أعمدة

حوار فيسبوكي عن الطالبي واليقين

حوار فيسبوكي عن الطالبي واليقين

بقلم: محمد الصالح الضاوي

كاتب ومفكّر تونسي مقيم بالجزائر

dhaoui66@gmail.com

كنت قد نعيت الدكتور محمد الطالبي بتدوينة، جاء فيها:

“الطالبي في ذمة الله،وسيجد الأمر على خلاف ما اعتقده، وسينال كفله من الرحمة”.

كانت هذه الكلمات كافية لإثارة بعض الجدل لدى بعضهم، حين بدأني بالسؤال الاستفهامي:

سيدي. لم أفهم عبارة: وسيجد الأمر على خلاف ما اعتقده. عن أيأمر ؟ما الذي اعتقده؟. فأجبته:

الدكتور محمّد الطالبي، تونسي، من مفكري التيار القرآني الذي لا يرى تحريم الخمر والبغاء، باعتبار أن النص القرآني لا يقطع بذلك حسب رأيه، وهو مع ذلك مفكر له ثلاثون مؤلفا، وهو مؤرخ أيضا، وصادق مع نفسه ومخلصلتأويلاته التي اعتقدها.

قال: عندما تقول إنه قرآني ويرى أن القرآن لم يحرم الخمر والبغاء، فهذا يعني أن الطالبي سيجد الأمر عند الله على خلاف ما اعتقده. يعني أنك متيقن أن موقفك هو الذي سيأخذ الله به في محاكمة الطالبي؟.

قلت: أنا متيقن أن تأويله مخالف لاعتقاد أهل الله ورثة الأنبياء الذين يعلمون تأويله….
ومتيقن أن حججه في الخمر واهية، وفيها لبس لم يتفطن إليه أغلب العلماء، وفاته هو…

قال: استغرب كثيرا من الذين يستعملون اليقين الديني ويصنفون أنفسهم مع هذا اليقين.
تاريخ الفقهاء وأقوالهم حول الخمر مسالة خلافية وليست يقينية باتفاق الجميع. كل واحد حر في اختيار الموقف المناسب له حولها. أما أنه يرى أن هناك موقفا واحدا صحيحا ويقينيّا، والبقية على خطأ، فهذا موقف لا آخذ به.

قراءته تحترم وتناقش، وتطرح الحجج المخالفة لها. أما أن نتابعه في قبره، ونقول له: ستجد موقف الله ضدك، وسيدخلك الجحيم بالتأكيد، لأنك على خطإ وأنا على يقين، هذا يعني لم يبق لنا إلا أن نقول : تبت يدا الطالبي وتب.

على كل، شوقتني لمعرفة الحجج التي لم يتفطن لها أغلب العلماء، والطالبي تحديدا.

قلت: يا حبيبي:

اليقين مطلوب في الطريقة أولا لأنها هي الطريق الذي سينير حياتك… والطالبي اختار طريق العقل بلا أي مرجعية… والعقل آلة وليس إله كما يقول الشيخ الأكبر.

ثانيا: القول بان الخمر مسألة خلافية عند الفقهاء ليس عادلا، وإنما الصحيح أن كل المذاهب الإسلامية تقول بحرمة الخمر، وإنما شذ بعض العلماء في جدل نظري حول: هل المنع الوارد تحريما أم اجتنابا؟ وأي المنعين أقوى؟…

وأما أنني أعتبر أن اليقين واحد،  والآخر علىخطإ، فنعم ولا…

نعم باعتبار أن اليقين الكامل هو روح محمد عليه السلام، وأن ما عداه هو: اعتقاد بين يقين غير كامل وبين خطإ بكل أنواعه… وأنا اعتبرت أن الطالبي أخطأ خطأ تأويل وأخطأ في ترجيح الحجج… وقد أثنيت على أخلاقه… ورجوت له نصيبه من الرحمة… وهذا لا ينفي أنه أخطأ في التأويل وجانب الصواب، وخالف الأنبياء والأولياء العلماء بالله…

أما ما هي الحجة التي غابت عنه، وما هو اللبس الذي وقع فيه، فإنه متعلق بالنبيذ، وقول بعض الحنفية بحلّيته، والمقصود: النبيذ غير المسكر، وليس النبيذ المسكر، وهذا الفرق لم يره الدكتور محمد الطالبي.

والمسالة الكبيرة في الموضوع هي: لماذا لم يذكر الله التحريم وذكر الاجتناب؟ وهو موضوع سبب الفتنة والقول بان التحريم لا ينسحب على الخمر….؟

والجواب أخي:

إن التحريم يقع على كل شيء واضح ثابت غير مؤول… أي بلا تأويل، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير… فلا يتطرق التأويل والشك فيها…أما في الخمر، فأكثر خمر العرب هو نبيذ مسكر، وهو أن يقع إنقاع تمرات في الماء المالح فيحليه (أو العنب)… وهذا يجوز شربه لأيام إلى أن يتخمر ويصبح مسكرا… والتوقيت الممكن للإسكار يختلف من مكان إلى آخر، وحسب المناخ.. وقد كان التوقيت في المدينة 5أيام ثم يراق النبيذ لاحتمال تخمره…

ولما كان تحديد التخمر مسألة تأويل وشك واختلاف… كان المنع بالاجتناب حالما يتسرب شكّ وظنّ… لأن التحريم كما قلنا، لا يقع إلا على الشيء الواضح الثابت غير قابل للشك… على خلاف النبيذ… وهذا الأمر هو سبب استعمال القرآن لمصطلح الاجتناب بدل مصطلح التحريم والغاية هو المنع بإطلاق…فالاجتناب هو تحريم في حال الشكّ والظنّ، والتحريم منع في حال اليقين.

وللحديث بقية…..

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق