تحقيقات

التصحر والحرائق يضغطان لبعث “السد الأخضر”

بعد تآكل الحزام النباتي على طول 1500 كيلومتر

التصحر والحرائق يضغطان لبعث “السد الأخضر”    

 

 

تتجه الحكومة في اتجاه إعادة إنجاز حزام نباتين يربط الحدود الجزائرية الغربية والشرقية على طول 1500 كيلومتر، مدفوعة في قراراها بظاهرتي التصحر وحرائق الغابات التي تأتي على الأخضر واليابس سنويا، وسط تحديات تعترض المشروع الضخم.  

مدة ربع قرن من تجميد مشروع إنجاز ما يعرف بـ”السد الأخضر” في الجزائر لوقف زحف رمال الصحراء على المناطق الزراعية في شمال البلاد كانت كافية، ليصبح التصحر وحرائق الغابات خطرين محدقين ، الأمر الذي دفع وزارة الفلاحة والتنمية الريفية لاستئناف العمل لتشجير مئات آلاف الكيلومترات المربعة لتشكيل غابة عملاقة تمتد من الحدود الشرقية إلى الغربية على عمق يتراوح بين 5 و50 كيلومترا.بيد أن رفع التجميد عن المشروع الذي أنشئ بسواعد الجيش الوطني، تبقى تطاله عدة استفهامات تقنية.

استفهام تقني

ويتحدث في هذا الصدد، مسؤول بمديرية الغابات الذي يعمل على إعطاء نفس جديد للسد الأخضر أن “المشروع في بدايته الأولى، لم يرفق بدراسات تقنية وعلمية إذ عرف افتقارا لدراسات تقنية لمدى ملاءمة النباتات المراد غرسها هذا النقص مرده لافتقار الجزائر، ربما في تلك الفترة لخبراء متمرسين، فلا يجب أن ننسى أن انطلاق المشروع كان بعد ثماني سنوات فقط من الاستقلال”، ووفق المسؤول الجزائري، فإن المشروع أطلق على عدة مراحل وإن كانت المرحلة الأولى تمتد من 1970 إلى 1980 التي عرفت بداية عمليات الغرس المكثف، فكانت الثانية الممتدة من 1981 إلى 1991 مرحلة تصحيح أخطاء المرحلة الأولى، على قاعدة التقارير الكمية والنوعية، ومن أهم ما جاء فيها هو اقتسام دور تسيير المشروع بين شباب الخدمة الوطنية ومصالح الغابات، وتم إقرار تنويع النباتات التي يتم غرسها، حيث انتهت عهدة الصنوبر الحلبي وتم إقحام عشرات الأنواع من النباتات المحلية والدخيلة عن المنطقة، منها شجيرات ونباتات من أمريكا.
ولن يتكفل الجيش هذه المرة بإنجاز السد الخضر؛ بل سيوكل لمؤسسات في الولايات والبلديات التي ستكون معنية بأمر إنشاء المشاتل وتشجير المساحات المحددة، وسقيها والسهر على سلامتها من الرعي والحرائق. خصوصا وان مساحته ستتوسع من 3 ملايين هكتار إلى 4 ملايين، حسبما كشف المدير العام للغابات عبد القادر يطو، أين تم إنجاز دراسة لرصد نقاط قوة و ضعف المشروع،  و سيعود للسد اعتباره، برؤية جديدة تأخذ في الاعتبار خصوصيات المنطقة التي يتواجد بها.

و تراهن السلطات الجزائرية على السكان المجاورين للغابات ليكون باستطاعتهم مزاولة نشاطات فلاحية حسب نصوص تنظيمية، كغرس للأشجار المثمرة  و المشاتل و تربية النحل.

وهناك سبب آخر دفع الجزائر إلى بعث الحزام النباتي ، فهي ترى نفسها من الدول المتضررة “جدا” من التغيرات المناخية بحسب تعبير وزير الموارد البيئية والبيئة السابق عبد الوهاب نوري، عقب مباحثات في الموضوع مع مسؤولي صندوق الأمم المتحدة للمناخ ، مؤكدا أن مشروع السد الأخضر يعد أحد المشاريع الرائدة، في مجال مواجهة التغيرات المناخية.

ولعل الجلفة التي تعتبر بوابة الصحراء الجزائرية جنوب غرب العاصمة، من الولايات النموذجية التي مسها حزام هام من السد الأخضر منذ انطلاقته بها في 1974، التي تم غرس فيها 30580 هكتارا، بغابات المجبارة وجبال القعدة وحد الصحاري وغيرها… لكن عوامل إنسانية ومناخية أفشلت المشروع، المرتقب إعادة النظر فيه قريبا، و يرجع بعض فلاحي المنطقة ممن التقينا بهم،فشله منذ البداية، إلى عوامل عدة يتقدمها غياب المعاينة التقنية ورداءة البذور و استغلال مزارع رعوية لغرس أشجار الصنوبر الحلبي، فضلا عن انعدام الحراسة والسقي. وعلى الرغم من إعادة بعث إستراتيجية جديدة سنة 1997 ،خاصة في نهاية بداية تحول المشروع من السد الأخضر، إلى إنجاز شريط أشجار عازل بين الشمال والجنوب، تتمثل في العناية بمساحات من خلال إعادة بعث الاخضرار فيها والأهم الحياة، إذ تتركز هذه المساحات في المناطق السهبية، حوالي 7 ملايين هكتار ، فانه لم يتم تأهيل وغرس سوى ثلاثة ملايين، والسبب مرتبط بالإمكانيات المادية.

و يلاحظ على أشجار السد الأخضر، أن طولها لا يزال قصيرا رغم مضي نحو 44 سنة على غرسها من طرف شباب الخدمة العسكرية، في مرحلتها الأولى ، ويؤكد في هذا المجال الخبير في الزراعة الأستاذ منصوري ربيع، أن الرعي الجائر أكثر من يكبح نمو الأشجار وأيضا ما يعرف بـ”دودة الصنوبر” المتسببة في تأخر نمو الأشجار، أربع سنوات كاملة في كل مرة تتغذى عليها. مذكرا بوجود نوعين من النباتات في السد الأخضر، وهما النباتات الغابية متمثلة في البلوط الأخضر والصنوبر وشجرة الفستق من الأطلس،الأشجار البرية أما النباتات الرعوية فهي تتألف عادة من الحلفاء الذي يستغل لصناعة الورق.

و بولاية باتنة أتى الجفاف على ما تبقى من السد الذي كان يعمل على حماية ما يقارب نصف مليون هكتار من أراضي بلديات الجنوب والجنوب الغربي للولاية، فأجزاء منه اندثرت بمجرد الانتهاء من غرس الأشجار بفعل اختيار نباتات وشجيرات غير ملائمة، إضافة إلى عدم صيانة ومتابعة ما تم تشجيره بصورة جدية، حتى أن هناك أماكن تعرضت لإبادة كل ما تم غرسه بسبب الرعي غير القانوني في غياب أية رقابة .

و ينطبق الأمر كذلك على المحيطات الغابية ببلديات نقاوس و رأس العيون وعين جاسر بمحافظة سطيف شرق البلاد، التي تعرف موت آلاف الشجيرات إما لإصابتها بأمراض طفيلية أو بسبب الإهمال أو الجفاف وحتى الحرائق ومن الإهمال تحولت مساحات إلى أماكن لرمي النفايات.

المرحلة الثالثة

و تبقى الجزائر مطالبة بالأخذ بعين الاعتبار نصائح الخبراء لإنجاح مرحلته الثالثة، التي انطلقت منتصف العام 2016 حيث يعبر السد الأخضر عدة ولايات أهمها الجلفة، باتنة، خنشلة، المسيلة، البيض، الأغواط، سعيدة، النعامة، بهدف إعادة التوازن الإيكولوجي وحماية الغطاء النباتي الموجود، لا سيما و أن منطلق التفكير بدأ سنة 1967 أي بعد أربع سنوات من استقلال البلاد، لما رصدت السلطات المحلية حينها تسارع زحف الرمال نحو الشمال بنسبة مذهلة مهددا الأراضي الخصبة القليلة التي كانت تستغل في الزراعة.

فقد عرفت الجزائر أشكالا مختلفة من التدهور، حسب خصوصيات كل منطقة حيث أن منها 200 مليون هكتار أراض صحراوية وحوالي 14 مليون هكتار أراض بالمناطق الجبلية تأثرت بالانجراف المائي و32 مليون هكتار أراضي المناطق السهبية، تأثرت بظاهرة التصحر أو مهددة بالتصحر و4.1 مليون هكتار من الغابات مهددة بالتقلبات المناخية.

وفي الوقت الراهن، ضاعفت حرائق الغابات من تهديد الثروة الغابية في شمال الجزائر ، إذ تسجل مصالح الحماية المدنية خلال 24 ساعة 24 حريقا غابيا ـ أي بمعدل حريق غابي كل ساعة ـ و2 حريقا أدغال على مستوى البلاد. علما أن المساحات الغابيّة المتضررة من الحرائق في الجزائر، بلغت 38 ألف هكتار العام الماضي، وهي مساحة هامة مقارنة بالثروة الغابية المحدودة، التي تملكها الجزائر والبالغة 4.1 مليون هكتار.

ولا يمكن فصل تلك الأهداف عن المساعي الاجتماعية من المشروع، المراد منها أيضا القضاء على البطالة والعزلة التي كان يعيشها غالبية سكان تلك المناطق ، إذ كان لهذا السد دور في نشوء 400 قرية نموذجية جديدة، و الحد من هجوم الصحراء على المناطق الحضرية.
و يرفض من جانبهم مسؤولو قطاع الفلاحة إلصاق تهمة الإخفاق بالمشروع في مرحلتيه الأولى والثانية ويرونها مبالغة ، فحسب مدير استصلاح الأراضي ومكافحة التصحر خليفة عبد القادر فإن 500 ألف هكتار التي تم غرسها أو العناية بها، تمثل المساحة المصنفة في خانة الأولويات، فلا يمكن “إغفال أن هناك مساحات صخرية، كثبان رملية، لا يصلح فيها شيء، وتمثل مساحة 500 ألف هكتار المنجزة..” وفق تصريحه . وفي رأيه يكفي النظر إلى محافظة المسيلة التي تحولت إلى غابات، ويمكن القول أن نسبة نجاح المشروع بلغت 60 بالمائة.
أرقام تختصر المشروع:

– مخطط العمل الحالي توسيع مساحة السد على أكثر من 7ر1 مليون هكتار عبر 10 ولايات وإعادة تأهيل الأشجار الموجودة به على أكثر من 159.000 هكتار.

-توسيع المساحة الغابية والكثبانية على أكثر من 287.000 هكتار، وإنجاز شرائط مرورية خضراء على مساحة 26.000 هكتار.

-توسيع المساحة الرعوية على 8ر1 مليون هكتار وتأهيل وتطوير المساحة الغابية على أكثر من 295.000 هكتار.

ـ منذ إطلاق السد الأخضر تم غرس مساحة غابية تفوق 300.000 هكتار ومساحة رعوية تفوق 42.000 هكتار وغرس أشجار مثمرة على مساحة 21.000 هكتار وإنجاز 1.500 وحدة لتعبئة الموارد المائية.

-مساحة السد قرابة 10 بالمائة من المساحة السهبية بالجزائر، فيما تمثل 20 بالمائة من المساحة الغابية.

تحقيق: لؤي ي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق