تحقيقات

قصة التونسيين الخمسة الذين استشهدوا في معركة كاف لبعالة بواد العثمانية

بعد الوشاية بهم من طرف حركي

قصة التونسيين الخمسة الذين استشهدوا في معركة كاف لبعالة بواد العثمانية

  • فرنسا قتلت 32  من المواطنين و المجاهدين انتقاما لمقتل عسكري و حركيين بدوار أولاد صالح،

 

لا شك أن القليل من يعرف قصة المجاهدين التوانسة الخمسة، الذين كانوا قد انضموا إلى الثورة الجزائرية ومعهم جزائري بكاف لبعالة بلدية واد العثمانية ولاية ميلة، و كيف قتلوا على يد الجيش الفرنسي  بعد وشاية من حركي، و تركت هذه الجريمة التي ارتكبها الجيش الفرنسي أثرا كبيرا في قلوب السكان الذين شهدوا مقتل هؤلاء المجاهدين، و قد ألّف أحد الشعراء الشعبيين عنهم قصيدة تتألف من 16 بيتا نشرتها وزارة المجاهدين في كتاب  بعنوان: الشعر الثوري الملحون في ولاية ميلة 54 – 62 ، و لعل هذه القصيدة تظل شاهدا حيًّا على جرائم  الحركى الخونة، الذين كانوا ينقلون أسرار الثورة و الثوار للعدو، ما وقفنا عليه أن هناك تكتما كبيرا عن هذه القضية لأسباب لا يعلم بها إلا أهل المنطقة.

 

والجميع من سكان مشتة كاف لبعالة و حتى قرية بومالك التي تبعد عنها سوى بـ: 02 كلم، و أولاد صالح يذكرون هذه الأحداث. نقلوها على لسان من عايشوا الثورة و منهم من وقف عليها. و رسخت هذه الأحداث في ذهنه، و كلما يسترجعونها إلا و يتذكرون ما فعله الحركى في حق أبناء جلدتهم،  الأحداث كما يعرفها  سكان الدشرة ومنهم  السيد بوساحة أحمد، و هو إمام مدرس متقاعد، الذي التقينا به و فتح لنا صدره أن 06 مجاهدين ، خمسة تونسيين و السادس جزائري ،قدموا  في سنة 1956 من الحدود الشرقية التونسية إلى الجزائر، و بالضبط إلى كاف لبعالة ببلدية واد العثمانية ولاية ميلة، للالتقاء بمسؤولها و مدارسة أمور تنظيمية، وكانوا حسب الروايات محملين بالأسلحة لدعم الثورة الجزائرية، و كانوا يريدون لقاء مسؤول الدشرة بكاف لبعالة و هو المدعو بن مزيان،  و كان أحد الأشخاص قد أوصلهم إلى شعبة الآخرة ، و استمروا إلى أن وصلوا إلى كاف لبعالة، فالتقى بهم  شخص، يقال أنه كان متعاونا مع الاستعمار الفرنسي ( حركي) و كان ينقل لهم أخبار المجاهدين و تحركاتهم، و قد أوهمهم بأنه يعرف مكان تواجد بن مزيان، و أنه سيبلغه بقدومهم، و قال لهم انتظروني هنا إلى أن أعود، ثم قام بالوشاية بهم عند الفرنسيين، فحاصروهم و باغتوهم و دارت بينهم معركة ساخنة،استشهد فيها التونسيون الخمسة بغار يسمونه غار شعبة الآخرة، و في هذا الغار أطلق عليهم الرصاص، ماعدا المجاهد المدعو أحمد بن نوري الملقب بـ:  سي العربي، الذي  تمكن من الاختباء و من ثم الهروب،  حسب الروايات ما يزال سي العربي على قيد الحياة.

و غير بعيد عن كاف لبعالة، ما يزال سكان أولاد صالح يسترجعون صورة تلك المجزرة الرهيبة، التي قامت بها فرنسا، بقتلها 32 من المواطنين و المجاهدين انتقاما لمقتل عسكري فرنسي و اثنين من الحركى الخونة، حيث تم دفنهم بمقبرة الشهداء بأولاد صالح التابعة لبلدية واد العثمانية و الواقعة بأعلى دوار كاف لبعالة، أما  الغار الذي قتل فيه الشهداء الـ: 32 فهو بعيد عن المنطقة و من الصعب الوصول إليه بسبب المسالك الوعرة، و لكون الموضوع ذا أهمية بالنسبة إلى تاريخ الشعبين الجزائري و التونسي، حيث يصور لنا الملحمة التونسية الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي، لا نفوت الفرصة هنا للحديث عن دور الحكومة التونسية في  دعم الثورة الجزائرية، طالما الهدف هو تقصي الحقائق التاريخية المتعلقة بالدعم التونسي للقضية الجزائرية، و من ثم نطرح السؤال التالي: ماذا لو طالبت عائلات الشهداء التونسيين الخمسة باستعادة رفاتهم؟ ماذا يكون جواب الحكومة الجزائرية و بالأخص وزارة المجاهدين؟، فمن خلال زيارتنا لكاف لبعالة كانت المشتى خالية من سكانها، فلا يوجد سوى منازل مبنية بالطين و أخرى بالطوب، و لا توجد أيّة علامة  تدل  أو تشير إلى المكان الذي استشهد فيه التونسيون الخمسة و سي العربي الجزائري، كنّا ننتظر أن نعثر على مَعْلَمِ   يؤرخ لهم أو لوحة حديدية مكتوب فيها أسماء الشهداء الستة و كيف دارت المعركة، لكن لا شيء  موجود من هذا القبيل، و هذا يدفعنا إلى التساؤل عن دور المنتخبين المحليين في إجراء التفاتة بسيطة لهؤلاء من خلال إنجاز معلم تذكري يؤرخ لهذه المعركة.

فقصة الشهداء التونسيين الخمسة يجعلنا نقف وقفة اعتراف بالجميل…لما قدمته الحركة الوطنية التونسية للثورة الجزائرية، و تعاطفها معها بالإضرابات و المظاهرات و قيامها بالدعاية لجبهة التحرير الوطن، فضلا عن مواقفها أمام الدول و الرأي العام الدولي، دون أن ننسى دور الحركة الزيتونية و تفاعلها مع الثورة الجزائرية و تقديم لها التأييد المطلق، و كذلك الأحزاب و المنظمات التونسية، الذين رحبوا بالجزائريين الذين تم نفيهم و مبادرات الرئيس بورقيبة لحل القضية الجزائرية،  كل مظاهر الدعم التونسي للثورة الجزائرية منذ اندلاع الثورة إلى غاية الاستقلال، ما هو إلا عنوانا للاستمرارية و الشمولية، خاصة و أن استشهاد التونسيين الخمسة في 1956  تزامن مع استرجاع التونسيين استقلالهم في السنة نفسها، و قد حفز هذا الاستقلال لتونس على تسخير كل إمكانياتها لخدمة الثورة الجزائرية، لكن يأتي الحركى الخونة  بالطعن في الظهر، و ليس هذا غريب عنهم  طالما طعنوا في أبناء وطنهم  و كشفوا عن مخططات الثورة و الوشاية بمناضلي الحركة الوطنية ،و كشف مخبأ المنظمة السري  و أسرار المجاهدين للعدو، و من المؤسف أيضا أن نَشْتَمَّ رائحة الخيانة و التواطؤ بكتم الشهادة و التحايل على الأجيال و خداعهم، فما قامت به فرنسا لا يمكن للشعب الجزائري أن ينساه.

و بالعودة إلى القصيدة السالفة الذكر نشير أن كاتبها هو الشاعر الشعبي السعيد بن حافظ نظمها و رواها محمد بوساحة المدعو عاود و هم عم الإمام ( الشاهد)، تحسر فيها الشاعر على موت مجموعة من المجاهدين و هم خمسة تونسيين و سادسهم جزائري كما أسلفنا من قبل، و يتضح من أبياتها أن أحد الخونة بلغ نبأ وجودهم للفرنسيين، و قد تمنى صاحب القصيدة لو أن المجاهدين نزلوا عنده لكان قد حماهم و أخفى سرهم عن العدو، و لما كانت تقع هذه الكارثة التي أودت بحياتهم، و القصيدة سجلت واقعة من وقائع الثوار و المجاهدين مع الاستعمار، و كيف تعامل معها الخونة من ( القومية goumia) و المخبرين و غيرهم في ولاية ميلة، أثناء ثورة التحرير الكبرى،  كما أن القصيدة حسب كاتبها ليست من الخيال أو رواية تواترت أحداثها، و إنما كانت حقائق شهدها الشاعر بنفسه و من هذه الحقائق ما يذكره عن الجنود الذين كانوا يأتون مسلحين بالإيمان و الأسلحة الحربية التي كانت القيادة السياسية تقتنيها من الدول الشقيقة و الصديقة عن طريق البيع أو المساعدات المتبادلة مع الدول المؤيدة لحركة التحرر الوطني في البلدان المستعمرة.

 

و المتأمل في القصيدة يقف على مشاعر الوطنية و الحماس النضالي، حيث عبر الشاعر عن  تأثره بالجريمة التي ارتكبتها  فرنسا في حق التونسيين الخمس ، الذين قدموا الدعم للثورة الجزائرية،  تقول القصيدة:

هذا جيش جا من تونس بيمانو خالص.. شاعت لخبار و مشى للكفار

لبلاندي جاء عامل غبار يا هذا الغدار و معناها كية .. تكلم البارود و هم في الكاف قعود

اتفقوا عليهم الجماعة بكلية.. اتفقوا عليهم بالذمّة لا من حب يجيبلهم النعمة

كثر خير الكرمة اللي عملت مزية..

سي العربي لا يخاف، يا حافرين لقبور زيدو شوية

في نفس القصيدة يقول الشاعر في الخونة:

يا قاصفين الدين لا نظرة فيكم بالعين.. و إيمانكم ناقص غير شوية

واين عاد القياد و الذبّاح في الناس.. الفساد يقضوا عليهم بكلية

ما وقفنا عليه أن هناك تضارب في الروايات فبعض الذين تحدثنا إليهم أكدوا أن الذي بلّغ عنهم كان متعاونا مع الجيش الفرنسي ( حركي) و كان ينقل لهم أخبار المجاهدين و تحركاتهم حتى أن كاتب القصيدة أشار إلى أن المجاهدين الستة كانوا ضحية الحركي الذي وشى بهم للفرنسيين و حدد لهم مكانهم، كما أن البعض تحفظ عن الخوض في هذه الأحداث، كون القضية تتعلق بواحد من أبناء المنطقة الذي  قبل التعاون مع العدو  والوشاية بتحركات المجاهدين، فكان سببا في تغلغل فرنسا في قرى و مداشر ولاية ميلة ،  و كم هو مؤسف أن يرفض هؤلاء إسقاط الطابوهات و كأنها عملية تواطئ، حتى لا تكتشف الحقائق التاريخية للأجيال و أمام الرأي العام، قمة الخيانة طبعا أن نتستر على الخونة، و لا نكشف حقيقتهم،  قمة الخيانة أن لا نعترف بدعم التوانسة للثورة الجزائرية، هؤلاء الخمسة الذي كانوا يجلبون السلاح للمجاهدين الجزائريين و التحدث معهم في أمور تنظيمية، لا يمكن أن نولي ظهورنا و نكتم ما قدموه من تضحيات لدعم المجاهدين و إنجاح الثورة الجزائرية.

والحقيقة كانت وقفتنا شبه مغامرة ، بحيث لم تكن لدينا إمكانيات كافية لمواصلة تحقيقنا، لولا سائق سيارة  أجرة كان ينقلنا بسيارته بين المشاتي، كانت المسافة طويلة جدا، بين بلدية واد العثمانية و أولاد صالح مرورا بقرية بومالك و كاف لبعالة و بالمقارنة مع قرية بومالك التي كانت عامرة بالسكان، فكاف لبعالة  و حتى أولاد صالح تبدو  و كأنها خالية من سكانها  بل مهجورة تمام ، حيث ما تزال المنازل كما كانت في عهد الاستعمار مبنية بالطين و لا شك أن سكانها ما زالوا  لا يعرفون طعم الاستقلال، فهم يفتقرون إلى كل المرافق التي يحتاجونها في حياتهم اليومية ، فلا ماء و لا غاز طبيعي، كما لا تتوفر المنطقة على مدرسة و قاعة علاج. و غير ذلك من ضروريات الحياة، في شهادته يكشف سائق السيارة و هو ابن  شهيد،  عن مقتل ثلاثة مسبلين في دوار بو 12 ، مشتة غبالة التابعة لولاية جيجل غير بعيد عن ولاية ميلة، كان الجيش الفرنسي في سنة 1956 يقوم بعملية تمشيط داخل غابة بحثا عن الثوار، و وقع بين أيديهم والده رابح خلاف، فاقتادوه إلى سجن برج الطهر، ثم قتلوه بعدما عذبوه، و ما زال قبره مجهولا إلى اليوم كما يضيف محدثنا.

تحقيق علجية عيش

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق