ثقافة و أدب

ضباط متقاعدون يدخلون عالم الكتابة و التأليف

سيعرض كتابه بالمكتبة العمومية للمطالعة  مصطفى نطور قسنطينة

ضباط متقاعدون يدخلون عالم الكتابة و التأليف

(….فضيل عبد الناصر دردور نموذجا)

 

اعتاد الضباط المتقاعدون أن يصدروا مذكراتهم يتناولون فيها سيرتهم المهنية، و يتركون فيها بصمات ترسم مغامراتهم و الأحداث التي وقعت لهم أو التي واجهوها، كلٌّ و اختصاصه، إلا أن الأستاذ فضيل عبد الناصر دردور و هو ضابط متقاعد  فضّل دخول عالم الكتابة و التأليف، و كتاب   portée cadencée يُعَدُّ أوّل إصدار له  باللغة الفرنسية، و هو من ضمن مجموعة كتب قيد الطبع، و سيتحدث عنه بشيء من التفصيل مساء الخميس 22 نوفمبر 2018  في لقاء أدبي مع بيع بالتوقيع بالمكتبة العمومية للمطالعة مصطفى نطور بولاية قسنطينة

التقينا به صدفة عشية المولد النبوي بالمكتبة العمومية للمطالعة قسنطينة، فكان لنا الفضول في إجراء معه دردشة قصيرة حول مضمون كتابه و أشياء أخرى لها علاقة بالكتابة و المقروئية و العالم المعرفي ككل، و الأستاذ فضيل عبد الناصر دردور  من مواليد  مدينة قسنطينة ، من أصول أوراسية، و من أسرة ثورية، ترعرع  وسط عائلة بسيطة لكنها ذات علم و معرفة، تخرج منها شيوخ و علماء،  منهم  العلامة الشيخ عمر دردور، و عبد الباسط من جامعة باتنة، و كاتب تاريخ بونة الشيخ أحسن دردور، و كان الأستاذ فضيل عبد الناصر دردور ضابطا بإحدى مؤسسات القضاء قضى فيها 35 سنة ، و كانت آخر مسؤولياته ضابطا و مسيرا لمصلحة المحجوزات قبل أن يحال على التقاعد،  ليجد نفسه أسيرا بين الكتب و الأوراق و القلم، يكتب  دون ملل أو كلل ، في وقت تتالت عليه الأحداث من فرح و قرح، عجز عن المزج بينهما، ففي وقت كان ينتظر طبع كتابه بشغف  حتى صدر له أول كتاب،  فوجئ بفقدان أحسن رفيق له ، وهي أمّه التي توفيت مؤخرا.

و رغم ملامح الحزن التي كانت بادية على وجهه، فقد حدثنا عن مضمون كتابه الذي يعد أول إصدار له و هو الموسوم بعنوان: portée cadencée، يقول عبد الناصر دردور، أن فكرة إصدار هذا الكتاب جاءت من منطلق أنه ضد فرض الرؤى، و من هذا المبدأ  أخذ العين أو النظرة la vision ليشرح وظائفها المختلفة، و قد تطرق  إلى  وظائف أخرى تختلف في مضمونها عن حاسة النظر، حيث قسم الكتاب إلى خمسة محاور،  استخلص منها الصيغة التي يمكن أخذها عن هذه الحاسة ، للخروج بقاعدة أو نظرة  حسابية   تختلف  عن النظرة الحسية، ثم المزج بين النظرتين لتوضيح أبعاد الرؤية التي تختلف من شخص لآخر و فق معطيات مختلفة، و قد صنّف صاحب الكتاب الرؤى إلى أربعة أصناف، و ذكر كل صنف على حدا، حيث تحدث عن الرؤية الواضحة،  الرؤية للعامة و التي اشترك فيها كل الناس، الرؤية المفروضة، و الرؤية المستقبلية، و في المحور الخامس يتحدث الكتاب عما يسمى بـ: le paradox  تحدث فيه عن التناقض، صوّر فيه القاسم المشترك بين الناس، الاختلاف بينهم – كما يرى هو- يكمن في تربية الشخص الذي يختلف بدوره عن الشخص الآخر في رؤيته العلمية و الفكرية، في محيطه الذي يختلف من مكان إلى آخر، و ختم كتابه بأنه ليست العين التي تعمى و لكن يعمى القلب الذي في الصدر.

اُكتب بكل لغات العالم لكي يصل صوتك و تصل رسالتك…

كان أول سؤال أثار اهتمامنا هو لماذا الكتابة باللغة الفرنسية؟  فكان رده و بلغة الواثق من نفسه أن المسلم وجب عليه أن يكتب بأية لغة ، حتى لو كانت لغة الكفر، موضحا بالقول: إن لم أكتب أنا كمسلم بلغة الكفر فمن يبلغ عنّي ديني و فكري؟، و يضيف أنه من واجبنا كمسلمين أن نوصل فكرتنا إلى القارئ الأجنبي، نحثه فيها على محاسبة النفس، لعل و عسى نكون سببا في هدايتهم، و حول انطباعه عن الصالون الدولي للكتاب ( سيلا) الذي اختتم مؤخرا و المشاركين فيه ، لاسيما الوفد الصيني الذي عرض كتبا باللغة الأمّ ( الصينية)، و كم أثارت دهشتنا و نحن نقف على جملة من الحقائق، لم يتناولها أحد من زوار المعرض، و لا حتى المسؤولين المنظمين و الساهرين على نجاح هذه التظاهرة الثقافية، فقد كانت للأستاذ فضيل عبد الناصر دردور  مشاركة في الصالون مع مؤسسة “إيناد” تحت رعاية وزارة الثقافة، أين خصصت له في  حصة بيع بالتوقيع بالإهداء لكتابه السالف الذكر، و كما قال هو، احتكاكه بالنخبة الوطنية من أدباء و كتاب و ناشرين رفع من معنوياته، كما كان له لقاء مع وزراء سابقين على غرار الوزير السابق المؤرخ بوجمعة هيشور، و كان له الشرف أن يلتقي بالكاتب و الروائي الصيني غوان موييه المعروف باسمه الأدبي مو يان، الحاصل على جائزة نوبل للأدب في سنة 2012.

يقول عبد الناصر دردور أن لقاء شخصية أدبية مثل مو يان يزيدك  خبرة و تألقا إن صح التعبير في مجال الكتاب و الكتابة معا،  يحتم علينا أن نرفع شعار: اُكتب بكل لغات العالم لكي يصل صوتك، و  تصل رسالتك”،  و بخصوص إمكانية القارئ الجزائري، من فهم أبجديات اللغة الصينية، أوضح محدثنا أن الشباب الجزائري أصبحت له  قدرات معرفية من حيث إقباله على تعلم  اللغات الأجنبية، و من بينها اللغة الصينية، مكنته من التعرف على الآخر و التقرب  منه، خاصة و أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قربت المسافات بين الأجيال، بحيث بدأ صيت اللغة الصينية يكبر و ينتشر في الجزائر ، و أصبح شبابنا يتقنون لغتهم قراءة و كتابة، و الدليل ما دار من نقاش حول إصدارات الصين في مختلف الميادين ، دون أن ينسى ما أبدعته أقلام الجزائريين، و هنا  يستذكر الأستاذ دردور  كتاب “القلم يبكي” لأصغر أديبة جزائرية، و التي كان له معها حوار مطول،  تعلم منها آداب الحديث كما قال هو،  رغم إعاقتها فهذه الفتاة أعطت درسا في التحدي و الثبات و المقاومة.

ماذا عن الكتابة و جمالياتها؟

هو السؤال الذي طرحناه على الأستاذ دردور، و قد أخذنا الأستاذ دردور في جولة افتراضية حول عالم الكتابة،  و فتح نوافذ،  نطلّ من خلالها على نور الإبداع، حيث  اعتبرها هوسًا و إيلاءً و لا تكتسب إلا بالممارسة، و قد استرجع صاحب الكتاب كيف بدأ يراقص القلم و عمره لا يتعدى 12 سنة، معبرا عن وجهة نظره، إذ يقول: لا يمكن للكتابة أن تأتي بالاكتساب، هي إلهامٌ، نارٌ تشتعلُ، توقظك   وسط الليل و الناس نيام، قد تكتب سطرًا، ربع صفحة أو صفحتين ثم تنام، و يضيف: لو كانت  الكتابة مكتسبة، لكان جل الناس يكتبون، و لذا سماها بالهوس، و الهوس عنده ليس له زمن معين و لا مكان،  كما أنه لا توجد كتابة ناجحة و كتابة غير ناجحة ، ما لاحظناه أن الأستاذ دردور سرقته الكلمات و أخذته إلى عوالم أخرى لا يعرفها إلا من يعشق الكتابة ، و كأنه وقع أسير أفكاره، أيمكن للأفكار أن تسيطر علينا؟ كانت مجرد تساؤلات طرحتها على نفسي في صمت، ثم ما لبثت أن  شاركت بها محدثي، و تراءت في مخيلتي صورة فيلسوفنا مالك بن نبي، و هو يتحدث عن الأفكار الميتة و كيف يمكن محاربتها، و في هذا يرى الأستاذ عبد الناصر دردور أن الأفكار الميتة نحاربها بالعلم، بالتآخي، بالمصالحة الفكرية، و هذا يدفعنا إلى الابتعاد عن الهجاء و النقد السلبي للآخر،  و نبذ التعصُّب الفكري، و ضرب أفكار الآخرين،  والاقتداء بابن باديس الذي حارب الفكر المتشدد، هذا ما قاله صاحب ( بورتي كادونسي) معبرا عن أسفه و هو يقف كغيره من الكتاب و المثقفين على انهيار الأمة العربية،  لكنه و من باب الاعتراف قال: “نحن نتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية ، لأننا لا نقرأ و تعلمنا فرض الرؤى و التهجم على الآخر”، و عن المقروئية في الجزائر، قال عبد الناصر دردور أن شباب اليوم أكثر إقبالا على الكتاب الديني، أما الكتاب الأدبي و الفكري هُجِّرَ، و مما يزيد في طامتنا  أن عدد الإصدارات تتضاءل من سنة لأخرى حتى أصبحنا لا نجد ناشرا إلاّ في أوقات محددة، كما أن ملتقيات الفكر و الكتاب ضئيلة جدا، و في هذا يؤكد عبد الناصر دردور أن الوقائع و المصائر اليوم متداخلة و متشابكة ، و هي تقتضي شبكة من المفاهيم و المقاربات تتيح للخصوصية أو للذات ترك الهامشية و الانخراط في صناعة الواقع و الحاضر و المستقبل، مع الحفاظ على التاريخ و الذاكرة و الرمز و المخيال ، و إعادة النظر و التفكير فيها بشكل فعال و مثمر.

 علجية عيش

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق