أعمدة

حوار حول الاستواء 5

———-حتى لا تكون فتنة———-
حوار حول الاستواء 5
بقلم: محمد الصالح الضاوي
كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر
dhaoui66@gmail.com
الرحمن على العرش استوى… تاريخ هذه الآية ينقسم إلى جزئين: جزء مع كفار قريش، وفي عهد البعثة النبوية الشريفة، أثاروا إشكالية الرحمن وحقيقته، وقد تكلمنا عليه في المقال السابق… وجزء مع المسلمين، وبعد القرن الأول للهجرة، أثاروا إشكالية الاستواء.
والشيخ الأكبر، رضي الله عنه، مرجعنا في العلوم الباطنية، يربط الاستواء بمفهوم التنزيه، فهو ينطلق من المفهوم الإسلامي المتداول في أدبيات المفسرين، فيقول في الباب الثالث من الفتوحات:
[والاستواء، أيضاً، ينطلق على الاستقرار والقصود والاستيلاء، والاستقرار من صفات الأجسام، فلا يجوز على الله تعالى إلا إذا كان على وجه الثبوت والقصد، وهو الإرادة، وهي من صفات الكمال، قال: “ثم استوى إلى السماء” أي قصد، و”استوى على العرش” أي استولى:
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق]اهـ.
إلا أن الشيخ، يتجاوز هذا الطرح +-الكلاسيكي للمفسرين، لينحت نظرية خاصة في التنزيه، تعتمد على مستويين عرفانيين:
المستوى الأول: التنزيه الناقص بتشبيه: وفيه يقول في نفس الباب:
[والأخبار والآيات كثيرة، منها صحيح وسقيم، وما منها خبر إلا وله وجه من وجوه التنزيه، وإن أردت أن يقرب ذلك عليك، فاعمد إلى اللفظة التي توهم التشبيه، وخذ فائدتها وروحها، أو ما يكون عنها، فاجعله في حق الحق، تفز بدرجة التنزيه حين حاز غيرك درك التشبيه، فهكذا فافعل، وطهر ثوبك…]اهـ.
المستوى الثاني: التنزيه التام بغير تشبيه: وفيه يقول في باب الحج وأسراره:
[وهو علم التنزيه المشروع والمعقول، فإن التنزيه له درجات في العقل، ما دونه: تنزيه بتشبيه، وأعلاه عند العقل: تنزيه بغير تشبيه، ولا سبيل لمخلوق إليه، إلا بردّ العلم فيه إلى الله تعالى. والتنزيه بغير التشبيه وردت به الشريعة أيضاً، وما وجد في العقل، فغاية النظر العقلي في تنزيه الحق مثلاً عن الاستواء، أنه انتقل عن شرح الاستواء الجسماني عن العرش المكاني، بالتنزيه عنه، إلى التشبيه بالاستواء السلطاني الحادث، وهو الاستيلاء على المكان الإحاطي الأعظم، أو على الملك، فما زال في تنزيهه من التشبيه، فانتقل من التشبيه بمحدث مّا، إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في الرتبة، فما بلغ العقل في التنزيه مبلغ الشرع فيه، في قوله “ليس كمثله شيء”. ألا تراهم استشهدوا في التنزيه العقلي في الاستواء، بقول الشاعر:
قد استوى بشر على العـراق من غير سيف ودم مهـــراق
وأين استواء بشر على العراق، من استواء الحق على العرش؟ لقد خسر المبطلون. أين هذا الروح، من قوله: “ليس كمثله شيء”؟ فاستواء بشر من جملة الأشياء.
لقد صدق أبو سعيد الخرّاز، وأمثاله، حيث قالوا: لا يعرف الله إلا الله.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيهـــــــا]اهـ.
وقد يبدو غريبا، أن الفهم الوهابي التيمي يتوافق مع التفسير الأكبري ظاهرا… في ردّ العلم بالاستواء وحقيقته إلى الله تعالى… ولكن ثمة بعض الاختلافات:
أولا: لا ينفي الشيخ الأكبر مستويات التنزيه في التفاسير المعروضة في التراث، ويقرّها على اختلاف درجاتها، مع نسبيّتها وعدم كمالها.
ثانيا: يضع لك الشيخ الأكبر مقياسا للتنزيه مع وجود ألفاظ التشبيه، لإرضاء عقلك.
ثالثا: لا يفسر الشيخ الاستواء بالعلو والارتفاع المكاني، فهذا تجسيم يرفضه الشيخ الأكبر، لأن المكان مخلوق لله، والله متعالي بالمكانة: ” فمن تكبر في الأرض بالحق فالحق له العلوّ بالذات والسموّ “.
رابعا: يأخذ الشيخ الأكبر بقلبك إلى الكمال، بعد اجتياز كل مستويات التنزيه العقلي، وبعد عجزك عن بلوغ الكمال، فيبدد حيرتك بالارتماء في بحر الحضرة الربانية، بردّ العلم بحقيقة الاستواء إلى الله… وهو ما يثمر مشاهدة قلبية تتعدى اللسان…
ومع هذا المفهوم الأكبري للاستواء، نسجل استيعاب الشيخ لكل الحقائق والنسب التي جاءت في القرآن، في رؤية كاملة، لا تظهر أي تناقض بين النزول والمعية والاستواء والقرب. يقول الشيخ في الباب 48 :
[لم يقيده الاستواء على العرش عن النزول إلى السماء الدنيا، ولم يقيده النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش، كما لم يقيده سبحانه الاستواء والنزول عن أن يكون معنا أينما كنا، كما قال تعالى: “وهو معكم أينما كنتم” بالمعنى الذي يليق به، وعلى الوجه الذي أراده، كما قال أيضا: “ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي” كما قال عنه هود عليه السلام: “ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها”، وقال تعالى أيضا في حق الميت: “ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون” فنسب القرب إليه من الميت، وقال أيضا عز وجلّ: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”، يعني الإنسان، مع قوله: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”.]اهـ.
هذا هو المفهوم العرفاني للاستواء، في تناغم مع اللغة والعقل والشرع، وفي درجات ومستويات تعطي الحقائق ولا تصادر الفهوم، وفي كمال، يردّ كلّ الأسرار إلى الله تعالى، حتى يجلّي لنا ويكشف لنا، أنواره ومشاهد أسراره…
وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق