أعمدة

الصهيونية في القرآن 3

———-حتى لا تكون فتنة———-

     الصهيونية في القرآن 3

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

عنوان: “الصهيونية في القرآن” هو لمقال في صفحة تبشيرية، بإمضاء مستعار تحت اسم:زرقاء اليمامة، وكتبت اختصاصها تحت اسمها: “نقد الإسلام والأديان الأخرى”. والمقال عبارة عن آيات مختارة بدقة وعناية من القرآن الكريم، تتحدث عن بني إسرائيل وميراثهم من مصر الفرعونية خاصة ومن الشام عموما… وتحت كل مجموعة آيات، نجد تفسير القرطبي والطبري والبغوي… فقط… هذا هو المقال… آيات وتفسير لها…

يظهر أنه ليس هناك مقال أصلا… لكن تأثير هذا التأليف رهيب جدا… يجعلك تستنتج أن القرآن يؤكد في آياته أن مصر ميراث بني إسرائيل… فإما تؤمن بأن من حق اليهود حكم مصر وامتلاكها… أو تؤمن أن القرآن ارتكب خطأ تاريخيا، وأنه لم تكن مصر ميراثا لليهود… وفي كلتا الحالتين: ينهدّ إيمانك ويختلج قلبك بالشك والريب… وهناك من انسلخ من الإسلام بهذه المقالة، التي ليست أصلا مقالة…

والآية الإشكال التي تثير تساؤلاتنا هي من سورة الشعراء:

” فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ(59)”

والآية الأخيرة هي المقصودة بالعنوان…

وقد اقتنع أغلب المفسرين، أن بني إسرائيل ورثوا فرعون وقومه المصريين… ورثوهم في النعمة التي كانوا فيها… رغم أن أخبار التاريخ تؤكد غير ذلك…

قالابنجزي: لميذكرفيالتواريخمُلكبنيإسرائيللمصر،وإنماالمعروفأنهمملكواالشام،فتأويلهعلىهذا: أورثناهممثلذلكبالشام. هـ. قلت: بلالتحقيقأنهمملكواالتصرففيمصر،ووصلتحكومتهمإليها،ولميرجعواإليها. واللهتعالىأعلم. (ابن عجيبة، في البحر المديد).

واضطرب أقوال المفسرين في تفسير المسألة، نلخصها في النص التالي:

قالقتادة:لميروفىمشهورالتواريخأنهمرجعواإلىمصرولاملكوهاقط،ورُدبأنهلااعتباربالتواريخ،فالكذبفيهاكثير،واللهتعالىأصدققيلا،وقدجاءفىالشعراءالتنصيصبإيراثهابنىإسرائيل،كذافىحواشىسعدىالمفتى.قالالمفسرونعندقولهتعالى:”عسىربكمأنيهلكعدوكمويستخلفكمفىالأرض”أىيجعلكمخلفاءفيأرضمصرأوفىالأرضالمقدسة.وقالوافىقولهتعالى:”وأورثناالقومالذينكانوايستضعفونمشارقالأرضومغاربها”أىأرضالشامومشارقهاومغاربها،جهاتهاالشرقيةوالغربيةملكهابنوإسرائيلبعدالفراعنةوالعمالقة،بعدانقضاءمدةالتيه،وتمكنوافينواحيها،فاضطربكلامهم… (المولى أبو الفداء في روح البيان).

وحلّ الإشكال في كلمة واحدة، لم يتفطن أغلب المفسرين، أنها مفتاح الآية، وهي لفظة: “كذلك”… كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ… فهي كلمة مركبة من كاف التشبيه واسم الإشارة فالميراث كان شبيها بالنعم التي عددها الله لفرعون وقومه… وليست عين النعم… لأن لفظة “كذلك” هنا، على ثلاثة معاني: “{كذلك} إمَّامصدرٌتشبيهيٌّلأخرجنا،أي:مثلَذلكالإخراجالعجيبِأخرجناهُم.أوصفةلمقامكريم،أي:منمقامٍكريمٍكائنٍكذلك.أوخبرٌلمبتدأٍمحذوفٍ،أي:الأمرُكذلك” (تفسير أبو السعود والزخشري والرازي)

وزاد الشيخ الطاهر بن عاشور في تخريج تأويل جيّد، يتوافق مع حقائق التاريخ، فيقول:

“وجملة: وأورثناها بني إسرائيل معترضة أيضا، والواو اعتراضية، وليست عطفا لأجزاء القصة لما ستعلمه… والمعنى: أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم، إذ أهلكهم وأعطى بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز، لأن بني إسرائيل فارقوا أرض مصر حينئذ، وما رجعوا إليها كما يدل عليه قوله في سورة الدخان [28]”كذلك وأورثناها قوما آخرين”. ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد خروجهم منها سائر الدهر فلا محيص من صرف الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان.

فضمير أورثناها هنا عائد للأشياء المعدودة باعتبار أنها أسماء أجناس، أي أورثنا بني إسرائيل جنات وعيونا وكنوزا، فعود الضمير هنا إلى لفظ مستعمل في الجنس وهو قريب من الاستخدام وأقوى منه، أي أعطيناهم أشياء ما كانت لهم من قبل وكانت للكنعانيين فسلط الله عليهم بني إسرائيل فغلبوهم على أرض فلسطين والشام”.

والخلاصة، أن بني إسرائيل (وليس اليهود) خرجوا من مصر ولم يعودوا إليها… وأورثهم الله خيرات ونعم مثل التي كانت لفرعون… لكن حلت عليهم اللعنة أيضا… وشتتهم الله، ووعدهم بالخسران الثاني في سورة الإسراء… فالصهيونية ليست في القرآن بل في عقل زرقاء اليمامة صاحبة المكر…

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق