسول عليه السّلام، بهذه السّرعة؟ هل كانت نوازع سياسيّة مطلبيّة وشهوات الرّئاسة والقيادة استيقظت مبكّرا فيهم، حاملة معها بذور الفتنة الكبرى، التي بدأت تنتشر في العرب، بمجرد إعلان الخبر الحزين؟ وهل كان اجتماع السّقيفة مؤامرة من قبل الأنصار، للانقلاب على المهاجرين المحتلّين للمدينة، وللالتفاف على الرّسالة، في جانبها الدّنيوي السّياسي؟ هل هي بداية لتصفية حسابات سياسيّة واجتماعيّة مع المهاجرين، الذين شكّلوا طابورا خامسا في التّركيبة السّكانية للمدينة، وهدّدوا بوجودهم، مقام الأنصار القيادي؟ أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون فرصة لإعلاء رمزيّة الأنصار، والاعتراف بمكانتهم وجهادهم ومساهماتهم في نشر الإسلام ونصرة النّبي محمد عليه الصّلاة والسلام؟

قد تبدو هذه الأسئلة، غير البريئة، كلّها مشروعة، في ظلّ إسقاطات نفسيّة تأويليّة لثقافتنا على تلك الحقبة التّاريخية المهمّة، كما أنّها، في غياب العمق التّحليلي، يمكننا تقبلها والمضي قدما في الإجابة عنها، مع الاسترسال في استنتاجات، قد تبدو مسقطة وظنيّة. لكنّنا قد نتغافل عن البعد الدّاخلي للحدث، في تفسير سيرورته، كلما اتخذنا موقفا ذاتيا من المسألة. وعليه، فإنّنا لا نعطي شرعيّة للأسئلة التي افترضناها إلاّ بعد معرفة تنزل الاجتماع/الحدث ضمن سيرورة أنصاريّة داخلية، تضعه مباشرة على الخطّ الصّحيح.

من المفيد التّذكير بالجماعة الأولى من الأنصار الذين آمنوا برسول الله وبما جاء به، في ذي الحجّة من السّنة الحادية عشرة من البعثة، حيث أسلم وفد الخزرج المتكون من ستّة أنفس، قدموا من يثرب إلى موسم الحج. يقول ابن كثير: «ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم نفراً من الأنصار، كلّهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس، وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلموا مبادرة إلى الخير، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا وقد دخلها الإسلام». وقد نزلت في هؤلاء آية الشّورى الأولى، التي أثنت على الأنصار، ومدحتهم:  «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصّلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون»

يقول الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور : «وقد عرف الأنصار بذلك، إذ كان التّشاور في الأمور عادتهم، فإذا نزل بهم مهمّ اجتمعوا وتشاوروا، وكان من تشاورهم الذي أثنى الله عليهم به هو تشاورهم حين ورد إليهم نقباؤهم وأخبروهم بدعوة محمد صلّى الله عليه وسلم بعد أن آمنوا هم به ليلة العقبة، فلمّا أبلغوهم ذلك اجتمعوا في دار أبي أيوب الأنصاري، فأجمع رأيهم على الإيمان به والنّصر له».  ويقول الزّمخشري في الكشّاف : «وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة: إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم…» .

وقد قام العلماء بانزياح للشّورى التي ولدت أنصاريّة في الفترة المكيّة، إمّا إلى تأصيلها في العادات الأنصارية، وبالتّالي نفي صفة الإسلام عنها، كما جاء في الكشّاف عن الزمخشري، أو بدمجها في الشّورى المدنيّة التي أمر بها الرّسول عند نزول سورة آل عمران: «وشاورهم في الأمر». ويكفي الاستشهاد بالقرطبي في تفسيره لآية سورة الشّورى، حيث يقول: «وقد كان النّبي صلّى الله سبحانه يشاور أصحابه في الآراء المتعلّقة بمصالح الحروب؛ وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنّها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والنّدب والمكروه والمباح والحرام. فأمّا الصّحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا، فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسّنة. ..

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق