حوارات

الدكتورة حورية زلاقي لـ ” التحرير ” : واقع اللسانيات العربية الراهن يشير إلى أنها ما تزال في صراع مع الذات أمام التطور المتسارع للمنجز الغربي

الدكتورة حورية زلاقي أستاذة محاضرة بجامعة محمد بوضياف بالمسيلة، أستاذة في علوم اللسان العربي، وعضو مخبر الدراسات اللغوية النظرية والتطبيقية بجامعة المسيلة – من مواليد 08 أوت 1967، حاصلة على شهادة ليسانس في اللغة والأدب العربي من جامعة محمد بوضياف بالمسيلة سنة 2003 والماجيستير في اللغة  تخصص علوم اللسان العربي  2008 و دكتوراه العلوم في تخصص المعجمية وقضايا الدلالة من جامعة سطيف 2 سنة 2016.

 

التحرير:كيف كانت بداية اهتمامك باللسانيات والمصطلحية والمعجمية ؟

 

بدأ اهتمامي باللسانيات عموما وبعلوم اللسان العربي بشكل خاص، مع مرحلة ما بعد التدرج بجامعة فرحات عباس بسطيف، كانت الرغبة جامحة في كشف أسرار البيان العربي للوصول إلى خصائص البيان الكامل والأعلى، ممثلا في النص القرآني المعجز، وكانت أولى قطوفه دراسة  في جزء من النص الكريم، لنيل شهادة الماجستير، توسع اهتمامي بعدها ليستوعب مختلف فروع اللسانيات ومنها المعجمية والمصطلح اللساني ولكن حظيت الصوتيات تحديدا بالنصيب الأوفر منها.

التحرير:ما هو وضع اللسانيات العربية اليوم وما أهميتها و قيمتها لشعوبنا؟

إن القيام بإطلالة سريعة وعامة على ما هو سائد في أدبيات البحث اللساني العربي الراهن، ليكشف عن ذلك الاهتمام المتزايد باللسانيات ومختلف فروعها كمّا وكيفا، غير أنه لا يمكن أن نتغاضى عن حقيقة موضوعية مفادها أننا لم نصل بعد إلى جني الثمرة المرجوة ، بالرغم من تلك الجهود المتلاحقة خاصة جهود بعض اللسانيين المتميزين على قلتهم، إذ ان هذا الاهتمام لم  يحقق بعد ما كان متوقعا منهن على غرار ما هو سائد في الأوساط اللسانية الغربية، بالرغم من ولوج الدرس اللساني الغربي إلى الثقافة العربية منذ ردح من الزمن. فالملاحظ عموما أن مجمل الأبحاث المقدمة لا تخرج عن أحد نمطين، الأول: أبحاث تتصل اتصالا وثيقا بالتراث، وتلتصق به شكلا ومضمونا، كونه جزءا لا يتجزأ من هوية الأمة، إذ يحفظ اللغة وعاء هذه الهوية، و ينأى بها عن التغريب الذي من شأنه أن يطالها في حال إخضاعها للمفاهيم والأساليب المنقولة عن الغرب.

والثاني: أبحاث منقولة مباشرة عن الغرب إلى الدرس اللساني العربي من خلال الترجمة التي اتسمت في الغالب الأعم بالنقل الحرفي عن الأعلام المؤسسين للسانيات الحديثة في أوربا وأمريكا، في نوع من التبني المطلق لنظرياتهم منذ مطلع القرن العشرين إلى الآن.

أما عن أهمية اللسانيات وقيمتها في مجتمعاتنا فشأنها شأن أهميتها عند غيرنا، وتتلخص في الآتي:

1-    تسعى اللسانيات العامة إلى معرفة أسرار اللسان البشري باعتباره ظاهرة عامة، ومشتركة بين جميع أفراد البشر.

2-    الكشف عن القوانين الضمنية التي تتحكم في البنية الجوهرية للغة.

3-      التوصل إلى معرفة الخصائص الصوتية، والصرفية والتركيبية لكل لسان من أجل وضع قواعد كلية تشترك فيها كل اللغات.

4-    اكتشاف الخصائص العلمية التلفظية، وحصر العوائق العضوية والنفسية والاجتماعية التي تحول دون عملية التواصل اللغوي.

التحرير:تعاني اللسانيات العربية أزمة ما يصطلح عليه بـ ” الانفصال القائم بين النظرية والتطبيق ” ، ما رأيك وبما تفسرين  كثرة الكتابات النظرية وغياب  الجانب التطبيقي (الممارسة)؟

مما لا شك فيه أن اللسانيات العربية تطمح إلى إنتاج معرفة لسانية تساهم في إثراء البحث اللساني العالمي، وتكون في مستوى منافسة الغرب تنظيرا وتطبيقا، ولكن واقعها الراهن يشير إلى أنها ما تزال في صراع مع الذات أمام التطور المتسارع للمنجز الغربي، خاصة ونحن نسير في مواكبة هذا التطور سير المتتالية الحسابية بالنسبة للمتتالية الهندسية على حد تعبير المرحوم الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح، لأجل ذلك فدرسنا اللساني أحوج ما يكون إلى استيعاب ذلك المنجز من خلال الانفتاح على مختلف التصورات التي تعرضها المذاهب اللسانية الحديثة. ذلك أنه بالرغم من ثرائه بكتابات لسانية نظرية ومنهجية متميزة تجاوز بعضها حدود عالمنا العربي إلى العالمية، وخاصة منها الكتابات التي أنجزت بغير اللغة العربية إلا أنها – وهو رأي عدد من الباحثين النقاد- لم تحظ بالتقويم النظري والمنهجي الذي يتيح استثمارها إيجابيا في تنمية الدرس اللساني العربي والنهوض به؛ إذ لم يتم بعد أي تحليل منهجي شامل ومتكامل لأبعاد حدودها في مقاربة اللغة العربية لسانيا، واستثمار نتائج هذه المقاربة بما يعود بالفائدة على مجتمعاتنا في الميدان التطبيقي.

التحرير:يرجع للجزائريين  فضل كبير في ميدان اللسانيات (عبد الرحمن الحاج صالح) ، فما هي النظريات اللسانية التي يبحث فيها الجزائريون المتخصصون في اللسانيات، وكيف ترين ما قدمه أب اللسانيات العربية الحاج صالح؟

للجزائريين دور بارز في البحث اللساني المعاصر، ولعل أبرز قاماته العلمية الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح، إذ يتفق كثير من الباحثين على أنه أب اللسانيات مغاربيا وعربيا، وأحد الأعلام البارزين في النهوض بالدرس اللساني العربي الحديث؛ فقد دعا إلى إعادة قراءة التراث بمنظار علمي بعيدا عن الاستنطاق والتحليل الهزيل، وعن التعسف في التأويل بلا حجة أو دليل. وقد اقترن اسمه بما سمي بالنظرية الخليلية الحديثة، إذ يعتبر المؤسس الحقيقي لها بعد جهود مضنية من البحث اللغوي، الذي تناول ما أنتجه الغرب خلال عقود من الزمن وما قدم من جهود بحثية  تتصل بالتفكير اللغوي عند العرب في ضوء اللسانيات الحديثة.

لأجل ذلك كانت مفاهيم النظرية الخليلية الحديثة قد تأسست على إعادة قراءة التراث العربي حيث تبحث في خفايا طروحاته وتؤصل لقضاياه دون تعصب للقديم ولا انبهار بالحديث، إذ تحمل قراءة جديدة له ممثلة في جهود العلامة الخليل وتلميذه سيبويه ومن سار على هداهما، وتتمحور حول التعريف بعلوم اللسان العربي وبيان خصائصها ومضامينها النوعية انطلاقا من مقولات اللسانيات الحديثة، وكانت رؤية الأستاذ عبدالرحمن الحاج صالح في إقامة صرح هذه النظرية قد بنيت –حسب بعض الباحثين-على أساسيين، أولهما: أن التراث العربي لا يفسره إلا التراث العربي، فكتاب “سيبويه” على سبيل المثال لا يفسره إلا كتاب “سيبويه”؛ لأنه من المحال أن نُسقط على التراث مفاهيم، وتصورات لا تأخذ في الحسبان خصوصياته. وثانيهما: أن التراث العربي في العلوم الإنسانية عامة، واللغوية خاصة ليس طبقة واحدة من حيث الأصالة والإبداع.

وليس بغريب بعد أن استوت مبادئ النظرية الخليلية الحديثة على سوقها أن يصل بعض الدارسين إلى خلاصة مفادها أن المتأمل في التراث اللغوي العربي يشهد بوضوح اعتماد العلماء العرب القدماء في تحليلهم للظاهرة اللغوية على مفاهيم، ومبادئ لغوية كان لها دورها العظيم في تفسير العلاقات المعقدة المجردة الكامنة وراء اللغة، وكان لها أثرها في تطوير المفاهيم حول الظواهر اللغوية؛ لأنه  من الغريب جدا أن تكون هذه الأعمال [ اللغوية ] التي لا تضاهيها إلا ما أبدعه العلماء الغربيون في أحدث أعمالهم، مجهولة تماما في كنهها، وجوهرها عند كثير من الدارسين، والاختصاصيين المعاصرين.

التحرير:ألايمكن القول أن برحيل  عبد الرحمن الحاج صالح ضاعت  جهود كثيرة وأبحاث مهمة كانت ستضفي زخما  للبحث اللساني ؟

جهود الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح متشعبة في ميادين عديدة، تتضافر في مجملها لخدمة العربية والحفاظ عليها، لعل أبرزها مشروع الذخيرة اللغوية العربية حيث دعا إلى تبني المنهج البنيوي من خلال هذا المشروع عن طريق البرمجة الحاسوبية، وإنشاء جوجل عربي أو ما يسمى بالبنك الآلي العربي، ويعتمد مشروع الذخيرة على وسائل التكنولوجيا الحديثة (الحاسوب، شبكة الإنترنيت..)، بحيث يتم تخزين، وحيازة الكتب، والمؤلفات العربية القديمة، والحديثة التي لها صلة بالتراث اللغوي العربي بواسطة الحواسيب، وبعد ربطها بمحرك بحث يتم وضعها تحت تصرف كل باحث، ومتطلع عبر موقع في الإنترنيت، وكانت أول فرصة عرض فيها فكرته في مؤتمر التعريب الذي انعقد بالعاصمة عمان سنة 1986، فأوضح أهمية المشروع في البحوث اللغوية والعلمية، خاصة على مستوى توحيد المصطلحات، ورصد المفاهيم، واستثمار وسائل التكنولوجيا الحديثة.

و ما من شك في أن هذه الجهود قابلة للإثراء والتطوير والتعميق إن وجدت من يتبناها ويتعهدها بالرعاية من تلامذة الأستاذ المرحوم و غيرهم ممن آمنوا بفاعليتها وجدواها في النهوض بالبحث اللساني العربي.

التحرير:كيف تقيّمين وضع اللسانيات في الجزائر خصوصا والمغرب العربي عامة؟

وضع اللسانيات في المغرب العربي عامة والجزائر خاصة لا يختلف عن وضعه على مستوى عالمنا العربي، فالذي يكتب في مجال اللسانيات العربية يوصف بالرغم من كثرته بأنه نوع من الخطاب اللساني الهزيل على حد تعبير اللغوي الفاسي الفهري، باستثناء تلك الجهود الواعدة لعدد من الباحثين القلائل تتوزع بين أقطار الوطن العربي، لعل أبرزهم مغاربيا على سبيل المثال لا الحصر عبد الرحمن الحاج صالح والفاسي الفهري  ومصطفى حركات ومصطفى غلفان.. وهذه الجهود لن تؤتي ثمارها إلا إن استطاعت تجاوز الصعوبات والعوائق التي تعترض سبيلها، ولا شك أن إشكالات اللسانيات العربية كما يقول مصطفى غلفان هي جزء من إشكالات عامة تعرفها العلوم الإنسانية العربية، وتتبدى في كون لسانياتنا لم تنشأ في أحضان الثقافة العربية القديمة لتكون استمرارا وتطويرا لها، إذ لم تأت نتيجة تطور ذاتي طبيعي وتلقائي في مواجهة واقعها، بل كانت أحد مظاهر عملية التثاقف التي تعرض لها الفكر العربي في العصر الحديث.

التحرير:ما هي نصائحك للباحثين  اللسانيين الشباب؟

الباحثون اللسانيون الشباب أمام تحد كبير في الارتقاء بالبحث اللساني من مجرد العرض النظري للأفكار والمفاهيم اللسانية الحديثة إلى اكتشاف الواقع العربي بوصفه معطى قابلا للتحليل والبحث، من خلال نموذج لساني متكامل، يمكّن من إبراز خصائص هذا الواقع ومعالجة مشكلاته في إطار تحديات العولمة في واقعنا المعاصر، إذ لا قيمة لأي فكر أو علم يظل محصورا في إطار ما يمكن تسميته بالسرد النظري العقيم، ولعل ذلك يقتضي التمييز الحاسم بين نوعين من الدراسة، أولاهما هي ما اصطلح عليه الباحثون باسم: لسانيات العربية التي تصب اهتمامها على اللغة العربية في مختلف أنساقها بوصفها ليست مستوى استعماليا واحدا بين فترة تاريخية وفترة تاريخية أخرى، فتكون لها موضوعا  وهدف  في الآن نفسه، فتصفها في مختلف مستوياتها: صوتا وصرفا ونحوا ودلالة. وثانيهما ما يسمى باللسانيات العربية وهي ذات مجال أرحب وأوسع، إذ يمكن أن تشمل كما يرى الفاسي الفهري ما هو مكتوب من اللسانيات الأجنبية ، حيث تشتغل على اللغة بوصفها ظاهرة بشرية عامة، فتساهم في بناء وصياغة نظرية عامة قابلة للتطبيق على مختلف الألسن البشرية.

كلمة تودين قولها ؟hgjpvdv:

بالرغم مما نعانيه من التخبط في التبعية بالنسبة للبحث اللساني، فإنه لا يسعنا إلا الإقرار بأن الجهود اللسانية المبذولة حتى الآن ممن وهبوا أنفسهم للعلم أخذا وعطاء تستحق التقدير والتنويه، وتحتم على الباحثين اللاحقين حمل أمانتها بقوة من خلال متابعة المسيرة  قدما للارتقاء بها نحو مصاف الدراسات اللسانية العالمية.

التحرير:كلمة للجريدة، وللقراء؟

في الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل للجريدة والقائمين عليها، وفي مقدمتهم الأستاذ بن يوسف لخضر الذي منحنا هذه الفرصة للمشاركة في هذا الفضاء التفاعلي الرحب، خدمة لمجال البحث العلمي عامة و للعربية خاصة، ومن خلاله أقدم تحياتي لقراء الجريدة عسى أن يجدوا في قراءة هذا الموضوع ما يجمع بين المتعة والفائدة، والله من وراء القصد وهو يهدي للسبيل الأقوم….

حاورها / أ . لخضر . بن يوسف

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق