أعمدة

في ثقافة التسلط

———-حتى لا تكون فتنة———-

في ثقافة التسلط

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

 

يجوز الادعاء، أن الفكر العربي، بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، ارتبط أشدّ الارتباط بالسلطة والسياسة… ويكفي استقراء اليوميات العربية من الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا، لتبيّن هذه العلاقة غير الطبيعية بين الفكر أو الثقافة عموما وبين السلطان.

لم يكن عندنا في العموم، فكرا حرّا متوجها للإنسان والعالم… كان جوهر التفكير العربي نسخة تسلطية على العالم والإنسان… عبر الفقه والعلوم الإسلامية… وعبر الجدل والكلام والمنطق أيضا… وعبر الترجمات ومختلف النقولات… كلّ الثقافة العربية كانت متوجّهة على نقطة التسلّط ومحور السياسة… وهذا ما كان يفسّر، في إحدى التفسيرات، تلك العلاقة المتشنجة بين صاحب القلم وبين صاحب السيف… وخشية السلطان من كل مفكّر وداعية وعالم وفقيه…

فأغلب المذاهب والدعوات السياسية المعارضة للسلطة القائمة عبر التاريخ العربي، كانت تتأسس على مجموعة مبادئ ورؤية فكرية للعالم والتاريخ والمجتمع والدين… فيلتف حولها الناس، لتصبح ايديولوجيا تحرك الجماهير للانقضاض على السلطة…

أما الفقهاء وقبلهم القراء، الذين من المفروض، اكتفائهم بتدريس القرآن فقط، فقط انخرطوا في عشرات الثورات ضدّ سلطة الحجاج، حيث كان لهم تأويلهم للدين والسياسة…

حتى الصوفية، رغم أنهم في الظاهر بعيدين عن الملك ودينه، إلا أنهم وقعوا ضحية الكيد والحسد من قبل السلاطين… وبعضهم حمل السيف لإنشاء دولة صالحة مثل الشابية في القيروان.

ولم يسلم علماء الطبيعيات، من مكايد السياسة والسلطان، عبر مختلف تاريخ أمتنا العربية…

صحيح أن نوع التسلط العربي والمتعرب عندنا، لا يقبل المشاركة ولا التداول ولا النصيحة ولا الإصلاح ولا الجدل ولا التقويم ولا الأخلاق ولا المراجعة… إنه تسلط متوحش متطرف شامل فاحش… يقاوم ويعادي كلّ شيء… بل يعادي نفسه أيضا… ويأكل أبناءه.

لكن فكرنا يتحمل جزء من المسؤولية… فكرنا الذي تغذى بالروح التسلطية، وغلفها بالدين، لينتج سلطة دينية مقدسة، عمل لقرون على تعزيزها والدفاع عنها… حتى الفقه، بني على سلطة الذكر وسلطة العرب وسلطة القرشي…

لطالما كانت العلاقة بين التفكير والتسلط علاقة عدائية واحتوائية وتدجينية… لم يكن التفكير يوما ما بريئا، كان تفكيرا مبطنا بهوى السلطة والاحتكار السياسي… كانت غرائز التسلط محركة للعقل… وكان التفكير مشوبا بشهوة السلطة…

هذه وراثتنا… وهذا تراثنا… تضخم للسياسي على حساب الفكري الخالص…  بوصلة التفكير تتجه دوما للسلطة ومركزها… ويضيع الإنسان في العملية الثقافية والفكرية…

الإنسان يشقى بالتفكير وبلا تفكير… يشقى بالسلطة والتفكير…

من حق صاحب السلطة أن ينظر بعين الريبة لكلّ منتوج فكري يشتمّ منه رائحة التسلط والسياسة… إنه ردّ فعل طبيعي… دفاع عن الذات… وهو ما نلاحظه في كل الأنظمة العربية ومعاملتها لأهل الفكر والثقافة…

المشكل الخطير أننا نعيد نفس الخطأ بنفس الشروط، وننتظر نتائج مختلفة… زيادة على أن هذا يسمى: حمقا، فهو مرض أيضا… مرض تضخم الذات… مرض تسلّط الذات… مرض الأنا…

ليس صعبا إدراك أننا في مرحلة نحتاج فيها إلى الاهتمام بالإنسان في أبعاده الأخرى… غير السياسية… ونؤسس لفكر إنساني مرتبط بجوهره ويسعى إلى خدمته… بعيدا عن التوظيف السياسي والايديولوجي… فكر، يساهم في حلول لمشاكلنا، ويحقق سعادتنا…

كيف نحرر الفكر العربي من عقدة السلطة؟ وكيف نحرره من شهوة السلطة؟ كيف نقنع المواطن بأن السعادة، كلّ السعادة، في المعرفة، وليس في السلطة؟ كيف نتعلم التفكير خارج مجال السلطة؟ كيف نفكّر لصالح الإنسان عموما؟ كيف نبتهج بالتفكير ونساهم في تطوير ذواتنا وبلداننا، دون الوقوع في عقدة السلطة؟

أسئلة كثيرة نطرحها لتحرير الفكر العربي من قيود التسلط… محاولة لتفكيك الفكر الملغم بالاستبداد… ذلك الفكر الذي حكمنا لقرون دون أن يستطيع أن يجنبنا استعمارا وتخلفا وهوانا… والغريب أن عقولنا تنتج نفس السياق الفكري بنفس المواصفات…

فكرنا، في وادي، ومشاكلنا في وادي آخر… انصبت جهودنا الفكرية في إنتاج مساقات استبدادية وتسلطية… خلق تصورات للهيمنة على من حولنا… إخضاع المجال المحيط بنا لإراداتنا ورغباتنا… متناسين حقيقة أوضاعنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية… حتى أصبحنا نستورد حلولا جاهزة للتنمية، أثبتت التجربة أنها لا تحلّ مشاكلنا، بل تزيدها تعقيدا… وهو الوضع الذي نحن فيه اليوم…

من الغريب أن يفكر الآخر في مشاكلنا… أو هكذا نعتقد بكلّ بلاهة وحمق… ونحن مهتمون بالهيمنة والإخضاع والتسلط… حالة غريبة نعيشها في وسائل إعلامنا ومنابر ثقافتنا ومجالس فكرنا… عشقنا للسياسة وهوسنا بها حجب عقولنا عن أمهات قضايا شعوبنا… مات فينا الإنسان…

للعلم، وحدهم أهل التصوف، طوروا لنا تراثا إنسانيا كونيا، عبر سلوك العرفان والذكر والزهد والعبادة… تواصلا مع تجربة النبوة الأولى، ومددا من كتاب الحقائق… يمكننا الاستعانة به، لولوج عالم الفكر الحر الإنساني، ولحلّ مشاكلنا المختلفة بطرق صحيحة…

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق