ثقافة و أدب

هكذا اغتصب بركات شعبان أفكار مالك بن نبي وترجمها باسمه في “الحضارة” و في “الإيديولوجيا” محاضرات ترجمها و لأوّل مرّة الدكتور محمد باي بغداد إلى اللغة العربية

هما محاضرتان للمفكر مالك بن نبي، ترجمهما إلى العربية الدكتور محمد باي بغداد، المحاضرة الأولى التي بعنوان “في الحضارة” تعود إلى 1968، والمحاضرة  الثانية “في الإيديولوجيا” ألقاها مالك بن نبي في 1972،  تحدث فيها كيف لجأ الاستعمار الفرنسي إلى الاغتيال بواسطة العلم، كما ضمت الترجمة خطاباته إلى ممثل جمعية إسلام بعمان الأردن في فيفري 1960، وإلى كريم بلقاسم  في أفريل ، 1960 وملحق خاص لوثائق صادرة عن المخابرات الفرنسية متعلقة بشخصيات  بارزة في هذه الجمعية كانت تعمل لغير صالح الجمعية، وقد كشف مالك بن نبي بنفسه، كيف استغل أشخاص محاضراته ومنهم بركات شعبان الذي اغتصب أفكاره وترجمها لصالحه…

الكتاب صدر في سنة 2014 عن عالم الأفكار للنشر والتوزيع، يقع في 136 صفحة ضم خطاب  مالك بن نبي خصه للأستاذ كريم بلقاسم وزير الشؤون الخارجة للحكومة الجزائرية المؤقتة بالقاهرة آنذاك، وخطاب بعث به مالك بن نبي إلى ممثل جمعية إسلام، مع ملحق خاص ضم وثائق سرية متعلقة ببعض أعضاء جمعية إسلام، كانوا يعملون لغير صالح الجمعية، أشار المترجم في الهامش من الصفحة 17 أن هذه الوثائق السرية توجد بكتيب يتضمن ثلاثة نصوص جديدة لمالك بن نبي، حول الإيديولوجيا  باللغة الفرنسية وقدم لها المؤرخ الصادق سلّام،  أنجزت  ترجمة الكتاب منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، حيث ألقيت المحاضرة الأولى  بعنوان “في الحضارة” بثانوية عمارة رشيد بالجزائر العاصمة بمناسبة انعقاد الملتقى الأول للتعرف على الفكر الإسلامي، والذي تعود فكرته إلى مالك بن نبي نفسه، أما المحاضرة الثانية ” في الإيديولوجيا”  ألقيت لتحييد الثورة عن مسارها الأصلي والممتدة جذورها إلى الأمير عبد القادر والعبث بنضال الشعب، أما الخطابان اللذان كُتبا باللغة الفرنسة يدخلان في دائرة ما أسماه مالك نبي بـ: “الصراع الفكري”  القائم على الأساليب الخفية الخبيثة، فقد نبّه مالك بن نبي لما يطلق عليه اليوم بالثورات العربية، والتي قال عنها مترجم الكتاب أنها تستحق التعامل الجدي مع فكر الرجل، وباختصار كما يقول المترجم فإن هاتين المحاضرتين  المسجلتين (مسموعة وليست مكتوبة) تميزت طريقة الإلقاء فيها بالارتجالية، كما تعتبر ترجمة لقناعات مالك بن نبي، هذه القناعات في الحقيقة جعلته موضع تهديد ومضايقات قبل الثورة وحتى بعد الاستقلال والعمل على إقصائه وتغييبه.

في الحضارة.. محاضرة ألقيت عام 1968

ففي محاضرته الأولى يرى مالك بن نبي أن الحضارة الغربية قد أحكمت سيطرتها على مصير العالم في القرن الـ: 19 الذي وصفه بالعصر الذهبي ،لأنها كانت تعيش في يسر وسعادة، وقدم مثلا ببلجيكا التي أرادت السيطرة على جزء من القطاع الاستعماري  في إفريقيا واختارت الكونغو،  لكن على إثر الحرب العالمية الثانية أدركت أوروبا أنها أمام ظروف جديدة قاسية، وأجبرت على إعادة النظر في نظمها  وسيرها السياسي التاريخي والاجتماعي، والعمل على تكوين الوحدة الأوروبية الجديدة، هذه الوحدة جعلت شخصية مثل ديغول يقول بأن أوروبا   تتصل حتى أورال l’oural، وقد صاغ مالك بن نبي مصطلح العالمية le mondialisme   في خمسينات القرن الماضي للتعبير عن التحولات الكبرى التي بات العالم يعيشها، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت صياغته هذه نابعة من تأملاته ودراساته الموضوعية لأوضاع العالم . بحيث تمثل صرخة للضمير العربي والإسلامي في سبيل يقظته،  لكي يدخل التاريخ، كمشارك فاعل لا كمتفرج سلبي، في صنع القرار العالمي الذي ما يزال غائبا ومغيبا عنه.

لا يمكن التطرق طبعا لما جاء في الكتاب بالتفصيل، لأن ذلك يأخذ حيزا كبيرا، لأن المحاضر تطرق إلى الحديث عن دول حاولت دخول عالم التصنيع مثل اندونيسيا. وذكر كيف اعتمدت على كبار المخططين أمثال الدكتور شاخت باعتباره أكبر اختصاصي في التخطيط آنذاك، وأعطى مثالا عن دولة ألمانيا وباكستان وقارن هذه الدول باليابان، كما تحدث عن روسيا، وكيف رفضت كل الديانات عدا العقيدة الماركسية، فمالك بن نبي يرى أن المشكلة ليست اقتصادية وإنما هي حضارية، يقول ملك بن نبي : ” إذا أردنا أن نغش أنفسنا، توجب علينا أن نصارحها بالحقائق اللازمة مهما كانت مُرّة، فنسمي الأشياء بمسمياتها، ويعطي مثلا بالطبيب الذي يغش نفسه والمريض حين يقول له أن حالته الصحية حسنة وأن المرض بسيط…الخ، ويستنتج مالك بن نبي أن القارة التي توجد بها حضارة، هي القارة التي تمنح للمجتمع جميع الإمكانيات لمواجهة مشكلاته، وقدم مالك بن نبي مفهوم الحضارة ومعنى الضمانات الاجتماعية اللازمة لكل فرد يعيش في مجتمع ما،  والعلاقة التي تربط الإسلام بالحضارة، ثم يقول أن الحقيقة الإسلامية حقيقة محصنة، لكن الشعوب الإسلامية لا تعرف كيف توظف هذه الحقيقة وتجعلها أداة عمل وخلاص.

في الإيديولوجيا… محاضرة ألقيت عام 1972

هذه المحاضرة ألقيت سنة 1972 بمدينة باتنة أمام طلبة المدرسة العسكرية للأسلحة المدرعة، تحدث فيها عن الأساليب الشيطانية، التي يبتكرها خبراء الصراع الفكري، ويتأسف لكونها موجودة في ايدي أخصائيين يملكون القدرة على التلاعب  بالأفراد ،وأحيانا بالجماعات، وخص شرحا مفصلا عن الصراع الفكري في هامش صفحة الكتاب، الحقيقة هناك أمور لا يمكن عرضها بغية الحفاظ على الملكية الفكرية للمترجم، لأنه أجرى تعليقا لمحاضرات مالك بن نبي ، الذي يعدُّ أول من صاغ أيضا فكرة الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وهو أول كتاب  وضعه المؤلف باللغة العربية صدر عام 1960 بالمعادي مصر، يقول مترجم المحاضرة أن محاضرة التخطيط والإيديولوجية  ألقاها مالك بن نبي في أخريات حياته، وقد استعمل مالك بن نبي  مصطلح ” المفهومية” كترجمة “إيديولوجي”  ideologie إلى العربية،  وقدم شرحا لهذا المفهوم وشروط تحقيه، وكان مالك بن نبي قد ألقى محاضرة حول المفهومية في 24 فيفري 1964، وكانت هذه المحاضرة قد جمعت ضمن محاضرات أخرى في كتاب عنونه بـ: ” آفاق جزائرية ” ..

ما وقفت عليه وأنا اقرأ هذه الترجمة أن بعض الأقلام التي اعتادت السرقات الفكرية نسبت بعض أفكار مالك بن نبي إليها  وهو ما أشار إليه المترجم في الهامش، بأن بعض من يدعون أنهم من تلامذته أنهم نشروا محاضراته في كتاب بالفرنسية حملوه عنوان les grands themes، قبل أن يترجم  تحت عنوان ” القضايا الكبرى” سنة 1991،  وقد أشار مالك بن نبي بنفسه إلى قيام أشخاص بإصدار طبعات مُعَرَّبَة لأحد كتبه  بالفرنسية  والذي تحت عنوان:  vocation de l’islam، وهي ترجمة يقول مالك بن نبي لم أرخص بها ولم أستأذن بشأنها،  ولم أكن أعلم شيئا عنها، ويضيف بن نبي بالقول : لقد اغتصب هذه الطبعة أحد الطلبة السابقين في باريس المدعو بركات شعبان، ولجأوا إلى بعثرة الأفكار وتشويهها، وكلن بركات شعبان قد دبر  بمعية منشورات  لو ساي edition le seuil، الفرنسية فأقدم على ترجمة الكتاب باسمه، وهي الطبعة التي تداولت  وإلى اليوم بالسوق الجزائرية،  ولم يتوقف البعض عند هذا الحد، بل حاولوا اتهامه بالتطبيع، حين اكتشف أن اسمه أدرج ضمن اسم أحد يهود مدينة فيينا واسم “حيدر بامات ” واسمه القديم  جورج ريفوار georges rivoire،  صاحب كتاب ” وجه الإسلام”، وكان هذا الأخير عميلا في المخابرات، ومنشورات كبيرة من هذا النوع، كتبت مقدمتها بأقلام جزائرية تُحفِّظ عن ذكر أسمائهم، ونشير هنا أن ما جاء في ذيل الصفحة (التهميشات)  في غاية الأهمية لأنه يكشف حقائق كثيرة لا يسهل ذكرها في هذا المقام.

 قراءة علجية عيش

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق