مجتمع

ظاهرة التشرد في الجزائر إلى أين؟

قد يدفع الحرمان إلى حياة الإجرام

ظاهرة التشرد في الجزائر إلى أين؟

( قصة دنيا الفتاة المسعفة التي هربت من دار الرحمة جبل الوحش نموذجا)

ظاهرة التشرد و بقاء شريحة  واسعة من الشباب في الشارع، قد تتولد فيهم الكراهية والعداوة للمجتمع الذي يرون أنه سبب تشردهم و ضياعهم، فينتقمون منه أبشع انتقام ، لأنهم يعانون من “الحرمان” النفسي ( العاطفي) و الاجتماعي الثقافي و المادي ( الاقتصادي) فيدفعهم هذا الحرمان إلى حياة الإجرام، الذي هو سلوك مرضي راجع إلى فشل أنظمة التكوين و التربية أو عدم انسجامها مع الواقع الاجتماعي، لقد بات من الضروري محاربة هذه الظواهر ، لاسيما الجرائم الجنسية و منها الإخطاف و الاغتصاب، و مواجهة العصابات بكل الوسائل لحل المشاكل التي يواجهها المجتمع، خاصة و أن معظم الدراسات تؤكد أن الجانحين يعانون من حرمان عاطفي بصورة دائمة أو مزمنة….

هي ليست رواية خيالية أو سيناريو لمسرحية أو فيلم سينمائي، بل هي قصة حقيقية لفتاة في العقد العشرين اسمها دنيا، حسب مصادر مطلعة فهي تنتمي لإحدى مراكز الطفولة المسعفة ، رفضت العيش بين جدرانه لأسباب لا يعرفها أحد سواها، كنا قد وقفنا  ذات مساء غير بعيد على وضعية هذه الفتاة بمحاذاة المركز البريدي لولاية قسنطينة، و برفقتها سيدة طلبت منها أن تذهب معها للبيت للعيش معها بدلا من أن تظل متشردة في الشارع، كانت نوعا مَّا مضطربة و لذا لم نتمكن من التحدث معها ، و لم نعد نرها بعد ذلك، و في دورة المجلس الشعبي الولائي انعقدت مؤخرا… كان لمديرة النشاط الاجتماعي بالولاية حديث عن الفتاة، و قبل ان نشير إلى تصريح المسؤولة عن مراكز الطفولة المسعفة ، كانت مصادر مطلعة قد كشفت بعض الأمور،  مع بعض التحفظ حفاظا على الأسرار العائلية  و خصوصيات أفرادها، حسب المصدر تربت الفتاة دنيا و ترعرعت بإحدى مراكز الطفولة المسعفة بالجزائر العاصمة لمدة تقارب 03 سنوات، قبل أن تحول إلى مركز الطفولة المسعفة بولاية عنابة، و لما بلغت سن  الـ: 18 سنة رفضت البقاء وهربت، اختفت و لم تترك أيّ أثر.

يضيف  ذات المصدر أن مجهولين اعتدوا على الفتاة دنيا و أنجبت طفلة هي الآن عمرها عامين، و لما علمت  الجهة المخولة قانونيا بوجود الطفلة قامت بتحويلها إلى مركز الطفولة المسعفة بولاية قسنطينة، أمّا الأمّ ، هي الآن حامل بتوأم و في شهرها الخامس، كما أنها تعاني من داء السكري و تخضع للعلاج عن طريق حقنة الأنسولين، و هو ما أكدته مديرة النشاط الاجتماعيبولاية قسنطينة في دورة المجلس الشعبي الولائي انعقدت مؤخرا عندما طرحت القضية أمام والي قسنطينة بأن الفتاة تم تحويلها إلى ديار الرحمة بجبل الوحش، لكنها تمكنت من الفرار، بالرغم من وضعها الصعب كونها حاملا بتوأم و في شهرها الثاني، و ذكرت أن 16 حالة ترفض الذهاب إلى ديار الرحمة، ففي حالة هذه الضحية ، حان الوقت لدق ناقوس الخطر لما يهدد المجتمع الجزائري من أخطار، أمام انتشار ظاهرة “التشرد” في الجزائر،  فحالة دنيا ليست الوحيدة، بل توجد آلاف الحالات الشبيهة  أو هي في وضع صعب جدا و يحتاج إلى تدخل عاجل.

قضية المتشردين لم تقتصر على النساء فقط بل شملت الشباب أيضا، و كثيرا من الحالات التي نقف عليها يوميا في شوارع مدينة قسنطينة كعينة، شباب يبيتون على الأرصفة، يفترشون الكرتون و تحيط بهم بعض مما يتصدق عليهم من طرف المارة من أكل و لباس و أفرشة، يحلمون بسقف يأويهم و عائلة تحتضنهم، بعدما قست عليهم الطبيعة و الزمن و حتى العائلة التي لم تتقبلهم لسبب من الأسباب، فكان الشارع ملجأهم، جمال هكذا ينادونه يتراوح عمره بين الـ: 35 و 40 سنة، واحد من المشردين بولاية قسنطينة كان يتخذ من الجسر المحاذي لمستشفى محمد بوضياف الخروب مأوى له، و مع مرور الوقت انتقل إلى موقف الحافلات و وضع أفرشته و حوّل الموقف إلى مسكن نصفه مغطى و نصفه الآخر في العراء، حسبما وصلنا من معلومات، يقال عن جمال أنه كان جامعيا، لكن مشاكل عائلية  أوصلته إلى الحالة التي هو عليها الآن، جمال ليس من الذين يتفوهون بكلمات بذيئة أو من الذين يعتدون على المارة، بل هو في كامل قواه العقلية، كما أنه يتمتع بذكاء خارق و فطنة، حاولنا مرة التحدث إليه، كان ذلك في شهر رمضان، فكان جوابه أن نتحدث في الموضوع لاحقا، و فهمت من قوله أنه لا يريد الخوض في الحديث عن وضعه و أموره الشخصية.

لا يمكن في كل حال من الأحوال القول أن حالة جمال و دنيا و مشردين آخرين مستعصٍ علاجها، لأنها تحتاج إلى تشخيص دقيق حول المشاكل التي تعيشها الأسرة الجزائرية، و لماذا يتحول أناس من أشخاص عاديين إلى ما هم عليه، فالتشرد يعد واحدا من “الباتولوجياالاجتماعية” التي وجب تسليط عليها الضوء من كل الجوانب النفسية، الاجتماعية و الاقتصادية أيضا، و الوقوف عند الخلل الذي يؤدي عادة إلى “الانحراف”، و ما ينجم عنه من أضرار سلبية داخل الأسرة و المجتمع، و التأثير عليهما بطريقة أو بأخرى مما يخلق مشاكل نفسية ، و هذه المشاكل مع تراكمها قد تؤدي إلى السير في طريق الإحراف، مثل حالة دنيا ، فهي مجهولة الأبوين  تربت في مركز الطفولة المسعفة، و أنجبت طفلة لا تعرف من هو أبوها،  لا محالة أن هذه الشريحة تعاني من “الحرمان” النفسي ( العاطفي) و الاجتماعي الثقافي و المادي ( الاقتصادي) فيدفعهم هذا الحرمان إلى حياة الإجرام، الذي هو سلوك مرضي راجع إلى فشل أنظمة التكوين و التربية، أو عدم انسجامها مع الواقع الاجتماعي، لقد بات من الضروري محاربة هذه الظواهر ، لاسيما الجرائم الجنسية و منها الإخطاف و الاغتصاب، و مواجهة العصابات بكل الوسائل لحل المشاكل التي يواجهها المجتمع، خاصة و أن معظم الدراسات تؤكد أن الجانحين يعانون من حرمان عاطفي بصورة دائمة أو مزمنة.

علجية عيش

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق