B الواجهة

أسباب قائمة ترسم الهجرة الثانية لنوابغ جزائريين  

تجارب ناجحة خارج الوطن تصطدم بعقبات العودة  

أسباب قائمة ترسم الهجرة الثانية لنوابغ جزائريين  

يعتقد الباحثون والمخترعون الجزائريون أن البلاد مخطئة حين تظن أنها تصدر المحروقات فحسب إلى الخارج ، وإنما ما هو أغلى من ذلك بتفريطها بالمجان في العقول والأفكار المبدعة، التي طرقت أبواب الوطن مرة ثانية فوجدت أسباب الهجرة مجددا لا تزال قائمة.

المفارقة العجيبة القائمة يلخصها باحثون جزائريون في انشغال   حكومي في التنقيب عن الغاز والبترول، يقابله مجهودات غربية   تبذل في التنقيب عن الأفكار العظيمة في عقول الناس، ويدفعون للباحثين والمبدعين أعلى الرواتب مهما كانت جنسيتهم.

وعادة ما يتم التغاضي عن خلفيات هجرة الادمغة الجزائرية دون عودتها لانعاش التنمية والاقتصاد ، مع ان هناك كثرا من الأطباء والمخترعين والمهندسين حاولوا عدم التنكر للبلد الذي درسوا وتكونوا به، فأصبح لديهم هوس الاستقرار مجددا بالجزائر بهدف نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة من الدول المتقدمة إلى أوطانهم، بعد بلوغ مرتبة لا بأس بها من الخبرة، لكن ذاك الهوس تلاشى بمجرد “الهجرة الثانية”.

مخترع جهاز التحكم بالأشياء بطوكيو

ويروي الدكتور الجزائري بلقاسم عبد القادر نصر الدين (32 سنة) الباحث في معهد طوكيو للتكنولوجيا باليابان ، مخترع جهاز التحكم في الأشياء، بمجرد التفكير فيها عن طريق جهاز خاص ، كيف عاد الى الجزائر بعد حصوله على الدكتوراه ويقول ” عدت الى بلادي مجددا لكن لم أستطع الحصول على عمل بالجامعة الجزائرية للأسف.. فقررت العودة لليابان”.

و يعمل اليوم في مشروع علمي كبير، تحت إشراف البروفيسور الياباني هيروشيإيشيغورو، وأحد أهداف هذا المشروع هو التحكم في الروبوت عن طريق إشارات الدماغ لدراسة عملية تعدد المهام عند الانسان.

ويقول بلقاسم عبد القادر انه في الجزائر كل ما يمكنك الحصول عليه هو إمّا وعود كاذبة أو كلمات معسولة فارغة، اذ لا توجد سياسة جادّة من أجل الاستثمار في العقول ولا قوانين أو منهجية واضحة لتحفيز الأدمغة الجزائرية على العودة.

و يعترف الباحث نصر الدين بفضل الجامعة الجزائرية عليه اليوم، مما يملكه من علم و خبرة، بيد انه لا يبالغ حين يقول “فلو عدت مجددا من تلقاء نفسي إلى الجزائر فسأجد نفسي أصارع المشاكل الأساسية للحياة من أجل الحصول على مسكن ومنصب عمل يمكنني من القيام بمهامي كباحث”. مضيفا أن الجزائر تصدر ما أغلى من النفط من عقول مبدعة من كتاب ومهندسين وأطباء وباحثين وعلماء.. بل تصدرهم مجانا للدول المتقدمة لتزيد الدول المتقدمة تقدما ونزيد نحن تخلُّفا.

وتقر وزارة التعليم العالي الجزائرية بنقص يصل إلى 3800 منصب في قطاع البحث العلمي ، تعجز عن سده باستقطاب الباحثين والمهندسين المهاجرين، على الرغم من الوعود الكثيرة التي تطلقها وتتحدث عن مهمتهم في التنمية التكنولوجية في الجزائر مستقبلا.

تجربة أكثر العرب اختراعا

و من حيث التحديات، مر الباحث الجزائري بلقاسم حبة الذي يرجح أنه يتصدر العرب الأكثر اختراعا في أميركا،بحصوله على 444 براءة اختراع ، بالتجربة المرة ذاتها، فقد التحق بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا في بداية ثمانينات القرن الماضي قادما من جامعة العلوم والتكنولوجيا باب الزوار التي درس فيها الفيزياء.

وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في الطاقة الشمسية، قرر الباحث العودة إلى الجزائر. وفي هذا السياق يقول “أردت العمل والاستقرار في بلدي لأنقل إليه ما تعلمته في أميركا”.

ويقول أن الأمور لم تسر كما كان مقررا له؛ حيث بقي لأشهر عديدة بدون عمل وحين وجد وظيفة بجامعة بسكرة كان عليه قطع مسافة 250 كلم بصفة شبه يومية من مدينته المغير الواقعة جنوب شرق الجزائر، لأن الجامعة آنذاك لم تكن تتوفر على سكن له.

ولم تكن هذه الاوضاع الصعبة في صالح الباحث الجزائري الذي كان يحلم بالاستقرار في بلده، وبعد صبر استغرق أشهر قليلة حزم حبة حقائبه وحزم خبرته وكفاءته وسافر إلى اليابان حيث عمل ست سنوات في مجال الأبحاث الإلكترونية. وفي سنة 1996 عاد إلى الولايات المتحدة ليجدد مسيرته مع الأبحاث والاختراعات.

و اليوم تساهم اختراعاته في تطوير وظائف الرقائق الإلكترونية الموجهة لصناعة الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، وغيرها من أجهزة التكنولوجيات الدقيقة.

ومع ذلك يعمل بلقاسم حبة منذ سنوات على إطلاق جمعية تضم العقول الجزائرية المهاجرة، بغرض جمع كل المخترعين الجزائريين في مختلف المجالات.

و تكشف أرقام المجلس الاقتصادي والاجتماعي الهيئة الرسمية في تقرير لها، هول نزيف الأدمغة على مدى أكثر من عقدين من الزمن، أين فقدت الجزائر ما بين 1994 و2016 العديد من العلماء والباحثين واستقبلوا من قبل بلدان أخرى استثمرت في مادتهم الرمادية ما كلف البلاد حوالي 40 مليار دولار.

وبقي النزيف مستمرا مع استقبال فرنسا لوحدها حوالي 4 آلاف باحث، وعدد مهما من الأدمغة الجزائرية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وعديد الدول الخليجية التي دخلت خط الاستثمار في المبدعين والباحثين الجزائريين.

تهافت على معتمدة علاج القدم السكرية

وضمن السياق، فرطت وزارة الصحة في طبيبة   اعتمدت التقنية الوحيدة في العالم لعلاج القدم السكرية، اذ يعاني أزيد من 200 ألف جزائري من الداء وهم على موعد مع بتر أرجلهم في أي وقت بسبب ظروف العلاج المتدهورة في المستشفيات المحلية.

وقبل ان يستقر الحال بالدكتورة نادية بوجناح في أكبر المستشفات الفرنسية رفضت المصحات الوطنية اعتماد علاجها المتقدم، حيث أكدت أنها قدمت ملفا لوزارة الصحة لاعتماد علاجها غير أن الجهة المعنية أهملت طلبها وهمشت الطبيبة بوجناح وهي اليوم تقوم بمهمتها في المستشفيات الفرنسية فتنقذ هناك آلاف المرضى من بتر الأرجل.

ودرست بوجناح وعملت لسنوات طويلة في المستشفيات الأوروبية لتطوير علاجها الذي كانت تحلم أن يعتمد في المستشفيات الجزائرية من أجل العلاج المجاني للمرضى، لأن العلاج يتطلب إمكانيات مالية ضخمة.

والأسبوع الماضي، نشر مجلس نقابة الأطبّاء الفرنسيين أرقاما أسالت الكثير من الحبر في الجزائر بخصوص الأطباء المؤهلين   والذين غادروا موطنهم ويمارسون مهنتهم في فرنسا.

وأشار إلى أن أكثر من خمسة آلاف جزائري يمارسون مهنة الطب في فرنسا، وهو ما اعتبره رئيس مجلس نقابة الأطباء الجزائريين، الدكتور محمد بقاطبركاني “أمرا غير مقبول”، حيث يرى أن “هذه الهجرة تهدد استدامة النظام الصحي الجزائري الذي فقد آلاف الأطباء الأكفاء وذوي الخبرة، من الذين هاجروا إلى فرنسا، من دون احتساب أولئك الذين اختاروا وجهات أخرى مثل كندا وبريطانيا”.

ويربط عدد من الخبراء بين هجرة العقول الجزائرية لأسباب مادية وأخرى سياسية ، ويؤكدون أن هذه الهجرة لا تزال مستمرة لاستمرار أسبابها.

لؤي ي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق