ثقافة و أدب

كتاب جديد للأستاذ الباحث في التاريخ”مقراني محمد الصادق ” فج مزالة……. من بداية المقاومة إلى الثورة 1830- 1954

تطرق الباحث في التاريخ الأستاذ مقراني محمد الصادق في محتوى كتابه الصادر مؤخرا عن دار النشر دار الهدى عين مليلة، والذي يحتوي على 255 صفحة إلى تاريخ منطقة فج مزالة سابقا فرجيوة حاليا بين سنتي 1830- 1954 م والتي عرفت أحداثا مهمة، منها ثورات و انتفاضات ومقاومات، ما لبثت أن تبلورت تدريجيا لتأخذ أشكال نشاطات سياسية حزبية وأخرى إصلاحية إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية الكبرى.
و قد حاول الباحث في هذا الكتاب تتبع مختلف النشاطات و الأحداث التي شهدتها المنطقة والعمل على دراستها دراسة منهجية، مع الحرص على رصد إسهامات من صنعوا التاريخ المحلي بنضالاتهم سواء أكانت سياسية أو إصلاحية أو مندرجة في إطار الحركة الوطنية، دون أن ينسى التضحيات الجسام للشهداء الأبرار عبر مسار هذه الحركة الجهادية الفذة المظفرة. كما حاول جمع ما يمكن جمعه من أحداث مفصلية في تاريخ المنطقة وما أسهم به أبناؤها من عطاءات هامة سواء عبر التاريخ المحلي أو الوطني. و من أهم المميزات الرئيسية لهذه الدراسة أنها تلقي الضوء على قضايا تاريخية تتعلق بنضال سياسي و إصلاحي و ثوري لهذه المنطقة المقاومة و المجاهدة و الرافضة للتواجد الاستعماري والاستيطاني بالجزائر، وكما أن البحث يبرز أهم المغالطات والأقاويل التي لا تستند إلى دعائم تاريخية ولا وثائق موثقة، والتي تتعلق بالتاريخ المحلي للمنطقة. وفي الحقيقة، إن هذه الدراسة لا تكتسب أهميتها البالغة من توجيه العناية إلى مختلف القضايا التاريخية المتناولة فحسب بل تكتسبها من سدها الفراغ الموجود في التأريخ لهذه الجهة من الوطن أيضا. و عن اختياراته لهذا الموضوع حسب الباحث يعود أساسا إلى انعدام البحث المنهجي حول الموضوع بالذات، بالرغم من وجود بعض الكتابات التاريخية في الشأن إلا أن هذه الكتابات لم تصل بشكل كاف لأن تؤرخ لهذه المنطقة المكافحة بشكل منفرد و دقيق، و على الرغم من أنها تعد جهدا محمودا و إضافة طيبة، إلا أنها لم تف بحق هذه المنطقة، و ما قدمه أهلها عبر مختلف المحطات التاريخية الهامة. كما تهدف هذه الدراسة بشموليتها وتطرقها المستوعب لجوانب الموضوع إلى التدقيق و الإحاطة التاريخية بمواضيع مختلف المقاومات الثورية والانتفاضات الشعبية و لاسيما منها انتفاضة 8 ماي 1945 بالمنطقة، واستجلاء عطاء الحركة الوطنية و أقطابها إلى عهد الثورة التحريرية المظفرة. – حيث حاول الأستاذ إبراز الدور الريادي للمنطقة في الفترة الزمنية المحصورة بين 1830- غاية اندلاع الثورة التحريرية المظفرة سنة 1954 ، كما اجتهد من أجل إبراز أهم الأحداث الثورية والعمليات الفدائية بالجهة، وتسليط الضوء على أحداث عرفتها المنطقة ولم تتم الإشارة إليها أو لم تأخذ حقها التاريخي المستحق بعد. وإلى التعريف بشخصيات معروفة أسهمت في تاريخ المنطقة بصفة خاصة والجزائر بصفة عامة. ومع ذلك لم تخرج هذه الشخصيات إلى دائرة الضوء لأسباب عدة. ، وإلى تصحيح بعض الأخطاء الواردة في بعض الإصدارات التاريخية والتي تطرقت لإحداث بفج مزالة سواء أكانت عمليات فدائية أو معلومات لم تكن موثقة توثيقا علميا دقيقا، بالإضافة إلى رصد معلومات وإحصائيات جديدة لأحداث 8 ماي 1945 بفج مزالة وضواحيها، وتصحيح المعلومات الخاطئة الخاصة بقصر الآغا و الذي صنف معلما وطنيا تابعا للفترة العثمانية… والحقيقة أن هذا المعلم تمت عملية إنجازه في الفترة الاستعمارية ففي الفصل الأول تناول الباحث في التاريخ أهم التسميات التي تم إطلاقها على منطقة (فرجيوة) عبر مختلف المراحل التاريخية وكذا مساهمة أسرة (أولاد بن عاشور) التي كانت تقطن بحمام أولاد عاشور بالمنطقة. حيث تطرق صاحب الكتاب بإسهاب إلى الأدوار التي لعبتها هذه الأسرة بالجهة من الفترة الممتدة مابين 1713 إلى غاية 1875. كما قدم بعض النماذج من المقاومات والانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة و منها (ثورة الزواغةوفرجيوة) و التي أطرها الشيخ أحمد بوعكاز بن عاشور وثورة المقراني و التي كان لأهل المنطقة باع فيها. كما سعي لإيضاح أهم الأعراش و القبائل التي كانت تسكن بالجهة و التي شكلت فيما بعد بلدية (فج مزالة) المختلطة و ما عرفته هذه القبائل من تقسيمات من أجل إضعافها والتقليل من شأنها لإنشاء مراكز استيطانية جديدة لتكون النواة الأولى لبلدية فج مزالة المختلطة والتي أنشئت في 1 ديسمبر 1880. أما الفصل الثاني فجسد فيه الأستاذ المظاهر السياسية و الفكرية و الاجتماعية التي شارك في صناعتها أهالي المنطقة بمختلف أطيافهم السياسية و الثقافية و الاجتماعية و التي تجلت بشكل واضح عقب نهاية الحرب العالمية الثانية و التي شكلت خطا فاصلا بينها وبين ما سبقها من إسهامات، نظرا لمتغيرات عميقة شهدتها الجزائر. فقد كانت منطقة (فرجيوة) زاخرة و عامرة بالعديد من الشخصيات الوطنية المنضوية بمختلف الأطياف السياسية كان لها وزن في التاريخ الوطني بصفة عامة و المحلي بصفة خاصة، فظهور الحركة الوطنية الإصلاحية في وقت مبكر بها دليل قاطع على تأصل المنطقة وتقديمها لإطارات ساهمت في تحريك الحركة الإصلاحية بالجزائر، أضف إلى ذلك تنامي العمل السياسي و انخراط أهالي المنطقة في جل الأحزاب التي كانت تنشط آنذاك في الجزائر بدءا بحزب الشعب و حركة أحباب البيان و الحرية و الحزب الشيوعي و الكشافة الإسلامية و غيرها من التنظيمات التي احتضنتها الجهة. فالعمل السياسي والإصلاحي لم يتوقف بالمنطقة بل ازداد بشكل ملفت للانتباه، و هذا ما دفع بالسلطة الاستعمارية لمراقبة كل تحركات أقطاب الحركة الوطنية بفرجيوة وأعيان المنطقة آنذاك عن قرب. بالنسبة للفصل الثالث: تطرق الباحث من خلاله إلى أحداث 8 ماي 1945 ببلدية فج مزالة المختلطة و التي كانت تضم آنذاك عدة مناطق منها تسدان ،زارزة،لعياضي و هي المناطق التي أصبحت فيما بعد بلديات منفصلة عن (فج مزالة) سابقا (فرجيوة) حاليا حيث قدم العديد من الشهادات المسجلة و المدونة منذ سنوات التسعينات بالإضافة إلى إحصائيات عن سجناء و شهداء انتفاضة 8 ماي 1945 بالجهة. أما الفصل الرابع هو فصل خصصه للثورة التحريرية المظفرة وبدايتها بالمنطقة و أهم الأحداث الهامة التي عرفتها الجهة، وقد حاول التركيز على أبرز العمليات الفدائية والمعارك التي كانت (فرجيوة) مسرحا لها، إضافة إلى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 و التي لم يؤرخ لها بالشكل المطلوب. كما تناول قضية المجاهد (زرارة السعيد) و المعروف بالشاف السعيد أو بالسعيد الخطابي و الذي تمت عملية تصفيته بعد تاريخ توقيف القتال في 28 مارس 1962 . كما تطرق في الفصل الخامس إلى المعلم التاريخي الواقع بفرجيوة والمسمى بقصر الآغا و الذي صنف على أنه كان تابعا للفترة العثمانية وأن من بناه هو الشيخ أحمد بوعكاز بن عاشور، غير أن الأبحاث و الوثائق التي هي بحوزة الباحث الأستاذ مقراني تؤكد غير ذلك. وتثبت أن هذه البناية أنجزتها السلطة الفرنسية فور استحداث المكاتب العربية سنة 1875 ونظرا لأهمية الموضوع فإن المؤلف خصص فصلا منفردا للتوضيح، مدعما ذلك بخرائط و وثائق موثقة. وأيضا ملاحق خصصها لمختلف الخرائط والصور المتعلقة بأهم الأحداث بالمنطقة. و تطرق إلى مصادر البحث و الصعوبات التي تواجه الباحث وخاصة إذا تعلق الأمر بكتابة تاريخ منطقة محددة نظرا لانعدام أرشيف مجمع في مكان واحد أو هيئة تقوم بالإشراف والمحافظة عليه، ولم يكن من السهل عليه تدوين مختلف المحطات التاريخية والأحداث الثورية بالجهة، وإجراء استجوابات مع بعض من شاركوا في صناعة التاريخ بسبب وضعهم الصحي وضبابية شهاداتهم لضعف ذاكرتهم أو الاحتراز من مثل هذه المقابلات إذا تعلقت ببعض المسائل الدقيقة بالنسبة إلى البعض الآخر، ومهما يكن من أمر فإن المصادر الشفوية رغم أهميتها في مثل هذه الأبحاث يبقى التعامل معها ومع المادة المقدمة من قبل أصحابها عملية صعبة تستوجب من الباحث الحذر و الاحتراز و الانتقاء و الإثراء عن طريق الوثائق المنشورة و الكتابات المختصة وغيرها من المراجع و المصادر التي تم نشرها أثناء تلك الأحداث. وقد اعتمد الكاتب الصحفي محمد الصادق مقراني في عمله هذا على العديد من المراجع والكتب منها كتاب 8 ماي 1945 بفج مزالة و ضواحيها ، فج مزالة عبر التاريخ ، و كتب تم إصدارها من طرف مديرية المجاهدين و الأمانة الولائية للمجاهدين لولاية ميلة، إضافة إلى اعتماده على مصادر فرنسية منها كتاب أوجان فالي ومنشورات لضباط فرنسيين كانوا يؤدون خدمتهم العسكرية بالمنطقة. كما اطلع على العديد من أعداد جريدة (لاديباش قسنطينة) الصادرة بين 1954 -1962 لمقارنة الأحداث و استبيان مدى تطابق تأريخاتها من خلال الشهادات و الوثائق و المراجع التاريخية.
كشاشة عبد العالي

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق