لنـا رأي

القَوْلُ الصَّرِيح في حَقِيقَة الذَّبِيحِ “إسْماعِيلُ أم إسَحَاق “

القَوْلُ الصَّرِيح في حَقِيقَة الذَّبِيحِ “إسْماعِيلُ أم إسَحَاق “

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدكتور قويدر قيطون – جامعة الوادي –

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ينتشر هذه الأيام مقطع فيديو لأحد مشايخ السعودية والمدعوصالح المغامسي يتداوله رواد التواصل الاجتماعي بكثرة خاصة وهو يتعلق بعيد الأضحى المبارك الذي بدأنا نستنشق الأيامَ المباركة التي يقع فيها ، حيث يدّعِي هذا الرجل جازما أن الذبيح المذكور في القرآن هو إسحاق عليه السلام وليس إسماعيل كما جاء في أغلب التفاسير والآثار .

ودون أن نسأل عن دوافع بعث هذا الحديث في هذا الوقت بالذات وبهذا الأسلوب لأن القضية لم تكن محل جدال كبير بين مفسري الإسلام ومؤرخيهم ، وما يثيرها غير اليهود لحاجات في نفوسهم انتصارا لأديولوجيتهم المتعلقة بالسطو على المقدسات ، والاستعلاء بالذات والطعن في المورثات  ،فإننا سنتناول القضية كما أوردها النص القرآني لنصل إلى حقيقة الذبيح وهل كان إسماعيل أم إسحاق عليهما وعلى أبيهما السلام

وقبل أن أقف عند ماقاله المغامسي ، وما احتجبه ؛ فإنني أسجل هنا كما قلت بأن أمر الذبيح قد خاض فيه الأوائل بدءا من رأس المئة الثالثة الهجرية ،  فمنهم من قال إنّ الذبيح هو إسحاق كالقرطبي الذي ورد في تفسيره قوله : “و اختلف العلماء في المأمور ذبحه فقال أكثرهمالذبیح إسحاق ، و من قال بذلك العباس بن عبد المطلب و ابنه عبد الله،و هو الصحیح عنه، فالثوري و ابن جریجیرفعانه إلى ابن عباس،قال،الذبیح إسحاق و هو الصحیح عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال له “یاابن الأشیاخ الكرام”،فقال عبد االله ذلك یوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبیح الله بن إبراهیمخلیل الله”

ثم يعدد القرطبي الصحابة الذين ذهبوا هذا المذهب فذكر منهم الزبير وعبد الله بن عمر وقولا لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعا ، كما ذكر بعضا من التابعينكعلقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن الجبير ، ولما أتى على ذكر من ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل ، قال: ” وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع ”

كما خاض في هذا الحديث فشايع القرطبي في تفسيره كل من ابن خلدون وابن عبد ربه الأندلسي وغيرهما ، أما من قال بأن الذبيح هو إسماعيل وهو الأرجح عند الجمهورفهم عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس والكلبي وأبو عمرو بن العلاء و رواية عن ابن عباس ، وابن تيمية.

ولن نخوض في تفصيل أقوال هؤلاء وما احتجوا به فليس هذا مراد كلامنا هنا وإنما القصد أن نتناول ماقاله المغامسي وما استدل به في قوله بأن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل انطلاقا من نص الخطاب القرآني لاغير ؛ بمقابلة الآيات ببعضها ، والبحث في السياقات لمعرفة من الذبيح المقصود من الابنين .

فقد ذكر المغامسي[1] في هذا الفيديو الذي هو جزء مقتطع من حصة على قناة MBC أن الذبيح بالنص القرآني هو إسحاق عليه السلام ، وإن كان الرجل قد ناقض نفسه في موضع آخر ، فقد جزم في هذه الحصة أن الذبيح هو إسحاق لكننا نجده في حصة أخرى على قناة اقرأ الفضائية يقول بعدم الجزم وأن المسألة خلافية وعلمها عند الله [2] ، ومن جملة ما استدل به صالح المغامسي لرأيه ما يأتي:

  • أن كل البشارات الواردة في القرآن لم ترد إلا في حق إسحاق وليس منها ما يعني إسماعيل أبدا .
  • وأن إسماعيل انقطعت علاقته بأبيه منذ أن أخذه إلى شبه الجزيرة العربية ولم ينشأ معه ليشهد الحوادث بعد ذلك.
  • وأن البشارة التي نقلتها الملائكة المبعوثة لإهلاك قوم لوط كانت تقصد إسحاق ، الذي نشأ في كنفه وكبر في حضنه على عكس إسماعيل ولذك كان قوله تعالى : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[ الصفات :102] يقصد إسحاق لأنه هو من نشأ في كنف إبراهيم وكان يذهب معه ساعيا غاديا ، وأن إسماعيل كان بعيدا في شبه الجزيرة بواد غير ذي زرع.

كما نجد في الموضع الآخر وأقصد به الفيديو المقتطع من حصة اقرأ يرد الأحاديث التي جاء فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم ” أنا ابن الذبيحين ” بأنه  حديث لا أصل له ، وأن ما ورد في الأثر من أنه صلى الله عليه وسلم تبسم حينما نودي ” يابن الذبحين ” بأنه حديث واهي السند.

ومن دون أن نخوض في آراء المفسرين والمؤرخين سنبحث فقط في السياق القرآني الذي وردت فيه الآيات التي حملت هذا الحديث ومن الآية نفسها التي استدل بها هو على أن الذبيح إسحاق وليس إسماعيل ، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ* رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ* فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ* كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.)[الصفت 99-102].

فقد ذكرت البشارة في الآية (101) بأن إبراهيم سيُوهَب غلاما حليما ، ثم تتابع القص بأن هذا الغلام سيبلغ مع أبيه السعي ويكون ما يكون من حديث الرؤية والذبح ، وإننا لو أكملنا الآيات لوجدنا القرآن يقول بعد هذا في السورة نفسها وفي السياق نفسه وفي الموضع نفسه  🙁 فَلمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّاكَذَٰلِكَنَجْزِيالْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُوَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَوَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ  وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ )[ الصافات :103- 113] نجد ذكرا جديدا للبشارة بقوله في الآية 112″ وبشرناه بإسحاق نبيا ” فكيف يمكن أن تكون البشارتان واحدة كما يدعي المغامسي ، بأنهما خاصتان بإسحاق ولا علاقة لهما بإسماعيل وليس له ما يدفع به غير تفسير لواقع تاريخي بالقول بأن إسماعيل كان بعيدا عن أبيه ، فكيف له أن يبلغ السعي معه ، متجاوزا سياق الخطاب ، والناظر في سياق الخطاب لاشك أنه سيرى بأن المبشَّر به في الآية (101) ليس هو نفسه المبشَّر به  في الآية (112) لأننا لو سلمنا بقول المغامسي   لنسبنا العبث للخطاب القرآني فكيف له ان يبشر بإسحاق بقوله ‘ وبشرناه بغلام حليم ” ثم يذكر له قصة ذبحه ، ثم يعود مرة أخرى ليقول ” وبشرناه بإسحاق نبيا ” ولكان ذلك تكرار واضطرابا ننزه عنه القرآن الكريم ، ثم انظر إليه وهو يقول  في الآيات نفسها ” وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ  وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ” فكيف تستوي البشارة بأن إسحاق ستكون له ذرية منهم المحسن ومنهم الظالم لنفسه مع قضية الذبح، وهو ما يتساوق مع قوله تعالى أيضا في سورة هود : ” وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  ” [ هود:71] ، فقد ارتبطت البشارة بميلاد إسحاق ببشارة أخرى متعلقة بها بأنه سيكون من إسحاق يعقوب أيضا ، فأي منطق يمكن أن يتقبل  هذا التناقض إن سلمنا برأي المغامسي  بأن يكون إسحاق هو المعرض للذبح مع ما سبقها من أمر الرؤيا وغيره ، وهو نفسه مبشّر في لحظة مولده بأنه سيكون له بنين وذرية وذكر منهم يعقوب .

أضف إلى ذلك بأن ماذهب إليه اليهود بأن الذبيح هو البكر  استدلالا بما جاء في التوراة ” اذبح ابنك بكرك ” وقولهم بأن البكر هو إسحاق ، قد يستدل به على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق بمقارنة نصهم هذا بما جاء في القرآن ، فلو سلمنا بقولهم ” اذبح ابنك بكرك ” لكان إسماعيل البكر لاإسحاق ، وإن شئت فانظر إليه في البشرى الأولى وهو يقول ” وبشرناه بغلام حليم ” فالمفهوم بأن المقصود بالخطاب هنا هو إبراهيم وأن هذا المبشَّر به هو البكر  وهو إسماعيل كما بينا ، لكنه حينما ذكر البشارة الثانية قال ” وامراته قائمة  فضحكت فبشرناها بإسحاق ” فقد خصها بالبشارة دونه مع أنهما كانا في مجلس واحد لأن إبراهيم قد كان له ولد من قبل هذا من امرأة أخرى ” هاجر ” وهو إسماعيل وعليه لم يعد انجاب ولد يعد أمرا يستحق التبشير بهذا الموقف الملائكي ، بينما سارة التي لم ترزق بولد بعدُ هي المخاطبة بهذا الحادث الجديد العجيب .

وعليه فبالنظر إلى الخطاب القرآني واستنطاق السياق الذي وردت فيه هذه الآيات يمكننا أن نؤكد جازمين بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وليس إسحاق عليه السلام كما ذهب إليه المغامسي.

وقد بسطنا هذا الأمر دون تفصيل كثير ليناسب مقام المخاطَبين والله نسأل التوفيق والسداد .

[1]– ينظر في هذا الرابط : https://www.youtube.com/watch?v=rFUwD8-B8kM

[2]– ينظر في هذا الرابط : https://www.youtube.com/watch?v=WEnmohLUcVQ

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق