B الواجهة

المشرق والمغرب…من الأحلام إلى الكوابيس

خاص للتحرير/

محاضرة القيت في تونس يوم 15 مارس 2017

المشرق والمغربمن الأحلام إلى الكوابيس

لم يكن تقسيم الوطن العربي إلى مشرق ومغرب فرزادائما، بل ارتبط يوما بالعواصم التي انتقلت من المدينة إلى دمشق ثم إلى بغداد فالقاهرة، وكان مصطلح المغرب يعني الأقاليم التي تقع غربها، وانطلاقا من هذا فإن الشام ومصر اعتبرتا في العصر العباسي من بلاد الغرب.

دكتور محيي الدين عميمور

وفي العصر الحديث، كان مفهوم المغرب العربي خلال مرحلة طنجة في 1958 يعني أقطارا ثلاثة، تونس والجزائر والمغرب الأقصى، أو مراكش آنذاك، وجرى تناسي ما يقع جنوب المغرب وحتى نهر السنغال بما في ذلك شنقيط التاريخية، وما يمتد نحو الشرق حتى الحدود المصرية ليشمل طرابلس وبرقة وفزان.

وتعقدت الأمور في الستينيات نتيجة لتداعيات استقلال موريطانيا، ثم نتيجة لنظرة سياسية معينة كانت ترى في تعبير المغرب العربي فكرة استعمارية لإجهاض الوحدة العربية، كتعبيرالهلال الخصيب، وهو ما كان يراه الأشقاء في ليبيا قبل ثورتها، وتغير الوضع عندما انضمت ليبيا إلى اتحاد المغرب العربي المشلول.

وأقحمتيوما قناة السويس لتكون خط الاستواء العملي الذي يُقسم المنطقة إلى مشرق ومغرب، وربما كان هذا هو المبرر السياسي الظاهري لفكرة إلحاق مصر بالمغرب العربي.

العربية في الشمال الإفريقي

لكن الوحدة الديموغرافية لمشرق الوطن العربي ومغربه أصبحت أمرا من الصعب التشكيك فيه، حيث أن السائد هو أن البربر في الشمال الإفريقي هم عرب قدامى، وهم يرفضون الأصل الشمالي (الأوربي) لمجموع السكان، منطلقهم في ذلك أن أوروبا كانت، عند تكون المجموعات البشرية الأولى عندنا، مجرد مساحات جليدية واسعة، وهم يبرهنون على ذلكبالسرعة التي تم بها تقبل اللغة العربية في الشمال الإفريقي، مقارنة بشبه الجزيرة الهندية وبلاد فارس التي فتحت في نفس الوقت ولكن العربية لم تصبح أبدا لغة البلاد لوجود لغة محلية بعيدة في النسب عنها، بينما كانت لهجات الشمال الإفريقي جزءا من اللغة العربية، تطورَ بعيدا عنها ولكنه لم يفقد انتماءه لها.

وسنجد أن العلاقات بين غرب المشرق العربي وشرق المغرب العربي تعود إلى أزمان غابرة، ولا أتوقف عند المرحلة القرطاجية والصلات الفينيقية مع الشمال الإفريقي، فالمجال الزمني لا يسعفني، وكانت المنطقة الواقعة غرب مصر تسمى لوبيا (بالواو) وكانت لها في الأزمنة الساحقة علاقات وثيقة بالممالك الفرعونية، وثابت أن شيشنق الأول ملك الأسرة الثالثة والعشرين هو من أبناء المنطقة التي أصبحت تعرف فيما بعد بالجزائر، وبغض النظر عن تناقض الروايات بالنسبة لظروف وجود الملك هناك وعما إذا كان مهاجرا أو فاتحا، لكنني  أتذكر ما يمثل طرافة ملحوظة،وهو المصاهرة المصرية الجزائرية  بين كليوباترا سيليني، ابنة كليوباترا من مارك أنطونيو، وملك الجزائر يوبا الثاني (52 ق م 23 م).

وللتذكير، كان عدد سكان المنطقة الواقعة غرب مصر وحتى المحيط الأطلسي عند انطلاق الفتح الإسلامي، في حدود خمسة أو ست ملايين، حمل إليهم رسالة الإسلام عدة آلاف، ولو أضفنا إلى ذلك عددا لا يتجاوز ثلاثمائة ألف وفدوا إلى المنطقة فيما اصطلح على تسميته بالغزوة الهلالية سندرك بأن عدد الوافدين العرب، لا يصل إلى أكثر من نصف مليون نسمة، وهو ما لا يُمكن أن يُغير الطبيعة العرقية للمنطقة، بل إنه سيذوب فيها، وهو ما حدث بالفعل.

وكان الرومان، واليونانيون قبلهم، يطلقون على الشمال الإفريقي تعبير بارباريا، المشتق من كلمة البربر (Barbare) التي كانت تعني غربة المكان واللسان والخلق والطباع، وحُرّفت الصفة تدريجيا إلى أن أصبحت تنطق بالفرنسية بِربِر (Berbère)  واعتبر حمقى كثيرين، بتأثير الفكر الاستعماري الرافض لأي علاقة بين المشرق والمغرب، أن الصفة تعني جنسا متميزا ذا أصل آري، ولا يرتبط بأي حال من الأحوال بالشعوب السامية، هذا إذا قبلنا فكرة السامية والحامية التي روج لها اللغويون الألمان، ويرى كثيرون أنها خرافة تاريخية.

ومن هنا يأتي اليقين بأن الأغلبية الساحقة لسكان الشمال الإفريقي هم، بتعبير اقتبسه الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد عن العلامة المصري الشيخ محمد الغزالي، هم بربر عربهم الإسلام، ومن هنا كانت سعادة الرئيس البالغة عندما اقترحتُ عليه في بداية الثمانينيات استبدال صفة “الأمازيغية”، التي لم تكن متداولة شعبيا، بتعبير كان الاستعمار وعملاؤه يتمسكون به، وهو صفة “البربرية”، التي يجب أن تحذف نهائيا من قاموس التداول، وهو ما حدث فعلا.

عمق الأمازيغية في الجزائر

وهناك نقطة يجب أن نتوقف عندها ونتمعن فيها، وهي أن الغزوات التي عرفتها المنطقة منذ الاحتلال الروماني جاءت إليهابكثيرين من غير المنتمين عرقيا وجغرافيالها، وهؤلاء استقروا بها وتسموا بأسماء أبنائها وتزوجوا فيها، وأضيف لهم أسْرى وربما عبيدٌ اعتقوا، وهو ما يعني أن بعض من ينادون بالعربية أو الأمازيغيةاليوم يفعلون ذلك اعتمادا على مُعطىً لغوي مكتسب يتناسى الأصل الجغرافي أو العرقي، وهو ما يعني أن بعض من يتعصبون للعربية مثلا يفعلون ذلك كرها في الأمازيغية، والعكس أكثر صحة،وهنا تتضح الأهداف الحقيقية لمن يُحاربون العربية، حيث يتأكد أنهم يحاربون من خلالها الإسلام، كرباط استراتيجي مع المشرق العربي.

ومعنى ذلك كله أنالأمازيغية في الجزائر ليست صفة لأقلية ولكنها عمق تاريخي للأغلبية التي تتمسك بتعبير رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن العربية هي اللسان، وهكذا أعطت الجزائر للعروبة وللإسلام فاتحين من طراز طارق بن زياد، ونحويين من طراز ابن معطي الزواوي، كما انطلقت منها نواة الفاطميين الذين أقاموا دولتهم في مصر بعد تبلور خلافتهم في المهدية.

وهنا نكتشف أهمية التكامل بين التمسك بالعمق التاريخي الأمازيغي وبالبعد الحضاري العربي الإسلامي، والذي يريد له البعض أن يكون تناقضا عدائيا، خدمة لمن يريد تقسيم الأمة لصالح أطماعه ومصالحه.

ولأنني أشرت للإسلام أحب أن أوضح بأن المسيحية الموجودة اليوم في الجزائر هي مسيحية مستوردةمن الشمال وغير أصيلة، كاليهودية مثلا.

ولا أعرف شخصيا كيف وصلت المسيحية الأولى إلى بلادنا، لكنني أتصور بأن السكان تلقوا الدين المسيحي في بداياته عن المشرق، وبرزت، في الجزائر على وجه الخصوص، الدعوة الدوناتية، نسبة لقسيس جزائري يُدعى الأب “دونا“، وكانت، فيما يُقال، مسيحية أقرب إلى القبطية في ارتباطها بالوطن وبالأرض، وأقرب إلى النظرة التي يراها الإسلام للمسيحية، خصوصا فيما يتعلق بقضية التثليث، وكان ذلك جسرا مشرقيا نحو الشمال الإفريقي.

ولكن الغزو الروماني قلب المعطيات المذهبية واتجه نحو التخلص من الدوناتيينالوطنيين والمدافعين عن حريتهم واستقلالهم، واستعمل في سبيل ذلك روميّاً وُلد في الجزائر يُسمى “أوغستان“.

وتعرضت المسيحية الأصيلة إلى اضطهاد رهيب لمصلحة الكاثوليكية المستوردة من روما، وهو ما دفع الكثيرين من أبنائها في القرن الميلادي السابع إلى الترحيب برسالة الإسلام ثم إلى اعتناقه. وأصبح الراهب الروماني بعد ذلك مرجعية مسيحية للغرب الاستعماري، حمل لقب “سانتأوغستان“.

وكان هذا هو ما جعل الجنرال شارل دوغوليسترجع الأمر وهو يواجه الثورة الجزائرية في الخمسينيات، ويبذل كل الجهود العسكرية والاقتصادية والسياسية لتكون الجزائر لفرنسا ما كانتههذهلروما القديمة، عقيدة دينية وتبعية ثقافية وامتدادا جغرافيا.

العلاقات الثقافية بين المشرق والمغرب

والحديث يطول، وسيكون في مساهمات الأشقاء إثراء كبير، لكنني قد أتفق مع من يرون أن العلاقات الثقافية بين المشرق والمغرب عرفت في العصور الحديثة خللا في العلاقات الحوارية يشير له ما ذهب إليه الدكتور عصفور، من ضرورة الالتزام بالحوار الذي يثري الثقافة العربية، ويبتعد بأهل الفكر في المغرب العربي عن المشاعر السلبية التي يمكن أن يقود لها ما يُنقل من تعليق لبعض المشارقة على إنتاجهم الفكري، بالقول إنها “بضاعتنا رُدّت إلينا“، التي قالها الصاحب بن عباد حين عُرض عليه كتاب العَقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، وللأمانة، فإن هذا التعبير يُقال أحيانا خارج سياقه، حيث أن الصاحب كان، عن حق، يريد أن يقرأ أدبا يمثل المغرب العربي والأندلس بدلا مما جُمععنه في النصوص المشرقية.

وربما كانت هذه الخلفية جزئيا وراء الصراع بين الفكرة الإقليمية، التي تريد أن تجعل لكل إقليم طابعه الفريد والمتميز عن طابع إقليم آخر والذي يتطور إلى شوفينية مقيتة، وبين الفكرة القومية التي انطلق بها ساطع الحصري ومفكرون آخرون من منطلق تأكيد وحدة الأدب العربي والثقافة العربية.

لا بد من الاعتراف بوجود حجم كبير من الحساسيات المرضية، ربما أكدتها المراسلات بين التونسيين أبي القاسم الشابي ومحمد الحليوي، والتي يرى البعض أن النظرة الدونية تنازعت فيها مع الإحساس بالتفوق، وهي قد تصل إلى حد البارانويا عندما نقرأ للحليوي بأنه : “لاشك أن مصر ستردمنا بكتبها ومجلاتها فلا نعود نجد فيه مكانا نتنفس فيه الهواء أو يدخل لنا النور.

وهنا نجد أن من أطرف التعبيرات الدالة على الوضع ما رواه الأستاذ السوري طيب تيزيني من أن البعض يرى بأن ما يُقرّب بين المشرق والمغرب إنما يقوم على ما يُباعد بين المشرق والمغرب.

لكن هناك من توقفوا عند التأثيرات المتبادلة لفلاسفة المشرق والمغرب، والكشف عن المؤثرات المشرقية في فكر المغرب العربي، من خلال النقد الذي وجهه إبن رشد للفارابي، وقد مجّد بعض مفكرينا ابن رشد، مؤكدين ما قاله عنه أعلام النهضة الأوروبية: “لئن استطاع أرسطو أن يُفسر الطبيعة وما وراءها، فالذي فسر أرسطو إنما هو ابن رشد”.

المرجعية الفكرية للمشرق والمغرب العربي

وبدون أن أعود للغط الذي ثار حول فيلم يوسف شاهين عن ابن رشد، والذي يُشكل نقطة خلاف بين كثير من المثقفين، أجد نفسي مضطرا للتحفظ النسبي على ما قيل من أن الخلفيتين الأساسيتين المتحكمتين في الثقافة المعاصرة هما المورد الأنغلوساكسوني بالنسبة للمشرق العربي والمرجعية الفرنسية بالنسبة للمغرب العربي.

فبالنسبة للمشرق العربي، نجد أن المرجعية الفكرية بالنسبة لأكبر بلاده، وهي مصر، هي الفرنسية، حيث تأثرت بالحملة الفرنسية لا بالاحتلال البريطاني، وتمحورت حول المرجعية الفرنسية منذ كتاب رفاعة الطهطاوي “الإبريز في وصف باريز“، وهو ما أخذ صورة أكثر عمقا مع طه حسين الذي لم يتأثر بأي مرجعية أنغلوساكسونية، وإلى حد ما مع توفيق الحكيم.

وسنجد في مصر شارع الموسكي (La mosquée) وحي بولاق (Beau lac)، بل سنجد لعبة للأطفال تسمّى “كلّو باميا” وأصلها منقول عن لعبة للأطفال من أبناء الجالية الفرنسية في مصر تقول ” Qui est le premier”

أما بالنسبة للمغرب العربي، وللجزائر تحديدا، فالنخبة التي اعتمدت المرجعية الفرنسية ظلت دائما محدودة التأثير الفكري على الساحة الشعبيةالوطنية، وإن كانت السياسة أعطتها أحيانا أكبر من حجمها الحقيقي، ويكفي مثالا لذلك التعبير المتميز الذي روي عن المرحوم مالك حداد، حيث قال : “الفرنسية هي منفاي”، وهو ما يفرض علينا أن نفرق بين الوجود الثقافي وهو محدود التأثير، والوجود الإداري وهو كاسح، وبدون أن ننسى أن انطلاقة الحركة الوطنية الجزائرية في العصر الحديث بتكوين حركة نجم شمال إفريقيا نشأت في أحضان الحزب الشيوعي الفرنسي في باريس عام 1926، وأن بيان أول نوفمبر 1954 كتب أساسا باللغة الفرنسية.

والجدل متواصل حول ما إذا كان ما يُكتب بالفرنسية يُمكن أن يعتبر تعبيرا عن الجزائر مقدما بلغة غير عربية أم أنه صورة أدبية تعبر عن واقع مرحلي جاء به الاستعمار، انزلقت فيهالفرانكوفونيةبعد استرجاع الاستقلال إلى فرانكوفيلية ثم إلى فرانكومانية لتكون بشكل عام تعبيرا عن الأرابوفوبيا (arabophobie) أي كره العربية، وهو ما عرفناه مؤخرا من بعض الكتبة بالفرنسية، وهو ما يندرج في إطار زرع الكراهية بين المغرب العربي والمشرق العربي، وإلى درجة أن بعضهم أصبح يقول لنا، ونحن ننادي بالتعريب: اذهبوا إلى بلادكم …إلى السعودية..

وسنجد هنا أن حجما كبير من المبالغة يرتبط بالترويج الغربي الحالي للكتابات المغاربية باللغة الفرنسية، والذي تسهر عليه بضراوة وسائل الإعلام الفرنسية ومن وراءها، بما يبدو أحيانا على أنه اتجاه فكري استعماري لاستحداث “حصان طروادة” من نوع مبتكر، وهو للأمانة ما لم نعرفه مع المثقفين الجزائريين باللغة الفرنسية خلال الحكم الاستعماري، والذين نجد في طليعتهم مالك حداد ومحمد ديب، والسياسيين من أمثال عباس فرحات وبن يوسف بن خدة..

هل كانت هناك قطيعة بين الفكر الفلسفي المغربي والمشرقي؟

ولعل هذا ناتج عنحساسية البعض لما فهم من حكم محمد عابد الجابري بوجود قطيعة معرفية بين الفكر الفلسفي المغربي والفكر الفلسفي المشرقي، حيث أنهم يرون في هذا الحكم رأيا منسجما مع اتجاهات عرقية ترى أن أقطار المغرب العربي محكومة بإثنيات غير عربية، وأن آفاقها موصولة بفضاء الفكر الأوروبي، وهو، للأمانة، ما لا تذكره نصوص الجابري المعروفة.

لكن معظم المثقفين الوطنيين المؤثرين على الساحة الجزائرية لم يعرف عنهم انتماءٌ للثقافة الفرنسية، سواء تعلق الأمر بالإمام عبد الحميد بن باديس أو بتلاميذه من بعده، أو بالمعاصرين من الأدباء والكتاب ومن بينهم عبد الله ركيبي وزهور ونيسي وبلقاسم سعد الله وعبد الله شريط وأبو العيد دودو وطاهر وطار وأحلام مستغانمي والعبد لله، وظل التعامل بالفرنسية أداء نخبويا مغلقا ضاعف من عزلته أن معظم المثقفين بالفرنسية لا يقرءون ما يكتب بالعربية، بعكس العديد من المثقفين باللغة العربية، سواء كانوا من خريجي المشرق العربي أو ممن لم يعرفوا إلا معاهد المغرب العربي.

هذا لا يمنع وجود آثار في الشارع تصنع الفرق مع المشرق العربي، فليلة بيضاء في المشرق معناها ليلة جميلة، أما في الجزائر فهي ليلة ليلاء (Une nuit blanche) وهو نتيجة قرن وثلت من التأثير الفرنسي.

وسنلاحظ هنا أمرا أحب أن أتوقف عنده للحظات، وهو استعمال بعضنا لتعبير : الحضارة العربية، أو الحضارة الإسلامية، في حين أن حضارة العرب ارتبطت أساسا بالإسلام، وكل العلماء المسلمين من غير العرب كتبوا بالعربية، وفي مقدمتهم ابن سينا، وألاحظ هنا أن المغرب العربي يرى في العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة، وهو ما لا يعرفه المشرق، وأراه سببا في العديد من الانزلاقات الوطنية.

وهنا ندرك الأهمية الاستراتيجية لحديث الرسول الكريم محمد بن عبد الله الذي قال بأن العربية هي اللسان، نازعا منها كل صفة عرقية، ومؤكدا بذلك ضمنيا أن العرق والسلالة هي مما تختص به الحيوانات، فهذا حصان عربي أو قط سيامي وذاك كلب ألماني أو فيل هندي أو أسد إفريقي وهلم جرا.

لكن هناك أمرا كان له دور كبير في تعميق الروابط بين المشرق والمغرب وهو الديار المقدسة، التي كان جل المفكرين في المغرب العربي حريصين على زيارتها، وحملهم ذلك بالتالي على زيارة أقطار مشرقية أخرى، وبخاصة بلاد الشام، خصوصا إثر انتقال الحركة العلمية من بغداد إلى دمشق نتيجة للتخريب التتري الذي أصاب الأولى، وسنجد من بين من عرفتهم دمشق في القرن الثالث عشر الميلاديأبا عبد الله اللواتي، الذي عُرف بابن بطوطة، كما عرفت مصر قبل ذلك، في القرن الحادي عشر، الرحالة إبن جبير الأندلسي.

والطريف هنا هو أن نلاحظ أن جل الأولياء والصالحين والمتصوفة الذين عرفهم المشرق العربي قدموا من المغرب العربي، ولعل في طليعتهم الأمير عبد القادر بن محي الدين، الذي احتضنه في دمشق ضريح محي الدين بن العربي الأندلسي، قبل أن تنقل رفاته إلى العاصمة الجزائرية في 1966.

وسنجد في مصر أضرحة السادة أحمد البدوي في طنطا والمرسي أبو العباس في الإسكندرية وأبو الحسن الشاذلي في صحراء مصر الشرقية وعبد الرحيم القنائي، أو القناوي، في الصعيد.

وسنجد في الجزائر من يسمي الابناء باسم المكي أو المدني، تيمنا بالمدينتين وارتباطا روحيا بهما، كما سنجد من يختار لأبنائه أسماء مراكش وتونس (وهو اسم والدة الرئيس بو مدين)

ولعلي هنا أتوقف لحظات أخرى عند الشعور العام في المغرب العربي من أن المشرق العربي هو مكبر الصوت الذي يضمن للأديب المغاربي الانتشار والرواج، وهو أمر حقيقي، حتى بين أقطار المغرب العربي نفسها، والجزائريون يذكرون بكل مرارة أغنية فريد الأطرش عن بساط الريح، الذي لم تذكر فيه الجزائر أبدا بينما ذكرت بلاد النيل والعراق ولبنان كما ذكرت تونس ومراكش، ويدعي البعض أن هذا هو سبب ضرب الفنان الكبير بالطماطم في قسنطينة قبل الثورة الجزائرية.

ولقد قرأت لمن قال بأنه “إذا أراد الكاتب المغاربي أن يُقرأ في المشرق ويُعرف فإن عليه أن يبقى على تماس معه”، والأمر نفسه ينطبق حتى على مجال الفن، فوردة لم تشتهر إلا عندما غنت في مصر، مثلها في ذلك مثل فايزة أحمد وصباح ولطيفة والدوكالي وغيرهم، وهو واقع يجب فهمه وتفهمه والتصالح معه.

فالقضية هي قضية منابر ثقافية وفنية عريقة أعطتها الأبعاد السياسية بريقا لا جدال فيه، ولقد ظللت أكتب في الجزائر نحو عشرين سنة بدون أن أسمع في الوطن العربي صدى لما كنت أكتبه، وباستثناء ما كانت بعض الوفود الجزائرية تسمعه من الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله وبعض كبار معاونيه، الذين كانوا ينتقدون ما كنت أكتبه عن بعض الممارسات السياسية المصرية، ولم يعرفني القراء في الوطن العربي إلا عندما بدأت أنشر مقالاتي في مجلة العربي الكويتية والأهرام المصرية والتضامن والشرق الأوسط والقدس العربي الصادرة من لندن.

ولقد أردت لهذه المداخلة أن تكون جهدا يماثل سير النمل الدؤوب، فإذا بها، ولكثرة المعطيات وتشابكها ولتعدد المصادر وتناقضها، تتحول إلى حركة كأنها قفزات البرغوث تتوقف عند أمر وتتجاوز أمورا.

المحطات الكبرى في علاقة المشرق والمغرب

باختصار شديد، يقول الدكتور مرتاض بأن العلاقات بين المشرق والمغرب عرفت،وبعد العلاقات التاريخية الموغلة في القدم، ثلاث محطات كبرى، أهمهاالفتح الإسلامي الذي أكد الروابط الديموغرافية بين الجناحين، وثانيهاالتحركات الفكرية بين المشرق والمغرب، والتي عرفت إنجازات عبد الرحمن ابن خلدون، الذي ولد في تونس وكتب مقدمته في الجزائر واستقر في دمشق مع بدايات القرن الرابع عشر، إثر الغزو المغولي، حيث عاش حياة مضطربة جعلت المسرحي سعد الدين ونوس يُشنّع عليه ويكاد يُخّونه، ثم استقر نهائيا في القاهرة وفيها لقي ربه، وثالثها الوجود الفكري والروحي وأحيانا السياسي للأمير عبد القادر في المشرق وفي الشام على وجه الخصوص، وتناولُ هذا كله في حاجة إلى ساعات وساعات لا أملك منها إلا بضع دقائق.

ولقد عرف المشرق العربي في القرن الماضي علاقات فكرية مع المشرق كانت لها آثارها في الجزائر، كان من بينها زيارة عبد الحميد بن باديس إلى الحجاز ومصر ووجود الطيب العقبي وأحمد رضا حوحو ثم محمد البشير الإبراهيمي في الحجاز، ودشن ذلك النشاط الأدبي الجزائري الذي كان قد بدأ في حدود القرن التاسع بذهاب بكر بن حماد من تيهرت الجزائرية إلى بغداد، حيث احتك بأكبر شعراء ذلك العصر، ومن بينهم أبي تمام وأبي العتاهية وأبي نواس، وتواصل سفر العديد من القيادات الفكرية والدينية إلى البقاع المقدسة التي أعطتهم الفرصة للاتصال بالعلماء في مصر والشام والحجاز.

ولكن ما يجب أن يسجل هنا هو أن العلماء المغاربة نافسوا أحيانا أساتذتهم المشارقة، وهو ما أدى إلى تفردهم بتأسيس مدرسة نحوية ولغوية، وهكذا كان من بينهم ابن معطي الزواوي الجزائري، الذي ألف أول منظومة في النحو العربي من ألف بيت، نسج عليها ابن مالك فيما بعد، وكان من بينهم أيضا ابن آجرومالمغربي صاحب متن الأجرومية الشهير، وهي أول كتاب يُطبع في إيطاليا باللغة العربية.

ولعل من المهم أن أذكر هنا بأن المذهب الديني الذي يستقطب جل المغاربة هو المذهب المالكي الذي أخذ عن مالك ابن أنس، ابن المدينة المنورة، وهو مذهب اقتصر، في بداية أمره في الأندلس وإفريقيا الشمالية، على العبادات ثم انتقل إلى المستوى اللاهوتي، فانتقل الناس من مجرد الحفظ والفهم إلى مستوى الإبداع والنقد.

وأرى أن ما ينطبق على الفقه ينطبق أيضا على الفلسفة وعلم الاجتماع، حيث تناول عبد الرحمن بن خلدون للمرة الأولى في التاريخ الثقافي نظرية العمران، وهو ما يمكن أن يفهم منه أن الثقافة في المغرب العربي بدأت تلميذة لثقافة المشرق الذي جاء منه نور الإسلام، ثم بلغت مرحلة الاستيعاب والتفهم لتنطلق نحو إبداع حقيقي أضاف إلى الثقافة العربية في مجالات الفلسفة والطب والفقه والنحو والتاريخ وغير ذلك.

ويجب ألا ننسى هنا الدور الذي قام به أبناء المشرق قبل ذلك في ازدهار الأندلس، بما في ذلك النهضة الموسيقية التي أدخل فيها زرياب الوتر الخامس إلى العود.

وخلال كل ذلك التاريخ المتواصل عرف المغرب العربي بعد هزيمة شارلكان، أو شارل الخامس في خليج الجزائر عام 1541، مرحلة بالغة الخطورة،استنجد فيها الجزائريون ببعض قادة المسلمين من أبناء المشرق من الخبراء في فنون القتال البحري، وهكذا تولى خير الدين بربروس وأخوته قيادة الأسطول الجزائري، الذي تحمل مع الثغريين عبء مواجهة الهجومات الإسبانية طوال ثلاثة قرون، نعم ثلاثة قرون، وظل الأسطول الجزائري سيدا في المنطقة إلى أن تحطم إثر تحالفه مع الأسطول المشرقي المصري في معركة نوارين البحرية عام 1827، وكان هذا هو الذي حرم الجزائر من إمكانية الدفاع ضد الأسطول الفرنسي في يونيو 1830، وأدى إلى سقوط المغرب الأوسط تحت نير الحكم الاستيطاني الفرنسي.

لماذا تعتبر الجزائر الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها ماسحو أحذية؟

ولا بد أن أعترف أن استعراض مجمل العلاقات في العصور الحديثة يحتاج إلى وقت لا أملكه وجهد لا أقدر عليه وتوسع لا أظنكم مستعدين لتحمله، لهذا اختتم هذا الاستعراض بالإشارة إلى الزيارة الفاشلة التي قام بها الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي للجزائر في مطلع القرن العشرين، والتي كان فيها سجينَ قمقمٍ فرنسي لم يُمكنه من الاتصال بالشعب الجزائري وبمثقفيه، وعندما عرف الجزائريون أنه اتهمهم بجهل اللغة العربية ردوا عليه بأنه لم يلتق من الجزائريين إلا بماسحي الأحذية (وربما كان هذا التعبير هو الذي دفع الرئيس الأسبق أحمد بن بله إلى منع امتهان الجزائريين لمسح الأحذية، بحيث أن الجزائر اليوم هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها ماسحو أحذية) وعكس ما حدث للشاعر فإن الإمام محمد عبده، عندما زار الجزائر في عام 1905، أقام علاقات مع بعض علمائها وألقى دروسا في مساجدها.

كل تلك كانت مراحل تواصل وتكامل بين جناحي الأمة، لم تخل من شنآن بين العلماء والقادة، ولكن آثارها كانت ترسيخا لمفهوم الأمة الواحدة، وكان استقبال أدباء المغرب العربي لمجلة الرسالة للأستاذ محمد حسن الزيات ولما وصل إليهم من كتب طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرها لا يختلف أبدا عن استقبال الشعب الجزائري لفرقة يوسف وهبي، الذي زار الجزائر خلال الليل الاستعماري وأضاءها بروائعه الفنية، وإن كنت أعترف بسوء استقبال الجمهور الجزائري لفريد الأطرش خلال الحقبة الاستعمارية لأنه نسيَ بلادهم في أغنيته “بساط الريح”.

ولا بد هنا من تسجيل الامتنان للمؤسسات التعليمية في المشرق العربي التي مكنتنا من دعم الحركة الثقافية بعد التخلص من الاستعمار، وتكامل دورها مع الدور الذي قامت به “الزيتونة” في تونس و”القرويين” في المغرب، وإن كانت بعض المواقع التعليمية في المشرق وراء بعض الاختلالات المذهبية التي عرفناها.

وقفة أمام الحاضر:

ليس في الحاضر العربي ما يمكن أن نعتز به، فقد تجاوزنا مرحلة التناقض بين المشرق والمغرب لنصل إلى مرحلة التنافر ثم التناحر داخل إطار المشرق والمغرب على حد سواء، وراحت أدراج الرياح هتافات : “لبيك يا علم العروبة كلنا نحمي الحمى”، و”وطني حبيبي الوطن الأكبر”، وتلاشت صيحات :”يا موطني خذ اليمين*منا على مر السنين* إنا نرى هواك دين”، بل اختفت من قواميسنا صرخات: “سلْ جبال الأطلسِ، من طنجة لتونس، كم حررت من أنفسِ، أباؤنا في الغلس.

وأصبحنا في المرحلة التي تنبأ بها “غوار الطوشي” (دريد لحّام) منذ نحو نصف قرن وقال عنها وهو يناجي أباه في “كاسك يا وطن” : “الله وكيلك يا أبي، صرنا فُرْجة”، وأصبحنا نعيش صيحات حق أريد بها باطل،ودعوات وطنية تخفي الإقليمية الضيقة والشوفينية، وأصبحناتتغنى بالجزأرةوالتونسة والسعودة واللبننةعلى حساب النظرة القومية الواحدة.

ولا أخدع نفسي فأدعى أن التناقضات هي قشرة خارجية تغطي إيمان شعوبنا بالوحدة بين المشرق والمغرب، فهذا كلام لا أساس له من الصحة، والصحيح أن كل شعب من شعوبنا يعيش كراهية الشعب الآخر، بفعل عمل طويل المدى قامت به سلطات حاكمة لتضمن ولاء شعوبها تحت شعار ما تسميه الوحدة الوطنية.

وقد يرى البعض في هذا تشاؤما، لكنني أراه الطريق الحقيقي نحو التفاؤل إذا نجح في إيقاظ الهمم واستنفار الإرادة واستثارة العزائم

وقفة أمام المستقبل:

أبواب المستقبل مغلقة أمامنا إلا إذا واجهنا الذات بدون جلد للذات، وأدركنا أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وبأن علينا أن نبدأ من الصفر لنعيد بناء صرح الوطن العربي الواحد الموحد بمشرقه ومغربه، وهو السبيل الوحيد للقضاء على منطق “الشرق الأوسط” الاستعماري،الذي يستهدف تذويب الوطن العربي في مجموع جغرافي يضم أعداءه التاريخيين وخصومه الدائمين، ومعنى هذا هو أن ندرك بأن طريقنا نحو الازدهار الثقافي الجماعي والتألق الحضاري مرهون بأمرين، أولهما، وهو الخطوة العملية الأولى، إعادة بناء المدرسة الوطنية، برامجا دراسية ومعلمين ومؤطرين لرجال الغد، وهو ما يجب أن يعني توحيد مناهج التعليم المدرسي في الوطن العربي كله، بدءا برياض الأطفال، وهذا هو مفهومي للبدء من الصفر.

وهكذا يدرس كل تلميذ عربينفس الكتاب في الحساب والهندسة واللغة والأدب والجغرافيا، وبوجه خاص نفس الكتاب في التربية الوطنية التي تغرس فيه الانتماء للكتلة البشرية التي تمتد بين المحيطين، وتقنعه بأن الرماح إذا تجمعن يأبين تكسرا، كما يقول بيت الشعر الذي يردده بعضنا بدون فهم لمعناه أو التزام به، وبهذا نلتزم مع قوله تعالى :ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.

وهكذا نستلهم تجربة الفرانكوفونية التي جعلت من اللغة الفرنسية قوة سياسية دولية تنافس القوة التي يمثلها الكومونولث انطلاقا من الاقتصاد.

وثانيهما، الذي يُوجّه أولهما ويكون نجمه القطبي،أن ندرك بأن الدين والقومية هما وجهان للعملة الوطنية الواحدة، وبأن الإسلام يضم قوميات متعددة يزداد تألقها الجهوي والدولي يوما بعد يوما، بينما لا تجد أهم القوميات، وهي القومية العربية، طريقها نحو موقف موحد يضمن لها مكانها ويكفل لها مكانتها، ولنا في تركيا المسلمةمثل لا يحتمل التشكيك أو التكذيب.

دكتور محيي الدين عميمور

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق