أعمدة

تجديد الفكر الديني

تجديد الفكر الديني

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

أذكر أنني قابلت صديقا قديما من أصدقاء الطفولة، كان سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، حيث تخصص في الفيزياء النووية، ورجع أستاذا جامعيا بصفاقس. وفي إحدى زياراته الصيفية للوطن، تقابلنا صدفة على شاطئ مدينة المرسى، وكانت فرصة لاستعادة الذكريات والسؤال عن الأحوال والأماني… ومن جملة الحديث قال لي:

إن لي صديقا فرنسيا، متخصصا في إنشاء المجسمات الصغيرة للمنشآت الهندسية، وإنه يريد صنع مجسم تفصيلي للجنة… نعم للجنة… فهل عندك كتاب يساعده على فهم هندسة الجنة بكل جزئياتها؟؟؟

كان الموضوع صادما لي… هل يجوز تصوير الجنة؟ وصنع مجسم لها؟ ومعرفة هندستها؟ ولماذا لم يفعل ذلك علماؤنا؟ ولماذا لم تخطر لي الفكرة؟…  كان ذلك أول قادح لي في مجال تجديد الفكر الديني، ووجها جديدا له…

الذين يتحدثون في موضوع تجديد الفكر الديني، غالبا ما يكونون من خارج الدائرة الدينية. من دائرة الأكاديميين المختصين في الآداب والحضارة العربية، والعلوم الإنسانية… هم الذين يشغلهم وضع الفكر الديني الموروث… أما أهل الشأن الديني، من أئمة خطباء، ودعاة ومرشدين دينيين، وأساتذة تربية، فإنهم مكتفون بتقديم خطاب هجين ومزدوج ولقيط، يجمع بين المضمون التقليدي والمفردات العصرية… في أشكال مختلفة…. إما خطاب الحركات الإصلاحية السياسية، أو خطاب الفكر السلفي بمختلف روافده، أو حتى خطاب التنمية البشرية “الإسلامي”… وأخيرا الخطاب الزيتوني العاجز عن تحريك النفوس والقلوب…

هناك مشكل كبير، يبدو أن الأخوة العاملين في الحقل الديني غير واعين بخطره: لمحاربة الإرهاب، لتنمية المجتمع، لمجابهة البطالة، للقضاء على أمراض المجتمع….لا بد من التخطيط لاستراتيجيات تمس كل القطاعات…. ومنها قطاع الدين…

بعض المؤسسات تقوم بمبادرات في اتجاه إرساء فكر ديني جديد، لكنها مبادرات وهمية غير مرتكزة على أسس سليمة، لأنها تكتفي بطرح الأسئلة، واستفزاز المشاعر والعقليات، بمناهج غربية وغريبة، ليس الغاية منها إلا إثارة الجدل والحيرة، دون الوصول إلى تخطي الأزمة واكتشاف الحلول…

على السلطة…. ومن خلال معهد الدراسات الاستراتيجية، أو المجلس الإسلامي الأعلى، أن يتم تكوين وحدة تفكير ديني مهمتها إعادة تحديد رؤية دينية للإنسان والكون والحياة…. تساهم في ردم الهوة التاريخية والنفسية بين الماضي والحاضر….

مجموعة من المفكرين في الشأن الديني والعلوم الدينية، تتولى في مرحلة أولى مراجعة العقيدة التي تترسخ في قلوب الناس وتوجههم طيلة حياتهم….يحيث تتحول هذه العقيدة من عائق للانخراط الحضاري إلى محفز على المشاركة الحضارية العالمية…..

مجموعة من المفكرين تتولى إحياء قدوات عملية إسلامية، والترويج لها والتسويق لصورها بالطرق الحديثة…. بشكل نقترب من الواقع المعيش للمجتمع….

مجموعة من المفكرين تعيد إنشاء الخارطة الدينية للمشاعر والمعلومات والعقائد في نفوس وعقول الناشئة…. ضمن رؤية احتوائية غير اقصائية…

مجموعة من المفكرين يخوضون بعمق تجربة التفكير الجريء والجدي والدخول إلى كل المساحات الثقافية الإسلامية التي من شأنها التعبير عن كل المشاكل الاجتماعية وإيجاد الحلول لها. تفكير يجنبنا التفكير الظاهري النمطي الاقصائي، والتفكير العقلاني الجاف، ويسمح للروح باحتلال موقعها الحضاري كمحفز ومنشط لحركة الحياة…ويجيب على أسئلة جوهرية: الله، الإنسان، العالم، القضاء والقدر، العمل، الاقتدار الإنساني، الإرادة، المسألة الجنسية، المرأة، العلاقات الاجتماعية، الحرية، الديمقراطية، المواريث، الحدود، العقل، الروح…

لا يمكننا استكمال مسيرتنا الحضارية، بمعوقات معرفية ونفسية، ذات صبغة دينية، ترسخت فينا، بفعل خطاب الأسرة والخطيب والمعلم والمقهى والتلفزيون… وتجعلنا في تنافر مع واقعنا وزمننا الحضاري… فالرؤية الدينية الموروثة عن الكون والعالم تختلف عما نقرؤه اليوم في نتائج العلوم، وهندسة الجنة والنار لا تجد لها مكانا في التصورات الفلكية والفيزيائية الحديثة، وجنس الوحي يختلف كليا عن الأجناس الأدبية الأخرى، وقضية القضاء والقدر لا تزال سرا يؤرق عقل الإنسان المسلم، وغيرها من القضايا التي، وجب إعادة بحثها بما يلغي كل تنافر وتناقض مع حياتنا المعاصرة.

نحن بحاجة إذن، إلى عمل استراتيجي دائم وجدي يمر بعدة مراحل: تنقيب وحفر في الذاكرة التراثية وجمع للخارطة الثقافية بكل مكوناتها المختلفة، تثمير وتنشيط وتفعيل للرؤى والمضامين الايجابية، وترجمة النتائج إلى مقررات تربوية ونصوص تعليمية وخطط إعلامية واستراتيجيات في كافة المجال… مع متابعة ومراقبة للنتائج، وتعديل لما يمكن تعديله…

حتى لا تكون فتنة

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق