أعمدة

واهتزّ العرش… (3)

———-حتى لا تكون فتنة———-
واهتزّ العرش… (3)
بقلم: محمد الصالح الضاوي
كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر
dhaoui66@gmail.com
يمارس الجهلانيون، الذين يسمون أنفسهم: القرآنيون، التحيل والمراوغة، كلما قدّموا لك نصا من البخاري للطعن فيه…، وهذا ديدنهم وطريقتهم في إظهار كمية الكره والحقد على السلف… فهم لا يحيلونك على التفاسير التي سبق العلماء في تبيانها… حتى لا تجد الأجوبة المناسبة لأسئلتك المشروعة… وفي مثالنا المتعلق باهتزاز العرش لسعد عند موته، نتساءل، كما تساءل غيرنا، عن المعنى المقصود، دون الاضطرار إلى الطعن في الرواية لأنها لا تلق القبول من عقولنا البسيطة…
يمكن تلخيص التفاسير المقترحة لموضوعنا في قسمين رئيسيين: قسم معارض ومؤول، وقسم مساند ومؤول.
القسم الأول: وهو المعارض للفهم العام المتبادر للذهن من الرواية.. ويفسر العرش بالسرير… أي سرير سعد الذي حُمل عليه في الجنازة.
“وقد ذهب إلى هذا القول البراء بن عازب، كما جاء في رواية البخاري عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر الحديث … فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير، فدل هذا على أن البراء أنكر أن يكون المراد بالعرش عرش الرحمن، وقد أنكر ابن عمر ما أنكره البراء فقال: “إن العرش لا يهتز لأحد”، ووقع ذلك من حديثه عند الحاكم بلفظ: “اهتز العرش فرحا به” لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب، فقال: “اهتز العرش فرحا بلقاء الله سعدا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر: “يعني عرش سعد الذي حمل عليه”، ولكن ابن عمر رجع عن ذلك، وجزم بأنه اهتزاز عرش الرحمن، أخرج ذلك ابن حبان من طريق مجاهد عنه”.
وقد أجاب ابن حجر عن رواية الحاكم بأنها من رواية عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر، وفي حديث عطاء. مقال، لأنه اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته- أيضا- ما صححه الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إن الملائكة كانت تحمله”.
وقال الحاكم: الأحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في “الصحيحين” وليس لمعارضها في الصحيح ذكر. اهـ.
فعلى هذا لا حجة لأصحاب هذا القول من الحديث، فقد ثبت أن المراد بالعرش في الحديث هو عرش الرحمن، وكذلك فإنه على هذا التأويل لا يكون لسعد في هذا القول فضيلة، كما أنه لا يكون في الكلام فائدة، لأن كل سرير من سرر الموتى لا بد أن يتحرك لتجاذب الناس إياه، فعلى هذا فالقول غير صحيح ولا حجة له. (العرش وما رُوِي فيه: بن أبي شيبة العبسي (المتوفى: 297هـ) ص 418).
“ووقع لمالك نحو ما وقع لابن عمر أولا، فذكر صاحب العتبية فيها أن مالكا سئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدعو المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور. قال أبو الوليد بن رشد في شرح العتبية: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتنزه عن مشابهة خلقه، انتهى ملخصا.
والذي يظهر، أن مالكا ما نهى عنه لهذا. إذ لو خشي من هذا، لما أسند في الموطأ حديث: ينزل الله إلى سماء الدنيا… لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش… ويحتمل الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكف عن التحدث به”. (فتح الباري لابن الحجر 7/124)
ويظهر، من خلال هذه النقولات، أن البراء بن عازب أنكر أن يكون العرش المقصود هو عرش الله تعالى، وتأوله على أنه سرير سعد، المحمول عليه… وتابعه ابن عمر في ذلك، لكنه تراجع عن تأويله في آخر حياته، كما جاء في صحيح ابن حبان… ويرى جابر بن عبد الله، أن تأويل البراء راجع إلى ضغائن بينه وبين سعد بسبب الانتماء القبلي، فسعد أوسي والبراء خزرجي، واستمرت ضغائن الجاهلية في الإسلام، متسربة في مثل هذه المواقف… ولكن هذه الرؤية جانبت الحقيقة، لأن البراء أوسيّ أيضا… فيكون تأويله العرش هو السرير، موقف معرفي وليس جهوي قبلي…
لكن يظهر أن مالكا، لم يقبل رواية الحديث، أو أنه يرى أنه يثير إشكالية الغرور، كما قال، فنصح بعدم روايته، وأعرض هو أيضا عن ايراده في الموطأ… وهو الوحيد، من السلف الذي دفع الحديث دون الطعن فيه…
وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق