مقالات

الأصالة مقوم يعم كل المواقف والتصرفات

 

كلمة الأصالة من الكلمات التي لها وقع خاص على نفوسنا لأنها تداعب عواطف وأحاسيس عميقة ومتأصلة نعتبرها أولى مقومتنا الاجتماعية التي توحي إلينا بمعاني الحياة وتذكرنا بأمجاد هي في أعلى مراتب السمو وان تراكم عليها غبار النسيان وحاول تجاهلها الخصوم ومن خالط نفوسهم شئ من الغرور ولسنا بدعا في كل ذلك لأن كل شئ إنما يدركه أهله المختصون فيه أما باقي الناس فيتصورونه مجرد تصور ، قد يكون خيالا تتراقص أشباحه أمام المخيلة ثم لا تلبث أن تزول وتضمحل معالمه حتى من أمام المخيلة ذاتها .

ومن هنا يكون الإيمان بالأصالة بل ومحاولة إدراك مدلولها إنما هو من نصيب الأصيل فقط الذي يأبى عليه معدنه الثمين الخالص أن يتحلل مهما كانت السوائل التي تخالطه أويذوب في غيره كيفما كان نوع هذا التغير لأنه أجنبي عنه ومن مادة لاتمت بصلة فأي محاولة التئام اوسبك هي من قبيل التعسف والتصنع الذين لايخفى أثرهما على أحد ولايمكن لعاقل إن ينكرهما وأن المتأفف من أصله والمبتعد عن منبعه لمنكر لأعز ميزة من ميزاته وساخر من نفسه قبل أن يسخر من أصله التي منها انحدر واليها يصير وأنه في النهاية لحطم لجناحه الذي به يطير وكم هو رائع ذلك الأثر الخالد الذي يقول (يدك منك ولو شلاء) وأن في أمثالنا الشعبية الحكيمة لكثير مما يقرر هذه الحقيقة الاجتماعية … اذنرى العامة يعبرون عن هذا المعنى مرة باليد فيقولون مامؤداه  (مارتفعت عين على حاجبها ) ، إلي غير ذلك من الحكم التي تبقى لنا طابعنا ومقومات امتنا مابقيت تردد على ألسنتنا وتعتبر ضوابط تحدد السلوك الأقوم وتخطط الغايات البعيدة ، وان الحفاظ عليها والتمسك بها ليمثل كلا لايقبل التجزئة ، ذلك أن المهندس الأصيل والطبيب والأستاذ المعتز بقوميته يقضون السنوات الطوال في المهجر طلبا للعلم والمعرفة ويكتسبون من احتكاكهم بأوساط أخرى بعض العوائد والأخلاق والمعلومات وترتفع مستوياتهم الذهنية والمعرفية والمادية ولكن كل ذلك لن يؤثر أبدا في حنوهم وعطفهم وتقديرهم للأمومة والأبوة والوطن ومرابع الطفولة ، فينسجم الواحد مع ثقافته ومهنته وينسجم في الآن نفسه مع موطنه ووطنه ومع أقاربه ومواطنيه كيفما كان لباسهم وعلى أي لون كان لون معيشتهم وهؤلاء فقط هم الذين تصدق عليهم كلمة ” وطنيين ” ثم يتوجون بتاج الأصالة . أما الذين يرون أن ذهابهم إلى القرية أو الريف الذي يسكن فيه أهلهم نوع من المجاملة الثقيلة والبر السخيف وأن بقاءهم بجانب أولائك الأهل الذين مااعتقدوا لحظة إن هم ينجبون عدوا لهم يحتقرهم ويتأفف من الاقتراب منهم قلت أن بقاءهم بجانب اولائك الأهل هو ضريبة تؤدي على الأجسام والعقول والأرواح هو السجن الضيق المظلم هؤلاء فقط هم الذين يرون أن كلمة الأصالة هي نوع من أنواع التخلف لأنها خرافة أجترتها أجيال الظلمات والرجعية . وأن التحرر الذي تفيأت ظلاله الإنسانية في القرن العشرين يجب أن يكون أول مفهوم له وهم في الواقع لم يميزوا بين التحرر الذي معناه الانحلال والذوبان أما الوطنية فإذا كانت من المطاوعة والليونة بحيث يفهمونها كما شاؤوا فمرحبا بها؟

وإذا كانت طلسما ولغزا فلا حاجة اليهم بها ، إن أمثال هذا النمط من البشر لموجود في جميع المجتمعات النامية ولسوء الحظ قد يكون عدده في تزايد وكفته .في رجحان وأن وزر غلطة لمحلول على الأمة قاطبة وعلى من بأيديهم التوجيه بصفة خاصة لأن تفاقم هذا الداء يشكل خطرا على الأمم لايصل إليه خطر الاستعمار الذي جثم على صدرها حقبا من التاريخ ثم زحزحته بقوة أصالتها تلك الأصالة التي جعلتها تنظر للمستعمر بمنظار الغالب الأجنبي وجعلتها أيضا تحافظ بالنفس والنفيس على مقومات جنسها من دين ولغة وتاريخ ، وإذا ما أضمحلت هذه الأسلحة الثلاث فإنها سوف تفني حتما وحتى إذا لم تجد من يأكلها فإنها ستتآكل وأن الأكل سيترك بقية تكون نواة للبعث الجديد القريب .

أما التآكل فانه لايبقى ولا يذر لان أهله عليمون بنقاط الضعف من بعضهم البعض فلا يتركون واحدة منها إلا جعلوها مركزا لهجماتهم الحاقدة الماكرة ، ولقد رأي المتأملون في حياة المجتمعات عبر العصور مئات الحوادث التي تؤكد صحة هذه النظرات المبنية على التحدي والحيطة والتي يؤيدها النطق والعلم والتجربة .

ولقد قلت أنفا أن الأـصالة كل لايقبل التجزئة وأعواد إلي هذه الحقيقة بعد أن تحدثنا عن الصنفين الذين يتكون منها الجبل الجديد ووقفنا أمام الفريقين وقفة المعتبر المتأمل واعترفنا أن المتبرمين بمعاني الأصالة أصبحت يعج بهم المجتمعات المختلفة وأنهم يمثلون اتجاها جديدا في الحياة يجب إن يقرأ له حسابه وماذلك إلا لان الانحدار في فهم الأصالة هو انحدار يعم كامل الوجهات ويشمل جميع القطاعات التي يطالب الإنسان بالعمل في واحدة منها ….

فذلك الذي تبرم من أهله وتأفف من وطنه وتشامخ عن أبائه وجدوده واستهان بتاريخ قومه وازدري دين أمته وحضارتها ولغتها لابد أن يكون مفرطا في أنانيتهوانعزاليته وتفسخه مهما حاول أن يخفي ذلك عن أعين النظارة وأن يسمى مايدرمنه مما يدل على تلبسه بتلك الصفات بأسماء مستعارة هي أقرب منها إلى الحقيقة ، وإذا أصبح جزء كبير من المواطنين يعيشون لأنفسهم وحسب ما يفكرون بعقول تخالف عقول أهلهم ومواطنيهم فعلى ذلك المجتمع الذي ينتتمون إليه أن يكون عليما بالعلة حتى يستطيع أن يمارس ألوان الدواء وأن يأخذ الاحتياط من استفحال العدوى أما إرخاء الحبل على الغارب فذلك هو العيب الكبير والإهمال الخطير .

 

 

 

 

 

 

 

بقلم الأستاذ : قدوده مبارك

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق