B الواجهة

تنمية أكثر من 950 بلدية فقيرة في الجزائر مرهون بتغيير نمط تسيير ميزانياتها

نور الدين جوادي لـ”التحرير”:

تنمية أكثر من 950 بلدية فقيرة في الجزائر مرهون بتغيير نمط تسيير ميزانياتها

-“الميزانية التشاركية”: المنهج الأمثل لتسريع التنمية المحلية في الجزائر ومسبار “الحوكمة المالية”للبلدية.

 

 

 

 

 

 

■تجارب الدول النامية أثبتت نجاعة التسيير التشاركي لميزانية البلديات

 ■وأكثر من 10 فوائد يمكن جنيها من تطبيق “الميزانية التشاركية”

■وأربعة 4 شروط أساسية لتطبيق “الميزانية التشاركية” في الجزائر؟

والفرصة مواتية ونحن في بداية عهدة نيابية جديدة 2017/2022.

خلال أقل من 5 سنوات (أي عهدة نيابية عندنا) استطاعت أكثر من1000 بلدية على مستوى العالم تحقيق نتائج تنموية هائلة فيما تعلق بالتنمية المحلية والحوكمة المالية لميزانياتها، بفعل اعتمادها آلية “الميزانية التشاركية” في تسيير مواردها ونفقاتها العمومية، أو جزء منها.

وتشير الدراسات أن عدد الوحدات السكينة المنشأة في تلك البلديات ارتفع في متوسطهبقرابة 50%، كما انخفض العجز في الطرق المعبدة بحوالي 12%. وارتفعت نسبة المساكن التي تم توصيلها بالماء ومرافق الصرف الصحي بحوالي 2% …الخ.

كما أكدت دراسة للبنك العالمي عام 2008 أن البلديات التي اعتمدت “الميزانيات التشاركية”تحسنت وضعيتها المالية،نظرًا لتوسع البنية التحتية، ولحرص سكانها على دفع الضرائبوالرسومالمستحقة عليهم تجاه الخدمة العمومية التي توفرها البلدية لهم، وذلك بفعل شعورهم بأن أموالهم تُرَد إليهم فعلاً مع جودة تلك الخدمات العمومية وديمومتها، خاصة وتَرسخ فكرة أنهم هم،من يساهم في تنفيذ مشاريع تلك الخدمات وترتيبها.

في الجزائر، وبرغم عديد السياسات التي انتهجتها الدولة منذ عقود لتعزيز التنمية المحلية، لا تزال أكثر من 62% من البلديات تصنف كمناطق فقيرة، أي حوالي 950 بلدية من إجمالي 1541 بلدية على المستوى الوطني. ويعود السبب الرئيس جراء القصور والعشوائية في تسيير ميزانياتها. وهو ما يمكن أن يشكل خيار “الميزانية التشاركية” الاختيار الأمثل لتسريع التنمية المحلية فيها وفي الجزائر، الجزائرعموماً، ومسبار دقيق للاختبار “الحوكمة المالية” للمجالس المنتخبة.

وبشكل عام يمكن رصد عشر (10) فوائد من تطبيق “الميزانية التشاركية” في حال تم اعتمادها وفق منهج علمي رصين، وإرادة سياسية قوية لإنجاحها:

■أولاً، تحقيق كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه أفضل للميزانية العمومية للبلدية تجاه المشاريع التي تمثل الأولويات الجماعية للسكان وتلبي الاحتياجات الأساسية والمباشرة للمواطن، وتحقيق التنمية المحلية المنشودة.

■ثانياً،تحقيق التوزيع العادل للتنمية المحلية، والقضاء على كل أشكال الجهوية أو التحيز وغيرها في توجيه المشاريع والنفقات العمومية للبلدية.

■ثالثاً،تحقيق العدالة الاجتماعية في اتخاذ القرار المالي والتنموي، وتقوية النسيج الاجتماعي، من خلال جلسات النقاش وتكافئ الفرص بين المواطنين عبر عملية التصويت، على المشاريع والنفقات العموميةالمزمع برمجتها، مما يؤسس لنظام حوكمةمحلية أكثر عدلاً ومساواةً بين أفراد المجتمع.

■رابعاً، حوكمة الميزانية العمومية للبلدية، وتحسين وضعيتها المالية، والقضاء على العسر والعجز المالي الذي يهدد الكثير من البلديات.

■خامساً، تحسين شفافية الإدارة المحلية، وترسيخ مبدأ المساءلةالمالية حول مخصصات الجماعة المحلية، نتيجة علنية مناقشة الموازنة ومخطط التنمية المحلية.

■سادساً،دمج أعمق وأكثر إيجابية للمواطن في السياسة العامة للتنمية المحلية والوطنية، والقضاء على الشعور بالتهميش.

■سابعاً،اطلاع المواطنين بحدود المجالس المحلية، وتكلفة المشروعات العامة، وإدراك طبيعة المفاضلة بين الأولويات لصالح المجتمع ككل.

■ثامناً،القضاء على أشكال الفساد والبيروقراطية وتحسين الخدمة العمومية.

■تاسعاً،زيادة كفاءة المجلس المنتخب في أداءوظائفهتجاه المجتمع.

■عاشراً،توطيد دعائم الثقة بين الحكومة والشعب.

والسؤال الجوهري، هل يمكن تطبيق “الميزانية التشاركية” في الجزائر؟ وهل البيئة المجتمعية والسياسية الجزائرية يمكن أن تحتضن مثل هذه الآليات التسييرية للميزانية العمومية؟

قبل الإجابة عن السؤال، يجب أن نعلم أن “الميزانية التشاركية” هي تمكين المواطن من المشاركة في اتخاذ القرار المتعلق بتوجيه المخصصات المالية للمشاريع التنموية ذات الأولوية في المنطقة التي يعيش فيها، بعد أن شارك من قبل في تعيين المجالس المنتخبة التي تمثله. وتختلف الدول في حجم الميزانية الموجهة للقرار التشاركي، فبعض الدول تخصص فقط 5 إلى 10% من ميزانيات بلدياتها لعملية “الميزانية التشاركية”، وهنالك مناطق طرح كل ميزانياتها للمواطنين لتقرير كيفية صرفها.

وقد وظهرت الفكرة أول مرة العام 1989 في البرازيل، وكانت النتائج مذهلة على مستويي التنمية المحلية وحوكمة المالية العامة للجماعات المحلية وتهدئة الجبهة الشعبية، وما نجم عن ذلك من استقرار سياسي واستتاب أمني…الخ، فبدأت الكثير من دول الجوار في أمريكا اللاتينيّة في استنساخ الفكرة وتطبيقها، ثم انتشرت الآلية إلى بقية بلدان العالم:فرنسا العام 2014،الولايات المتحدة الأمريكية العام 2010، الجارة تونس العام 2017 وغيرها  من الدول التي تحولت إلى آلية “الميزانية التشاركية” في التسيير المالي للبلديات، والمشاريع المتعلقة بالتمية المحلية فيها.

ولاختبار امكانية تطبيق “الميزانية التشاركية” في الجزائر، ومعرفة مدى قدرة البيئة المجتمعية والسياسية الجزائرية يفي احتضان مثل هذه الآليات التسييرية للميزانية العمومية، يجب أن نؤكد، أن لمنهج “الميزانية التشاركية”، أربعة (04) شروط أساسية يجب توفرها، من أهمها:

■ أولاً، الإرادة السياسية العليا من طرف أصحاب القرار لاعتمادها كآلية لتسيير ميزانيات البلديات والولاية، بالموازاة مع توفر هذه الإرادة لدى رئيس المجلس الشعبي المنتخب أو أعضاءه. وهذه الإرادة السياسية ضرورة لضمان استمرارية العملية برمتها. وهي الإرادة التي تحتاج أكثر حضورا في مرحلة التنفيذ عند تحويل الالتزامات إلى استثمارات ملموسة.

والملاحظ، أن الجزء الأول من هذه الإرادة متوفر في الجزائر بد إطلاق وزارة الداخلية والجماعات المحلية مشروعها حول الديمقراطية التشاركية، ودعوة كل الكفاءات، والفعاليات، والنخب السياسية والفكرية والجامعية،والكتاب، وكل مواطن للمساهمة في إثراء المشروع. وهو ما سوف يفرض بالتأكيد على السلطات المحلية انتهاج نفس المبدأ، والاهتمام بمشروع “الميزانية التشاركية”.

■ ثانياً، الاستعانة بالكفاءات المحلية والوطنية للإشراف على العملية من بدايتها حتى نهايتها. وهو شرط أساسي لتحسين مخرجات المشروع. وكذلك بناء قدرات المواطنين وموظفي البلديات وأعضاء مجالسها المنتخبة للتأقلم مع الوضع الجديد للتسيير وفق نمط “الميزانية التشاركية”. والمجتمع الجزائري زاخر بتلكم الكفاءات.

■ ثالثاً، وجود منظمات وهيئات مجتمع مدني واع،مهتم، مسؤول، ومنظم يضمن للعملية شفافيتها وفعاليتها. وهو ما يمكن تهيئته من خلال حملات التوعية التي يجب أن تنتهج كأرضية لإطلاق مشروع “الميزانية التشاركية”.

■رابعاً، ضرورة نشر المعلومات الدقيقة والشفافة لدى الرأي العام ليتمكن على ضوئها من تحديد أولوياته والمساهمة في توزيع مخصصات البلدية وفق ما يراه مناسباً. مع وجوب إعلام المواطنين بمواعيد وأماكن انعقاد الاجتماعات بدقة.

وفيما تعلق بتطبيق “الميزانية التشاركية”، فلا توجد آلية عامة، ولكل بلدية خصوصياتها المجتمعية والاقتصادية والحضارية، ولكن ذلك لا ينفي وجود خطوط عريضة تسهل على البلديات للبداية في تطبيقها.

ويتفق المختصين، أن الخطوة الأولى، تتعلق بضرورة تشكيل فريق عمل رفيع المستوى للعمل على تحليل دقيق وشامل للحالة الراهنة للمنطقة وخصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية والأمنية، ومن ثم (الخطوة الثانية) رسم خارطة لمجمل الفاعلين الذين سيتم دمجهم في مجلس توزيع “الميزانية التشاركية” من أعيان البلدية، من ممثلي المجتمع المدني، الإطارات، المثقفين …الخ. أما الخطوة الثالثة هي عرض تفصيلي للمبالغ والموارد المالية التي تحت تصرف البلدية. وأخيراً، رسم خارطة طريق لتحديد الأولويات التنموية بصفة تشاركية مع المواطنين.

وفي الأخير، وبرغم أن الدراسات أكدت أنه حوالي 20% من التجارب التي طبقت آلية “الميزانية التشاركية” انتكست ولم تدم طويلا، إلا أنني أعتقد أن البيئة المجتمعية والسياسية الجزائرية يمكن أن تحتضن مثل هذه الآليات التسييرية للميزانية العمومية، وتنجح في ذلك، خاصة وأن الوقت مناسب جداً كون الجزائر في بدايات عهدة انتخابية محلية جديدة 2017/2022، وأن هنالك إرادة كبيرة من قبل الوزارة الوصية، مع وجود عطش شعبي واسع لمثل هذه الآليات الجديدة التي تشعره بأنه شريك في تسيير المال العام.

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق