أعمدة

أصنام الحرية

أصنام الحرية

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

 

يبدو أن النضال ضد الاستبداد والظلم لاستعادة الحرية والكرامة، ليس إلا بداية لمشوار طويل، يتطلب نفسا عميقا وصبرا لا ينفد، لتكريس مفاهيم تتعلق بحقيقة الحرية. فالحرية، في تجلياتها المتعددة، وفي مجالاتها العديدة، ما هي إلا ساحة حرب، ومجال صراع، لمفاهيم متناقضة، بعضها يحنّ إلى عهد الاستبداد والظلم.

أليس غريبا، أن نجد في أكبر الأنظمة الغربية ديمقراطية، وأشدها تشبثا بالحرية، مظاهر وتعبيرات عن معاني تتناقض كليا مع هذه القيمة النبيلة؟. فالتنظيمات النازية والفاشية والمتطرفة تمارس نشاطها في ظل الحرية… وكذلك طوائف مغلقة ومنظمات سرية، ومجموعات مختلفة، تتعارض أفكارها مع الحرية، ولكنها تستفيد منها ومن نورها…

فالحرية، كقيمة لطيفة وروحية، تتدرج من اللطافة إلى الكثافة، حين يتم تطبيق معانيها في مختلف المظاهر الاجتماعية… وكلما اقتربنا من الأرض، كلما كانت الحرية أقرب إلى العبودية… حتى عدّ أهل التصوف والعرفان: الحرية هي قمة العبودية… حرية عن السوى، وعبودية لله…

لكن بعيدا عن المفهوم العرفاني للحرية، نجد اتجاها لدى الكثير من الشعوب، إلى خلق رموز مقدّسة للحرية، أصنام للحرية، تتعارض في جوهرها مع الحرية… محاولات عديدة لتحنيط الحرية، واختصارها في رموز وشخصيات وحتى إيديولوجيا… فيقع رسم مسار للحرية لا يجوز الخروج عنه، وهو ما يتعارض أصلا مع مفهوم الحرية…

هذا الحديث ضروريّ، في سياق محاولات البعض التشهير بكل قراءة نقدية لأولاد أحمد أو لشكري بلعيد ولبورقيبة وبن يوسف وفرحات حشاد…وللقذافي وعبد الناصر وصدام حسين والأسد… أو لشخصيات معرفية كمحمد أركون وهشام جعيط والجابري والعروي والشرفي والطالبي والصديق وغيرهم… وكأنهم أنصاف آلهة لا يجوز التعرض إليهم بنقد… حتى عُدّ الخروج عن نهج المدح لهؤلاء، كفرا بالحرية والديمقراطية والقيم الإنسانية…

في نفس السياق أيضا: ليس من باب الحرية لبس النقاب والحجاب والقميص، وإعفاء اللحية  وحف الشوارب، وإقامة مناسك الحج والعمرة، وذبح الهدي والأضحية، وصوم رمضان، وليس من الحرية التعبير عن مشاعر التديّن في الفضاء العام، ولكن من صميم الحرية، عند البعض طبعا، استفزاز المتديّنين، والمسّ من الذات الإلهية، واستنقاص شخصية الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، والتعرّض إلى آيات القرآن الكريم بالرأي والاجتهاد العقلي المطلق، غير الخاضع إلا للأهواء، والتشجيع على القراءات والتفاسير الشاذة، واتهام الدين بأنه سبب التأخر والخراب.

من الضروري، التنبيه، على أن مبدأ الحرية، ومفهومه العام، لا يمكن أن ينجح تطبيقه في الواقع، إذا لم يصاحبه شرط البيئة والثقافة المساعدة على العيش المشترك، وكيفية إدارة الخلافات والحوارات، والتواصل بين المختلفين. فالحرية تتعارض مع مبدأ الإقصاء والتكفير، وإعلاء الذات على حساب الذوات الأخرى… والحرية لا تتعايش مع أفكار الانغلاق والتقديس الأعمى للرموز السياسية والنضالية، التي ورثناها من عهود الاستبداد والانحطاط والتعسف…

كذلك، يذهب في وعي الكثير من أهل بلدنا، أن الحرية هي مشاعية السبّ والنبز والاستهتار بالقيم وبالآخر، وأن الحرّية ليست في النهاية إلا حرية المشاعر والأحاسيس والعقد النفسية… فباسم الحرية، يُداس على المبدأ والقانون والوعي والخلق الحسن… وباسم الحرية، يقع التنفيس على فوضى الأمراض النفسية المستعصية المتلبّسة بنفوسنا…

ليست الحرّية في النهاية إلا قيمة إنسانية، تعزز إنسانية الإنسان، وترفع قدره بين بقية الكائنات المجاورة… وأنها بحاجة إلى تربية وثقافة لضمان انتشارها والانتفاع بثمرتها… وأن التعامل بعقلية الزبونية والاستغلال مع الحرية، منافي للمبدأ، ولا يعدو أن يكون تعاملا عبوديّا مع الحرية…

فداخل فضاء الحرية مساحة شاسعة تتصارع فيها تجاذبات متعدّدة، منها ما هو قريب من مركز الحقيقة للحرية، ومنها ما هو على هامش أطراف الدائرة… بل يمكننا الجزم، أنه داخل بيئة الحرية، نشهد مظاهر الاستبداد والظلم والانغلاق والتطرف والإقصاء والكليانية… جنبا إلى جنب مع مظاهر ايجابية غير بارزة للعيان…ولعل هذا ما يبرر التخوفات من انزلاق إلى المربع الأول، والرجوع إلى النظام السابق، في ظل تنامي مظاهر اللاحرية في بيئة الحرية.

يمكننا التفكير في آليات أو أدوات تساعد على تطبيق مفاهيم الحرية بشكل ايجابي، وتدفع إلى تنمية المناخات التي تشجع على الاحترام المتبادل بين كافة المشتركين في الوطن، وتمنع صناعة أصنام جديدة: سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، مع الحفاظ على هوية المجتمع، وعدم التورط في دعوات تفتيته وتغييره والوصاية عليه… مع مراقبة كل أشكال اللاحرية…

وللحديث بقية…

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق