أعمدة

حتى لا تكون فتنة

 

——-

الأمن الروحي

بقلم الكاتب التونسي : محمد الصالح الضاوي

dhaoui66@gmail.com

 

لا تزال مشاهد الموت غرقا لشباب الحرقة، تثير انفعالات الأسر والأفراد في المجتمع… شباب خرج في مغامرة الموت والحياة، ممنّيا النفس بمرحلة جديدة من الحياة، أو بلقاء الله تعالى في أفق العرش… شباب عاش لحظات مع صراع الأمواج، كانت كافية لاسترجاع الشريط الشخصي لكل واحد منهم… تتراءى لهم نقاط تضيء وتختفي، حتى عبور نقطة اللاعودة، والإيقان بالهلاك…ولا تسل عن لوعة الأمهات والآباء… موت بالجملة وبالسرعة وبالجنون… حيث لا منطق يبرر ركوب قوارب الموت… بل والإصرار على إعادة الكرّة بالنسبة إلى الناجين منهم…

كلّ شيء بدأ بالخوف.. حين أخذ في التلاشي فجأة قبل 17ديسمبر… من قلوب الشباب… لم يعد النظام يخيف.. ولا السلطة… ولا القوة الشرعية… أصبحت الخرطوشة حقيرة.. لا قدر لها… صدور الشباب مستقرّ لها… عندها انتقل الخوف إلى الضفة الأخرى… وتهاوى النظام في أيام… وصفقنا للثورة… لكن الشباب واصل ثورته وتحديه للخوف… واكتشفنا من يومها أنه ما ثمّة شيء يستحقّ الإيمان به والدفاع عنه، والخوف من فقدانه، لدى هؤلاء الشباب… لقد خسروا كلّ شيء: كيانهم وقيمهم وشخصيتهم… ما عادوا بحاجة إلى الخوف، كقيمة حياتية طبيعية، يتقاسمها الناس بمختلف مراتبهم..

خروج آلاف الشباب من السجون بطرق العصيان والثورة والإجرام… انتشار الجريمة والبلطجة في كل البلاد…. ركوب مئات القوارب نحو الضفة الشمالية من المتوسط… ظهور موجة من الانتحار حرقا في صفوف الشباب، عدا عن حالات الانتحار في صفوف الأطفال… وارتماء آلاف الشباب في أتون معركة الدعوشة والارهاب…

بالنظر إلى النمط المجتمعي الذي عملت أنظمة ما بعد الاستقلال على ترسيخه، لا يمكن تقبل هذه الظواهر الشبابية، ولا يمكن تفسيرها إلا على حساب فشل المشروع التحديثي الذي لم يراع جانب الأخلاق والروح والدفاع النفسي للأفراد والعائلات… يمكننا إضافة استهلاك المخدرات وممارسة الجس خارج الأطر الشرعية، وارتفاع منسوب الأقليات الغريبة عن مجتمعنا كالمثلية وغيرها…

كارثة بكلّ المقاييس، ما يعيشه شبابنا، أمام عجز الأسرة والمؤسسات والدولة… وفاقد الشيء لا يعطيه… فكّرنا في كلّ شيء مادّي متصل بالأطفال والشباب والأسرة… ولكننا لم نفكّرفي القيم والأخلاق والبناء النفسي الذاتي للفردما الذي يجعل امرأة تصطحب رضيعها في قارب الموت؟؟ حتى غريزة الأمومة تلاشت وانمحت وتراجع منسوبها عند النساء…

تدهورت النفسيات والخطوط الدفاعية الأخلاقية والقيمية لنفسياتنا وشخصياتنا… حتى أضعنا ميكانيزمات التوازن والدفاع الذاتي… بحيث أصبحت التضحية بالذات عملية سهلة وميسرة لكل فئات المجتمع… بالحرقة والانتحار والدعوشة والمخدرات… واكتشفنا أننا فقدنا كل مقامات الإحسان التي عمل الإسلام التونسي التقليدي على تغذيته عبر عصور… فقدنا قيم الصبر والعمل والتوكل والإخلاص … ونحن أحوج ما نكون إليها… طريقة روحية لمعالجة اثأر أزمتنا العميقة…

تفكك أسري ومؤسساتي وتراجع أدوار المسجد والخطيب والفتوّة والقدوة الاجتماعي… فقدان نماذج سلوكية نيّرة، قادرة على التأثير وتقديم قراءة عملية للتديّن المعاصر… طغيان المادّة والمتطلبات المادّية، والانخراط في سباق محموم لجمع حطام الدنيا على حساب الأبناء… تسويق إعلام تجاري في أغلبه، لا يرتقي إلى مقوّمات القيم والآداب والأخلاق ولا يراعي المحاذير التربوية والاجتماعية… كلّ هذه العوامل وغيرها تعبير عن أزمة عميقة نعيشها في صلب فلذات أكبادنا وذواتنا…

وحتى لو أردنا تدارك الموقف، فإن أبناءنا ليس لهم فضاءات لتعلّم القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة والتدرّج السلوكي في مقاماتها لتطهير النفس من رعوناتها وتزكيتها من أجل بناء دفاعات نفسية متماسكة، قادرة على الصمود في وجه الأزمة التي تضرب مجتمعنا…كما أن غياب نماذج جليّة يمكن اتخاذها قدوات، ستدفع بنا إلى فتح أسرنا لحقل تجارب فردية، لا يمكن التكهن بمستقبلها ولا بثمراتها…

نحن نعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وثقافية تربوية، لها تداعيات على حياتنا من كلّ جانب… كما نفكر في خطط وبرامج تقشّف وحوكمة رشيدة، لا بدّ من التفكير أيضا في إعادة تنظيم وسائل دفاعنا النفسية والروحية، وترقية قلوبنا لتجاوز الأزمة بأقل الخسائر… في إطار ثقافة الحياة والاستخلاف والأمانة والإصلاح والانخراط في جوهر الإنسانية… وبعيدا عن النظرة المادّيّة الرّخيصة، التي دفعت وتدفع، أبناءنا إلى رقصة الموت… والتضحية السهلة بالذوات… وتفتيت ما تبقى من حطام أسرة، غفلنا عن احتياجاتها الروحية والنفسية.

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق