مقالات

انتخابات 23 نوفمبر2017 ديناميكية الواقع السياسي في الجزائر

من المتوقع أن تجرى هذا العام الانتخابات المحلية في الجزائر في 23 نوفمبر 2017، ومما لا ريب فيه أن الانتخابات هي جزء من العملية الديمقراطية وإجراء عملي لها، لذلك كلما أجريت انتخابات تمخض عنها تداول على السلطة التشريعية ومن ثم السلطة التنفيذية وإن اختلفت الميكانيزمات حسب طبيعة الأنظمة السياسية وأشكال الحكم و لا يمكن البتة المقارنة  بين دولة وأخرى إلا اذا توفرت وحدات وحدود المقارنة بين الجزئيات أو الكليات بين نظام انتخابي وآخر..

فالانتخاب هو اجراء دستوري يمكن بواسطته اختيار مرشح أو مجموعة مرشحين أو تغيير قانون أو تعديله أو اختيار آخر وهي طريقة سياسية لتوزيع المهام والسلطات دون اللجوء لوسائل العنف أو القوة وعادة ما تكون بالتوافق، وقد عرفتها الانسانية منذ أقدم العصور، على أن الانسان عرف طرق سياسية أخرى كالبيعة والولاء والتزكية إلا أن الانتخابات تعتبر من أهم الوسائل الديمقراطية الأكثر نزاهة عندما تتوافر الشروط والآليات لذلك، والأهم كنتيجة طردية التداول على السلطة التنفيذية لاحقا  لأنها هي الفاعل الرئيس في صنع السياسة العامة من حيث التطبيق الميداني وهذا ما يحدث في دول العالم ككل وإن اختلفت الوسائل والبيئات وأشكال الحكم من تسلطية إلى ديمقراطية وغيرها ومن أنظمة برلمانية إلى رئاسية وغيرها.

كما يبدو للعيان كما ذكرنا أن الانتخابات في الجزائر ظاهرة ليست جديدة قد عرفتها الجزائر منذ عقود زمنية إلا أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم وشهدتها الجزائر جعلت الكثير من المتغيرات تظهر ليس على صعيد المقاربة الدستورية والقانونية أو المقاربة التنظيمية بل كذلك على صعيد الاتجاهات الوظيفية والسلوكية لمختلف الفواعل في العملية الانتخابية، بيد أنه نتيجة لعدم تطور المنظومة القيمية والثقافية لمختلف الفواعل مقارنة بالزخم الهائل من التطورات الاقتصادية والتكنولوجية جعل الكثير من المفارقات تتجلى على الساحة السياسية، وعادة ما تظهر من خلال مخرجات العملية السياسية في حد ذاتها وهي نتائج الانتخابات السياسية التي تراوغ كل التحاليل السياسية والتنبؤات نتيجة لعوامل عديدة ومن أهمها في تصوري:

1-  ديناميكية وخارطة الواقع السياسي للأحزاب والفواعل والتشكيلات التي تتميز بالتنوع والتعدد من حيث الكم لا من حيث النوع في غالبها وليس عمومها من حيث البنية والأدبيات والاتجاهات والعوامل الرئيسية في الفعل السياسي.

2-  سلوك الناخب الذي يعتمد على اتجاهات محددة تتميز بالولاء للعشيرة، القبيلة، جماعات المصالح ومشارب أخرى، والميل للمجتمع الأهلي، وعدم استخدامه للانتخاب كآلية للعقاب والثواب للمنتخب مما يفقد الانتخاب هدفه في الاختيار والمحاسبة كمحصلة.

3-  بنية وتركيبة العملية السياسية من حيث التشريعات والقوانين والدوائر الانتخابية وهيئات المراقبة وتداخل الصلاحيات مما يجعل الثقة قليلة جدا، ولذا تلجأ شرائح عديدة إلى العزوف عن الانتخابات كردّ فعل وموقف يعبّر عن فلسفة المقاطعة لا عن فعل ممنهج مدروس يمكن أن يثمر فعلا ايجابيا على الواقع السياسي ومن ثم تبقى التلاعبات بالنتائج جد واردة، وهو على الأرجح موقف ناتج عن تجارب سابقة.

4-  البيئة السياسية الداخلية وتضارب تركيبة النمط الثقافي لدى التشكيلات السياسية التي أصبحت تعتمد النفعية على المرجعية الايديولوجية مما جعلها تتقولب في شكل قوائم انتخابية وأحزاب سياسية وهي أقرب منها إلى جماعات ضغط أو مصالح تهدف في النهاية إلى تحقيق مصالحها بدلا عن المبادئ واختيار أو تغيير الأنظمة السياسية أو أشكال الحكم، ومن ثم تفتقد الرؤية الاستراتيجية وتُؤْثِرُ الآنية، لذا لا غرابة أن نجد أغلبها تتبنى برنامج رئيس الجمهورية وبعضها يجهل أصلا هذا البرنامج إنما يحمله كشعار ولاء وتحقيق مصالح بغية الوصول للسلطة، مما ينذر بخطورة في حال تحالف المال الفاسد مع الانتهازيين والوصول بآلية دستورية وديمقراطية للسلطة، دون فقه المبادئ السياسية والصالح العام.

فعلى الرغم من التأكيد الدائم على ضرورة إجراء انتخابات محلية نزيهة تدعيما لمسار الإصلاحات التي أعلن عنها من قبل رئيس الجمهورية مرّات عديدة والتي أفرزت فيما مضى نتائج أثارت الكثير من الجدل حول نزاهتها جعلت المعارضة تنسحب من الحكومة كتكتلات وأحزاب في عهد متتالية مما يجعل المشاركة السياسية الفعلية محل تساؤل، في حين آثر بعض وزراء المعارضة البقاء في الحكومة والاستقالة من أحزابهم التي أوصلتهم يوما ما الى السلطة وتشكيل أحزاب جديدة. وهذا في حد ذاته يضع علامات استفهام كبيرة بدوره حول مفهوم النضال عند بعض الأحزاب التي تمتلك رصيدا تاريخيا وأدبيات سياسية، فما شأن بعض الاحزاب الميكروسكوبية التي تختفي وتظهر بمحلات دكاكين عند الحملات ثم لا تلبث أن تختفي مرة أخرى بعد أن تغلق دكاكينها ومآربها في انتظار حملة جديدة وموعد جديد لاقتسام الكراسي وموائد الزردات. طبعا قد تتبادر إلى أذهاننا تساؤلات عديدة ومنها ما الفائدة من انتخابات تسفر عن منتخبين كانوا ولا زالوا بنفس النمط والسيرورة؟، هل فقط اقتسام المناصب أم عملية إجرائية لتبييض الصورة داخليا وخارجيا؟

وبنظرة خاطفة عن تركيبة قوائم المرشحين للانتخابات يمكن أن نستنج مجموعة من الدلالات التي قد تكون ذات جدوى في معرفة مخرجات الانتخابات المحلية وما مدى مساهمتها في تسيير شؤون الدولة بجدية وفاعلية ومدى تفاعلها مع بقية الهيئات الدستورية والحكومية؟

ومن ثم يمكن ملاحظة توزيع الفاعليات الحزبية كما يلي:

1-  أحزاب تقليدية منظمة وقوية مع والولاء للسلطة تعتمد على وعاء انتخابي ثابت، مما يجعلها تركز على اسم الحزب أكثر من المرشحين تعتمد في ترتيب قوائمها على التزكية من المركزية، نظرا لارتباطها بمركز السلطة ودوائر اتخاذ القرار وخاصة أنها تتربع على وزارت وهيئات واطارات سامية، ومن ثم تسعى للحفاظ على الوضع الراهن ويمكن أن نطلق عليها اسم أحزاب محافظة بالمعنى الكلاسيكي تحاول التفاعل مع المتغيرات الجديدة

2-  أحزاب صغيرة تعتمد طاقات شابة تركز على الفئة الرمادية أي الناخب المتردّد، لكن ليس لها القدرة على النفاذ لأجهزة الحكم وخاصة السلطة التنفيذية ومن ثم تركز على الهيئات التشريعية سواء الوطنية أو المحلية، تركز على خطاب التغيير واستقطاب الشباب ومن ثم تعتمد على القوائم الانتخابية من جهة وعلى المزاوجة بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني في كسب الثقة.

3-  أحزاب معارضة تقليدية لم تستطيع الوصول إلى السلطة ولكنها تؤكد على دورها وإمكانية التغلغل في الهيئات التشريعية، تمهيدا للوصول إلى السلطة التنفيذية ومنها أحزاب اسلامية ويسارية الاتجاه أو المرجعية تعتمد أسلوب انتقاد السلطة في المحافل الانتخابية ويعاب عليها غيابها أو تغييبها عن الفعل السياسي الدائم.

4-  قوائم حرة تتوزع بين الاعتماد على الجهوية والعروشية والشعبوية لا تحمل برامج واضحة مستقلة.

ويبدو من خلال الملاحظات الأولية أن الأحزاب التقليدية يمكن أن تستحوذ على أغلبية المقاعد نظرا لذهنية الناخب واتجاهاته في تحليل العملية الانتخابية.

وعند التطرق إلى بنية وتركيبة المترشحين عند الرجوع إلى المستويات التعليمية نجد أن الاحصائيات المتاحة تشير إلى أن نسبة كبيرة منهم من مستويات دون الجامعية “في تصرح لصلاح الدين دحمون، أمين عام وزارة الداخلية في مؤتمر صحافي، بعد الاعلان عن اغلاق باب الترشح قال إن عدد المترشحين فاق 175 ألفاً سيتنافسون على مقاعد 48 مجلساً ولائياً و1541 مجلساً بلدياً، مشيراً إلى أن 51,5 في المائة منهم دون سن الأربعين، بينما تزيد أعمار 4,5 في المائة منهم على 60 سنة، و25 في المائة منهم فقط يحملون شهادات جامعية، أما 59 في المائة منهم، حسب مسؤول وزارة الداخلية، فتوقفت دراستهم في الثانوية، و16 في المائة لم يتعدوا التعليم الابتدائي. بينما تمثل النساء 18 في المائة من مجموع المترشحين. ويفرض «قانون المشاركة السياسية للمرأة» الذي صدر في 2012، ترشيح المرأة بنسبة 30 في المائة في كل لائحة ترشيحات، سواء تعلق الأمر بالبرلمان أو البلدية أو الولائية”.

ومن هنا نلاحظ أن أكثر من نصف المرشحين شباب وأن 60 بالمائة منهم غير جامعيين مما يشير إلى نقص التجربة الميدانية وانخفاض المستوى التعليمي بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال ناهيك عن نسبة معتبرة منهم في المستوى الابتدائي وهو ما يجعل عملية إدارة الهيئات التشريعية أكثر صعوبة، لأن الكثير من الأحزاب والقوائم تهتم بمن يجلب أكبر عدد من الأصوات بغض النظر عن الكفاءة والقدرة على التعامل مع المستجدات لأن الكثير من القرارات في واقعها تؤخذ من مستويات مركزية عمودية، وهو ما يفسر في الواقع افلاس الكثير من البلديات وتحقيقها لعجز في ميزانياتها لسنوات متتالية مما يجعل العبء الأكبر على كاهل الدولة والرجوع إلى الميزانية العامة في حال عجز الميزانية المحلية، إضافة إلى تسجيل حالات تورط خطيرة عند رؤساء البلديات نظرا للجهل بالقوانين والصلاحيات أو التعدي عليها أو انعدام التوازن بين المسؤولية والحق والواجب مما يجعل البلديات تجد صعوبات في الكثير من الحالات ناهيك عن الانسداد الذي يقع أحيانا بين المنتخبين في البلديات، والحال لا يختلف كثيرا في المجالس الولائية المنتخبة.

كما أنه يمكننا أن نتساءل، هل ستتغير مؤشرات النسب الضئيلة التي صوتت في المحليات السابقة مستقبلا؟، وهل استطاع المرشحون السابقون في عهدهم الانتخابية السابقة أن يغيروا شيئا ما من الواقع السياسي ؟، هذا الواقع الذي يتطلب من أجل التطور الكثير من التجديد والمهم ليس في بقاء نفس الأشخاص لعقود من الزمن في نفس المجالس المنتخبة، بل تتطلب بالدرجة الأولى التشبيب لأن روح التجديد كضخ الدّماء الجديدة التي يمكنها أن تعمل على تطوير البلاد واسترجاع الثقة، وتكريس مفهوم التداول.

والواقع ان سيرورة تطور وحركيات المجتمع تسير بمنحنين، إما منحنى التغيير الذاتي استجابة لميكانيزمات التغيير والتكيف وهذا يؤدي إلى تناغم وانسجام في المجتمع ويعزّز مسيرة التطور والتنمية الذاتية وثقافة الحوار أو إلى منحنى معاكس يؤدي إلى الانفجار والثورة في حالة عدم التوازن بين التغيير والتكيف وقد يحدث على نمط مباشر وفوري نتيجة تراكمات أو بتغير على مدى طويل. وهو ما يعكس “قانون الضغط يولّد الانفجار”، والواقع أن بعض البلاد العربية قد شهدت نماذج من التغيير الفوضوي بما أطلق عليه الربيع العربي والذي أثبت أنه فوضى ودمار، وإن كانت الجزائر تختلف لأنها استبقت الكثير من البلدان في هذه التجربة وعاشت عشرية سوداء لا تزال ماثلة للعيان وتشكل جزءا من الذاكرة الجماعية وبالتالي فإن التغييرات الحاصلة تنبئ بإصلاحات هي التي تقود مسار التطور والتنمية والبناء الفعلي للمجتمع، وكمحصلة فإن أي فعل سياسي أو تغيير لا يكون بأوامر فوقية تأتي من قادة الأحزاب أو غيرهم، ذلك لأن أي نظام حاكم كنتيجة منطقية يسعى للمحافظة على بقائه في الحكم ومن ثم يستحيل أن يكون مسار التغيير والاصلاحات عموديا فحسب إنما يكون متوازيا ومتزامنا أفقيا وعموديا من خلال فعاليات المجتمع المدني والنخب وكذا السلطة وكل الفعاليات الشعبية ويكون انطلاقا من التغييرات الفكرية والتعليمية والسلوكية الاجتماعية          والتطور الاقتصادي  ومن ثم كمحصلة يكون التغيير السياسي، ويشترط ذلك نخبة سياسية واعية وفاعلة تؤمن بضرورة التغيير والتداول تسمى نخب التغيير الايجابي تدعمها مختلف الفواعل الرسمية وغير الرسمية.

كم هو جميل أن نرى في البلاد الغربية طريقة التداول على سدة الحكم الحضارية حيث القادة يتصافحون فرحا بانتصار الديمقراطية، راضين بالنتائج وبحتمية التداول، كما وقع في الولايات المتحدة بعد فوز الرئيس الأمريكي الجمهوري “ترامب” على الرئيس الأسبق الأمريكي الديمقراطي “أوباما” على الرغم من عدم صدق كل التحاليل والاحتمالات، وكم هو محزن في الوقت ذاته أن تسيل الدماء من أجل البقاء في الحكم على أشلاء الشعب ودماء الأبرياء في بعض البلاد العربية، ولا ينفصل الحاكم عن كرسي التسلط إلا بعد إبادة بشرية حقيقية والأمثلة واضحة للعيان بالأمس القريب، وهذا ناتج عن مفهوم خاطئ للتداول وممارسة الحكم وذوبان الفرد قيادة وشعبا في كنف الدولة والإرادة الجماعية، وقد يكون ذلك انطلاقا من التنشئة السياسية الخاطئة وغياب التكوين الحزبي وغياب المفهوم الحقيقي للمواطنة.

فالبناء الديمقراطي الحقيقي ينتج عن قناعة وإرادة فاعلة لا عن مواربة واحتيال وتزوير ومماطلة أفرزت نخبا سياسية لا تستعمل فحسب الوسائل القذرة للبقاء في السلطة بل أصبحت نموذجا مبدعا في القذارة تستخدم كل قدراتها ومهاراتها من أجل التحكم والتسلط في رقاب العباد واستحلال واستغلال خيرات البلاد  وكمحصلة فإن أي نظام هو وليد مجتمعه ونسق علاقاته هي محصلة لذلك، وتغيير النظام الذي هو عبارة عن مجموعة من الآليات والقواعد والضوابط التي تحكم و تسير نسق ما بصورة شرعية لا يكون إلا من خلال المجتمع في حد ذاته بصورة حضارية وسلمية و لذلك يصدق قوله تعالى : “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .”

فإن كان من الصعب إعادة رسكلة فكرية وسياسية لبعض فئات الطبقة السياسية التي لا تفهم من المسؤولية السياسية ومن الانتخابات سوى الاستحواذ على السلطة وكسب المال والجاه باسم الوطنية وشعارات برّاقة أصبح الكل يعرفها ولا تمثل له شيئا، ودليل ذلك النسب الحقيقية للمشاركة في الانتخابات والتفاعل الشعبي مع العمل السياسي الذي أصبح صوريا وشبه منعدم إلا من قبل من له مآرب محدّدة او من قبل بعض الوطنيين الحقيقيين الذين لا زالوا على فطرتهم وما اندرهم اليوم.

ومن المؤكد أنه سيأتي موعد الانتخابات المحلية وقد يتكرّر السيناريو ذاته من فسيفساء سياسية لأحزاب مجهرية وأرضية غير متناغمة ستنتج واقعا من المفترض أنّ الكل يعرف نتائجه مسبقا ومن الآن. غير أنه لن يحدث تغيير فعلي منشود إلا من خلال الارادة الجماعية ومن خلال نخب قيادية فاعلة ومؤثرة لها ايمان راسخ بضرورة التغيير الايجابي والفاعل.

بقلم: بيزيد يوسف.

 

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق