ثقافة و أدب

في إطار تغطية لمحاضرة البروفيسور ضو جمال في جمعية التواصل الاجتماعي والثقافي بالوادي واقع اللغة العربية اليوم وتحدياتها

لا يخفى على أحد ما تواجهه اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين مـن تحـديات تـزداد فـي هذا العصر الذي نحيا فيه، وتشتد بتوالي الأيام، عصر العلم والتكنولوجيا، عصر الانفجار المعرفي والتغييـر الثقـافي السـريع، عصــر المواصـلات الســريعة، والتواصل المتنوع، ووسائط المعرفة، والمكتشـــفات المتعـــددة فـــي مختلف ميادين المعرفة، تزداد تنوعا، وتوسّعا يومـاً بعــد يــوم، وهـذه التحـديات متعـددة وتـأتي فـي مقـدمتها منافســة اللغــات الأجنبية للغة العربية في كامل العالم العربي.

 

لغتنا العربية الآن في حيرة، واغتراب، واضطراب، وليست اللغـة العربيـة وحـدها فـي هـذا الخضــم؛ بــل الــوطن العربــي كلــه؛ من المنطق أن نعتــرف بمشكلات اللغة العربية، والتحــديات التي تواجهها .

في هذا الإطار كان الشرف للجمعية الجزائرية للتواصل العلمي والثقافي بالوادي أن نظّمت مساء السبت 14 جانفي 2017 بمقرّها بمدينة الوادي ندوة فكرية موضوعها” واقع اللغة العربية اليوم وتحدياتها” قُدّمت فيها محاضرة قيّمة من لدن البروفيسور الأكاديمي القدير جمال ضو، أستاذ الفيزياء بجامعة حمة الأخضر بالوادي أمام جمْع كثير العدد من المهتمين براهن اللغة العربية خصوصا، وهوية الأمة الجزائرية، أعقب المحاضرة نقاش معمّق أثرى الموضوع، تعددت فيه الرؤى، والأفكار.

طرح الأستاذ المحاضر مجموعة من النقاط الجريئة من الوجهة الذاتية، ومن الوجهة الموضوعية، وعرّج تاريخيا على أن اللغة العربية في الجزائر، التحديات التي تواجهها اليوم ليست وليدة اليوم، إنما بدأت قبل الثورة، ومن القيادات السياسية التي فجّرت ثورة التحرير المباركة.

الصراع اللغوي ليس محصورا في الجزائر وحدها، هو موضوع تشترك فيه كل الدول العربية، في المشرق العربي اللغة الإنقليزية تتحدّى اللغة العربية، وفي المغرب العربي، تتحدى اللغة الفرنسية اللغة العربية، ويقول المحاضر: شغلني موضوع اللغة العربية في الجزائر منذ زمان، ولا يزال، ويطرح السؤال التالي بحسرة: بعد أن قطعت اللغة العربية في بلادنا أشواطا مرضية، لماذا عاد الصراع اللغوي من جديد ؟

ولئن كانت الوضعية في المملكة المغربية لا تختلف عن الوضعية في الجزائر؛ إلاّ أن تراجع العربية أمام الفرنسية في جميع المجالات، لاقى ويلاقي ردّة فعل ضعيفة، أو شبه معدومة؛ إذ فرنسة المواد العلمية في مرحلة التعليم الثانوي بالمغرب مرّت مرور الكرام، وكأنها لا حدث، في الجزائر هناك حساسية، وردّ فعل تجاه أيّ إجراء، أو ظاهرة لغوية؛ وهي ليست وليدة اليوم؛ حيث جذور الصراع اللغوي بدأت أيام بروز الحركة الوطنية قبل الثورة من طرف النخب المثقفة، والقيادات السياسية المستقبلية، كما أن أغلب ما جاء في اتفاقيات إيفيان كان منسجما مع طموحات الشعب الجزائري، ومتوافقا مع بيان أول نوفمبر، ما عدا الجانب الثقافي، وحقوق الأوروبيين الراغبين في البقاء في الجزائر؛ فلو بقوا، وطُبقت بنود حقوقهم لكانت الجزائر اليوم لا تختلف عن جنوب إفريقيا.

بدأت الكارثة اللغوية في الجزائر بعد الاستقلال، إذ الدولة المستقلة الفتية انطلقت بنفس لغة مستعمر الأمس، وبنفس موظفي الأمس، وبنفس قوانين مستعمر الأمس، ليتلوها فيما بعد مسلسل التعريب المتعثّر، يغذيه الصراع بين النخب المعربة، والفرانكفون الذين يرى أغلبهم أن اللغة الفرنسية في الجزائر” غنيمة حرب”، وهم الذين تولّوا سلطة القرار في كل مفاصل الدولة الجزائرية، ولا يزالون، وقد نفّذوا من حيث يعلمون، أو لا يعلمون مقولة الكاردينال الفرنسي رأس الحركة التبشيرية : ” علّموهم بأنهم ليسوا عربًا، فإنهم سيتركون الإسلام.”

وممّا ورد أيضا في محاضرة الدكتور جمال ضو بأن اللغة العربية ليست لغة جميلة كما نتغنى، ونفتخر، وأنها ليست اللغة المستعملة في حياتنا، وليست لغة حيّة كما نتوهّم؛ لأنها ليست لغة المجتمع المستعملة يوميا، فقط ميزتها أنها لغة القرآن الكريم الذي حماها قواعد، وأحكامًا، صوتًا، وصورة، وهي ميزات لا تتمتع بها اللغات الأخرى، لهذا لم تندثر، ولن تندثر، وما عدا هذا فحضاريا تخلّفت، لا هي قادرة على إنتاج الحضارة المادية، ولا على نقل هذه الحضارة.

ويطرح المحاضر أسئلة منها : لماذا نصرّ على اللغة العربية، وهي بهذا التخلف، والقضية مطروحة في الجزائر، والمغرب ؟ هل نحن عرب؟ هل نحن أمازيغ؟

يرى المحاضر أن مشكل اللغة في الجزائر سيبقى مطروحا طالما التعليم الجامعي ليس بالعربية، وهو أكبر تحدٍّ؛ لأن لغة التعليم التي سيتأهل بها المتخرج ستصطدم بواقع سوق العمل ، والواقع الاقتصادي والتكنولوجي، والاجتماعي يتعامل باللغة الفرنسية، حيث المواد العلمية، والتكنولوجية تدرس بالفرنسية.

وضرب أمثلة بدول كانت وضعيتها لا تختلف عن دول المغرب العربي، إلاّ أنها حسمت منذ بداية استقلالها قضية اللغة، وهي اليوم في الريادة الاقتصادية وطنيا، وعالميا كالصين، وكوريا الجنوبية، والفيتنام ، بينما الهند جارة الصين التي أبقت على اللغة الإنقليزية لغة رسمية، انقسمت الهند إلى شعب أغلبه فقير متخلف، والباقي في مستوى نخبوي أحسن معيشة ودخلا، وهم مستعملو اللغة الإنقليزية، علما أن الهند اليوم من أولى الدول في البرمجة الإلكترونية، أي أن اللغة الأم توحّد الشعب، وتدعم هويته، وحصانته.

بينما الدول الإفريقية التي لم تتحرر ثقافيا، وبقيت مرتبطة بلغة مستعمر الأمس، مثلما لم تتحرر اقتصاديا، وبقيت متخلفة. بينت الوقائع أن تلاميذها لم يتمكنوا من التكلم باللغة الفرنسية، ولا باللغة الإنقليزية، رغم أنها لغة الإدارة، والمحيط، وظهر في هذه الدول الإفريقية أخيرا مصطلح ” اللغات الصاعدة ” مؤداه التركيز في عملية التعليم في بداية الأمر على اللغة المحلية، ثم الفرنسية أو الإنقليزية.

يخلص المحاضر إلى ما يلي:

ما لم تكن العربية هي لغة الجامعة في كل التخصصات، وكذا لغة الوظيف، العمل، المحيط فإن الصراع اللغوي سيبقى، والتحديات أمام اللغة العربية لن تختفي، ثم إن ميزة اللغة العربية أنها ليست لغة الجزائر وحدها، سواء بوجود الجزائر أم بعدمها .. هي لغة أمة كاملة، لبعدها الحضاري، وليس لبعدها اللغوي اللساني.

      بقلم: بشير خلف

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق