أعمدة

السماء والعرش

-أفكار ضد التيار/ بقلم العربي بريك

السماء والعرش

كثيرا مانطالع عقيدة المنتصرين إلى أهل الحديث والأثرالذين ينزعون إلى تأكيد حرفية النص الديني بدعوى الدفاع عن العقيدة الصحيحة. ومن ذلك مسائل الاستواء على العرش وأحاديث الرؤية والنزول وغيرها من الأمور التي شغلت أهل العلم والكلام قديما حيث كان كل فريق يدافع عن وجهة نظر يراها أنها هي الصحيحة وغيرها من الآراء بدع وضلالات. ومع أن الجميع يدين بدين واحد ويعتقد في إله واحد إلا أن الخلاف في المسائل الاعتقادية احتدم بين الفرق والمذاهب وانتقل من دائرة الجدال والخصام إلى دائرة الغلو في المعتقد وتبديع أو تكفير الآخر المخالف في الرأي..

هذا ومازال المتتبعين يرون أن أسباب الإختلاف تعود إلى الاختلاف في فهم النص الديني أو مايسمى بظاهرة التأويل، فتأويل النص الديني أخذ عند البعض مخرجا متعسفا حاول أن يخرج المعنى كليا عن المقصود المتعارف عليه في علم الدلالة. ولذلك كتب العلماء في التأويل وحاولوا أن يحددوا شروطه وقواعده. والحقيقة أن لفظ التأويل نفسه اختلف في معناه فهل هو تفسير للنص أو اخراج المدلول إلى دال آخر راجح ظنيا أو قطعيا.

 ومن المعروف أن التأويل تناول المتشابه من القرآن لا المحكم وذهب فريق أن التأويل على حقيقته لايعلمه إلا الله حسب من يقف عند لفظ الجلالة في الآية”ومايعلم تأويله إلا الله” في حين أن الذين يواصلون قراءة الآية ولايقفون يضيفون” والراسخون في العلم…”. وعلهذا فهناك من يرى أن التأويل ممكن أن يعلمه العلماء الراسخون وهؤلاء يتجوزون في تأويلاتهم بينما الذين يقفون في الآية يقولون أن العلم بحقيقة الأمر ليس من الممكنات، وعليه فنحن مطالبون بالتوقف والتسليم.. ولنضرب مثلا  بمسألة “الإستواء على العرش” حيث ورد عن السلف أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة إلى آخر الأثر، فهؤلاء يتوقفون في المعنى الحقيقي للاستواء في حق الله مع أنهم يقولون أن المفردة ومعناها المتداول معلوم عند الناس إنما المجهول هو الكيف فقط .. وغني عن البيان أن القول باثبات حقيقة الاستواء كما هو متداول بين الناس وقولهم أنها واجب يعني أننا نسلم بحقيقة الفعل والمعنى وبقي فقط الكيف الذي يخص الجناب الإلهي المقدس فهذا مماينبغي التوقف عنده. وعندما تابعنا دلائل أهل الأثر ومن جاء بعدهم وجدنا أن المعنى قد تحور كليا فمن منطوق الآية” الرحمان على العرش استوى” وجدتهم يرددون ويؤكدون أن المعنى الحقيقي للآية هو أن الله في السماء ويستدلون بحديث الجارية عندما سئلت أين الله فأجابت”في السماء”. وهنا وجدت المخالفين يعارضون هذا المعنى لأنه يثبت التجسيم للحق تعالى بل ويستشهدون بالآية” هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله” والآية” وهو معكم أينما كنتم” ليؤكدوا أن الله في كل مكان ولايحيط به مكان ولازمان.. طبعا أهل الأثر الذين يقفون عند حرفية النص الديني لم يقبلوا هذا المعنى واستعملوا التأويل في هاتين الآيتين وغيرها من الآيات المشابهة وقالوا أن المراد بالمعية هاهنا هي معية العلم بل وزادوا أن ذات الله حقيقة في السماء وعلمه في كل مكان..

والحق يقال أن أهل الأثر ارتابوا من دلالات الفلاسفة والمتألهين من الصوفية الذين يتحدثون عن واجب الوجود المطلق وقال ابن تيمية وغيره أن الاطلاق من المفاهيم الكلية التي لاوجود لها في عالم الأعيان إنما وجودها في الأذهان فقط ،وإذا قلنا بأن الله وجود مطلق فلايكون وجوده إلا في الأذهان وعليه فهو غير موجود في الأعيان، وبما أن الوجود العيني هو الموجود حقيقة وضمنيا في الواقع إذن لايمكن أن يؤدي مفهوم الإطلاق سوى إلى وجود متصور أو متخيل في الذهن البشري وليس وجودا في الحقيقة والواقع..

ومما تقدم وجدنا أن أهل الأثر حصروا أنفسهم في زاوية من التأويل والتصوير وهم يثبتون حقيقة واقعية وهي وجود الله ثم أنهم استخدموا التأويل في الآيات الصريحة التي تصرح بأن الله معنا في كل مكان وقالوا بأن هذا يخص العلم دون الذات والأعجب من ذلك أنهم تأولوا آية الإستواء على العرش ليحددوا منها بأن الله في السماء في حين ليس هناك آية بهذا اللفظ المقيد بل الموجود هو الآية” وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله” وآيات أخرى قريب منها. وإلى هنا نتبين أن التأويل استخدمه كلا الفريقين ليصلوا إلى معنى محدد في الأذهان لايوافق بالضرورة الحقيقة والعيان..

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق