B الواجهة

المجاهد الهاشمي الريمي يدلي بشهادته ،وعلي محساس يؤكدها

المجاهد الهاشمي الريمي يدلي بشهادته ،وعلي محساس يؤكدها

– أصيل الرقيبة سعيد ادريس بن الطاهر يشير على محمد بالوزداد  أن يكلف مناضلي سوف بتأمين سلاح  انطلاق ثورة التحرير.

– سلاح انطلاق الثورة ، ليلة الفاتح نوفمبر، وفره السوافة بطريقتين: دفعة كبيرة مولتها قيادة التنظيم، ودفعات مولها  مناضلو سوف.

العلم الجزائري

المجاهد الهاشمي الريمي: شاهد على تأمين مناضلي سوف لأول دفعات السلاح ، التي انطلقت  بها ثورة التحرير، تلك التي مولتها القيادة الوطنية للتنظيم السري، بالمال المحصل من عملية سطو الرئيس أحمد بن بلة وجماعته، على بريد وهران، والدفعات الأكثر منهابعشرات المرات ،التي وفرها مناضلو سوف، على حسابهم، الدفعة الأولى أوصلها للزيبان علي سبع جمال عبد القادر العمودي والشهيدان محمد بالحاج والبشير بن موسى، وباقي الدفعات أغلبها أرسلت على حافلة الطليان،  من الوادي إلى بسكرة ، وأشرف على مسؤولية شحنها المناضلان  العروسي النوبلي والهاشمي الريمي….. شهادة غنية ، من رجل عالي المصداقية ،أكدها علي محساس ، أحد كبار الشخصيات الثورية الوطنية.

الانضمام لحزب الشعب

كنت أسكن في حي أولاد أحمد بالوادي، وأغلب أندادي عمرا انضموا لحزب الشعب، فور تكوين أول خلية له في بيت الهاشمي ونيسي عام 1943،  في حي التريسيتيبالمصاعبة، ثم فتحه مكتبا  للحزب بحي الأعشاش ،وأول من خاطبني في موضوع الانتساب للحزب هو محمد بلحاج، فانتميت  له فورا، وكنت أزور مكتبه دائما، وهناك شاهدت العلم الحالي لأول مرة، وكان خاصا بالحزب آنذاك ، وسمعنا الأناشيد ، وفي المكتب كنا نقرأ الجرائد التي يوفرها أعضاؤه . وجل الحديث كان يدور حينها عن تحركات مصالي الحاج، وما تفعله  به فرنسا .

لم نكن نفقه شيئا عن معنى كلمة الاستقلال، ولهذا كانت تقدم لنا شبه ما تسمونه اليوم محاضرات ، عن مبادئ حزب الشعب، وأولها كانوا يحدثوننا على الاستقلال ، وما يعنيه، لم نكن  ندرك معناه ، ولدنا وولد آباؤنا وفرنسا موجودة في سوف، ولا توجد أحزاب  تنشر الوعي، والجرائد لم تكن تصلنا، وما يصل منها بالفرنسية ، ولا يحسنها منا سوى أفراد قليلون ، فلم نكن نتعلم سوى في المساجد، حفظ ما تيسر من القرآن الكريم ، دون  أية  مبادئ لعلوم اللغة العربية ، علمونا في مقر الحزب ، أن الجزائر كانت قبل دخول فرنسا دولة مستقلة، شعبها يحكم نفسه بنفسه، وكانت دولة غنية تبيع القمح لفرنسا، ولما احتل الفرنسيون بلادنا ، أخذوا أفضل أراضينا ، وتحكموا فينا، وحزبنا يحب العودة لما كنا عليه من استقلال، نحكم أنفسنا ، وتكون لنا علاقات صداقة بفرنسا ، ومع بقية الحكومات الأخرى، نحن عرب مسلمون ، وهم غير مسلمين ، لماذا يبقون في أرضنا؟ كانت هذه  الفكرة الأولى التي غرسها المناضلون الكبار في عقولنا ،  ومن يومها تلبستنا روح الوطنية ، وكره فرنسا، ولكن لم نطرح ولا مرة السؤال العظيم: كيف نخرج فرنسا؟

كيفية استيعابنا فكرة الاستقلال

وعندما استوعبنا فكرة الاستقلال، وتميزنا على الفرنسيين”لقور الكفار”، لأننا عرب مسلمون، وبالتالي يجب أن يكون بلدنا عربيا مسلما، لا يحكمنا الفرنسيون…. أصبحنا نتحدث بهذه الفكرة في كل المجالس، وتقريبا أقنعنا بها كل أندادنا ، وفي ما أذكر كل شباب مدينة الوادي تقريبا، انضموا لحزب الشعب الجزائري  وأصبحوا  يرددون  أفكار الحزب في ضرورة خروج فرنسا من بلادنا ، وإن كان الجميع كما أسلفت لم يطرح السؤال الجوهري. كيف نخرجها؟ كنا نقوم ببيع جرائد الحزب ، وأحيانا نكلف بكتابة الشعارات ، تجعل الناس بعد قراءتها ، يتساءلون عن معناها، وهذا يفتح المجال للنقاش في مواضيعها ، ويدعم يقظة المواطنين ، والتفكير في الموضوع جيدا، ودوركم كمناضلين شرح الموضوع فيما بعد . وللتاريخ كنت أعرف دائما أن الهاشمي ونيسي هو رئيس الحزب ، وعبد القادر العمودي هو نائبه ، وكان يشرف على الارتباط بقيادة الحزب خارج سوف ، وخاصة في بسكرة ، وأعرف أنه كان صديقا للعربي بن مهيدي الذي كان زميل دراسته  في بسكرة.

قصة الالتحاق بالتنظيم السري

قصة التحاقي بالتنظيم السري لها حكاية، أذكر أننا كنا مجموعة من الشباب ، نجلس مع بعضنا مساء متأخرا ، في حي أولاد أحمد ، مر بجانبنا الشهيد الهاشمي ونيسي، فدعاني أنا وميلودي عبد الكريم وحساني مهرية والسايح العيد لمنزله، لأنه كان يلاحظ وجودنا في مقر الحزب، ويعرف حماستنا لمبادئه ، كان هذا أواخر 1947،حدثنا أولا في مبادئ الحزب ، وفكرته الأساسية في طلب الاستقلال ، وسألنا إن كنا مقتنعين بهذه المبادئ .فأجبناه جميعا ” طبعا مقتنعون بهذا المبدأ ” . فسألنا : ألم

تسألوا أنفسكم كيف يمكننا إخراج فرنسا؟ وصراحة بهتنا جميعنا، ولم نجبه. فقال لنا: لا يمكن إخراج فرنسا دون حرب مسلحة ، وأنتم تعلمون، كيف خرجت ألمانيا من البلدان التي احتلتها ، لم تخرج لأنهم قالوا لها اخرجي ، بل هزموها بالثورة المسلحة. وأنتم تعرفون أن فرنسا وعدتنا بالحرية بعد اخراجها لألمانيا من بلادها، وتجند مئات الآلاف من شبابنا لمساعدتها كي يعطونا استقلالنا، ولكنها  بعد أن استقلت تنصلت من وعودها . ولما خرج الشعب يطالبها بتنفيذ وعدها في 08 ماي1945، قتلتنا  بعشرات الآلاف ، وأدخلت رجالاتنا  للسجون، وتعرفون أنني كنت من بين المسجونين في الزاوية الكحلة، لكن هل يعتقدون  إخافتي بالسجن ، أبدا لن أخاف إلا من الله، ولقد بقينا نطالب قيادة الحزب باشتعال ثورة الاستقلال، حتى  كان مؤتمر الحزب الأخير،  الذي وافق فيه الزعيم مصالي، على المبدأ . لو اندلعت هذه الثورة المسلحة هل تلتحقون بها؟ فأجبنا كلنا بنعم. فقال الهاشمي ونيسي حينئذ: لقد بدأ التحضير لهذه الثورة ، بإنشاء فرع من أبناء الحزب، يحضر  لاندلاعها ، ومن يرغب منكم في الانضمام لهذا التنظيم ،  نرتب أموره الآن، فوافقنا جميعا. جاءنا بالماء وطلب منا الوضوء، ثم جاء بالمصحف الشريف ووضع بجانبه المسدس ،  وطلب أن يقسم كل واحد منا كالتالي: ” والله العظيم سألتزم بالعمل لتحرير الوطن، وأن أطيع أوامر قيادتي، ولو كان قتل والدي، وعدم البوح بأسرار التنظيم مهما كان”

 

سبب تكليف مناضلي سوف  بتأمين اندلاع الثورة

وعن سبب تكليف مناضلي سوف، بتأمين سلاح انطلاق الثورة التحريرية، يروي  الهاشمي الريمي القصة التالية، نقلا عن المرحوم أحمد ميلودي، الذي عمل معه عشرات السنين، وملخصها: أن محمد بلوزداد الذي كان مسؤول حزب الشعب على القطاع القسنطيني ، كثيرا ما كان يقيم عند أصيل سوف، وتحديدا بلدية الرقيبة (سعيد ادريس بن الطاهر، شقيق الشهيد سعيد عبد الحي) وينتمي للمصاعبة ، فرقة وسط الوادي، والذي كان صاحب متجر لبيع الدخان في قسنطينة.

وفي أحد المرات ، سهرا معا في بيت سعيد ادريس ، فلما أرادا النوم،  أخذ بالوزدادالأرق ، تفطن له ادريس، وسأله عن سبب أرقة، قال له بالوزداد: نم ليلتك وسأخبرك صباحا عن السبب، فلما ألح عليه ادريس قال له بالوزداد ، لقد بدأنا التحضير للثورة، بتنصيب خلايا التنظيم السري ، وجندنا الشباب في صفوفه، ولكننا لم نهتد بعد لكيفية إيجاد السلاح الذي ستنطلق به الثورة. فرد المرحوم ادريس بن الطاهر : طلبك موجود عندي. ففرح بالوزداد وسأله كيف؟ رد ادريس مازحا بنفس الطريقة التي حدثه بها بالوزداد : نم ليلتك وسأخبرك صباحا.

فرد بالوزداد لن أنام حتى تخبرني ، ودار جدال مازح ( نم وأخبرك صباحا- لن أنام حتى

 تخبرني….) وفي النهاية قال ادريس: مناضلو سوف،  يمكنهم التكفل بهذا الأمر ، وسأربط لك موعدا مع المناضل أحمد ميلودي، وهو من سيرتب الموضوع.

وبالفعل ربط  بينهما موعدا في مقهى، مازال قائما لغاية اليوم في شارع .

محمد بالوزداد في سوف

التقى الرجلان فعلا حسب الموعد المحدد، وتحدثا في الموضوع، وطمأن أحمد ميلودي بالوزداد بقدرة مناضلي سوف  على القيام بالمهمة، وعليه أن يزور الوادي ليجتمع بالأخوة ، ويكلفهم شخصيا بالمهمة رسميا، وكان وقتها الهاشمي ونيسي هو رئيس التنظيم ، فقد بقي في رئاسته لمدة سنة ، ولأنه كان معروفا كثيرا ، وعلاقاته الاجتماعية واسعة، وحركته بهذه الصفة المكشوفة ، كلفوا أخيه المولدي ، فاتفق بالوزداد مع أحمد ميلودي على الأمر، وتواعدا على  اللقاء في يوم محدد ببسكرة، وبالفعل كانا في الموعد ، وكلفا السيد العاشوري بشير ليؤمن لهما الركوب على شاحنة ” حلاسة” لأنه كان مشرفا على مكتبها في بسكرة، وبالفعل  جاءا معا للوادي ، واجتمع بالوزداد، بالخلية الأم للتنظيم السري، في سوف، وتحدث مع أعضائها

في موضوع تأمين السلاح لانطلاق الثورة ، وأعلمهم أن قيادة التنظيم وقع اختيارها على مناضلي سوف ، لتوفر الأسلحة في المنطقة ،  والجنوب التونسي وليبيا، من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وتم تكليف الشهيد محمد بالحاج بالإشراف على العملية كلها : ووقع الاتفاق على التالي:

1- سترسل القيادة مبلغا ماليا يكفي لجلب حمولة من تونس ، أو ليبيا ، يمكن اعتبارها البداية التي تشجعنا على مواصلة عملنا في التحضير للثورة.

2- إذا توفرت كميات سلاح معتبرة في أي وقت، تدفع قيادة التنظيم الوطنية ثمنها، لأنه يتجاوز قدرة المناضلين.

3- كميات السلاح القليلة يتدبر مناضلو المنطقة ثمنها.

وهو ما تم بالفعل. وللعلم فإن ما جمع على حساب مناضلي سوف بين العامين 1848- 1952، كمياته أكثر بكثير من الذي دفعت القيادة ثمنه.

الهاشمي الريمي وتوصيل السلاح لبسكرة

عندما قبل مناضلو سوف : التكفل بأصعب مهمات التحضير للثورة، تأمين السلاح، كنت أعمل في فندق ” رابسكي” فأمروني بالاستقالة ،  وتوسطوا لي لأعمل عند الطلياني doglion صاحب الشاحنات التي تسير الرحلات لبسكرة. وعندما يتلقون التبرع بقطع السلاح كما هو مطلوب، أي كل  من عنده قطعة سلاح من المناضلين طلب منه التبرع بها،  ومن يعرف شخصا  يبيع سلاحا، يخبر القيادة كي تتدبر وسيلة لتشتريه منه، والسلاح أيامها كان متوفرا نسبيا،  بعد الحرب العالمية الثانية، التي دارت بعض معاركها في منطقة ” رمادة” ولاية تطاوين التونسية، القريبة من المثلث الحدودي الجزائري الليبي التونسي، ويستوردونه من هناك بثمن معقول. وقد  خزن عندي محمد بلحاج في البداية 84 قطعة سلاح (ستاتي وخماسي ورباعي) ، و12 رزمة مليئة بالذخيرة (الكرطوش) ، كل رزمة وزنها في حدود 50 كلغ .

وحتى أرسلها على شاحنة  ( دوقليون)  لم أكن أخدها أنا مباشرة من بيتي ، بل كنت أسلم الكمية المطلوب ارسالها لمحمد بلحاج، ويقع التسليم كالتالي: أخرج ليلا ببرنوسي، وتحتي 06 قطع محزومةجيدا وعليها غطاء , وأضعها في مكان متفق عليه مع محمد بلحاج ,قرب مسجد عمر بن الخطاب حاليا , الواقع مباشرة شمال مقبرة أولاد أحمد بالوادي ، ويكلف محمد بلحاج واحدا آخرا لأخذها من المكان , وإيصالها لمكان لا أعرفه , وهناك يقع توضيبها مرة في ( بطانة) تمر , ومرة وسط سيقان الجريد , الذي كان يرسل لمصنع الكراسي في بسكرة , وأخرى في الحلفاء التي كانت ترسل لصناعة الحصائر , وغير ذلك من الوسائط ، ثم يأتيني بها محمد بلحاج لإرسالها على الشاحنة،  أو حافلة الطليان،  حيث أعمل , ونكتب عليها اسما مستعارا للمرسل , واسما مستعارا للمرسل إليه في بسكرة , حيث يعمل  هناك أيضا أحد شباب التنظيم ويدعى كمال , فيسلمها لمن يرسله محمد بالعصامي ، وتؤخذ لمكانها المخصص , ثم توزع على مواقع التخزين عبر التراب الوطني .

كيفية جمع مناضلي سوف للأسلحة

شهادة بما أعلم، أنه بعد أن جندني وزملائي الهاشمي ونيسي ، وقسمنا لثلاث مجموعات: مجموعة الاعشاش تحت قيادة المدعو  سالم  ومجموعة حي المصاعبة وتتكون من : عدوكة بلقاسم، عمراني سعود، السايح بوبكر، ومجموعة أولاد أحمد ، تتكون من الهاشمي الريمي، ميلودي عبد الكريم، حساني مهرية، السايح العيد تحت رئاسة المولدي ونيسي ، وكل هذه المجموعات وغيرها مما لا أعرفه، أو نسيته، مكلفة بجمع السلاح من المناضلين، أو شرائه ممن يرغب في البيع ، ومنسق كل هذه المجموعات في مدينة الوادي المولدي ونيسي، أما المسؤول عن عملية التسليح في سوف كلها فهو عبد القادر العمودي ، ولكن الكميات الكبيرة ، والسفر لشراء السلاح،  فإنها مهمة محمد بلحاج ، وهو أيضا تحت مسؤولية عبد القادر العمودي.

جمع المال لشراء السلاح

عندما جندنا  الهاشمي ونيسي، طلب منا التالي، من عنده سلاح شخصي، عليه أن يتبرع به لمصلحة الثورة المسلحة المرتقبة، وابحثوا على من عنده قطعة سلاح،  يرغب في بيعها ، حتى نكلف من يشتريها منه، وكانت جل العائلات حينها تتوفر على سلاح فردي ، للدفاع الذاتي ، وأحيانا يقع استعماله في حفلات الزواج تعبيرا على الفرح، وبشكل عام كان متوفرا نسبيا، ويكلف مناضلون في حزب الشعب ، بجمع المال على طريقتين ، الاشتراكات الشهرية، أو التبرعات من عند الميسورين نسبيا، وكان يقع الأمر نفسه في منطقة عميش بواسطة الهادي بوصبيع مسؤول الحزب هناك، ومحمد شوشان سلطاني المكلف بالتنظيم السري، وفي الرقيبة كان المكلف السيد البشير جابله.

وقد بدأنا بأنفسنا ، بحيث جاء كلمنا  بسلاحه الشخصي .

توضع الأموال عند المسؤول في الحركة، وكل من عرفنا عنده قطعة سلاح، يرسل المسؤول من يشتريها  منه، بحجة المتاجرة بها، وكان كل ما تجمع مبلغ لا بأس به من المال، أخذه محمد بلحاج ، وذهب به للبادية، أو كلف بعض أفراد البادية لجلب سلاحمن منطقة تطاوين ، حيث كان يباع بربع الثمن الذي يباع به في سوف، وما يتمكن محمد بلحاج من شرائه بهذه الطريقة يرسل بالطريقة إياها على شاحنة الطليان، وفي بعض الحالات عندما تكون الكمية أكثر من قدرة  لفها في الوسائط العادية وارسالها  بالشاحنة، ترسل بواسطة الإبل لتوقرت، ومن هناك تؤخذ بالقطار لبسكرة، وأعرف أن محمد شوشان وعبد العزيز بوصبيع فعلا هذا الشيء أكثر من مرة.

عندما كاد السلاح ينكشف أثناء رفعه لحافلة الطليان

في  ما كنت أرفع حصيرة مصنوعة من السعف، ملفوف وسطها بعض قطع السلاح، ولأنه لم يكن مربوطا بشكل جيد، ظهر رأس بندقية وكان غير بعيد مني ملازم فرنسي، فأسرعت بوضع الحصيرة على الشاحنة، وأنا-  غفر الله لي- ، أسب الدين لأول وآخر مرة في حياتي، وأقول ” تعبتونا من أجل سلعة ستنزل في قمار،  فلن أعمل بعد اليوم في هذه الشركة” ، واستعملت هذا الأسلوب لأبعد الأنظار ، ويلتهون بإرضائي ، وابعاد التهمة عن نفسي،  إذا تم كشف السلاح، وبعد ذهاب الحافلة ، طلبني  الملازم لأمثل بين يديه،  وقال لي ” إ ذا لم تعد غدا على الساعة الثامنة صباحا للعمل ، سأضعك شهرا في السجن” ، وبما أن سوف كانت منطقة عسكرية  وبإمكان من يحمل رتبة عسكرية، ادخال أي مواطن في السجن، كأنه عسكري مخالف تماما، دون مرور على أية محكمة… فلما جئت في صباح اليوم التالي، وجدته ينتظرني، أمام الشاحنة، ليتأكد من عودتي، فاحترمني،  وأمر العروسي النوبلي زميلي في العمل والنضال، أن يسقيني قهوة على حسابه ، ومن يومها عرفت أنني نلت ثقتهم ، وأصبحت أعمل في إرسال السلاح بأريحية أكثر،  ومحمد بلحاج أصبح يلح كثيرا على التأكد من حزم السلاح، واخفائه بشكل جيد ، لأن الاهمال  قد يسبب كارثة لجميع من لهم علاقة بالموضوع، ولم تحدث مشكلة منذ ذلك اليوم ، إلى أن غادرت العمل سنة 1950.

الأمر بمهاجمة ثكنة الوادي 1948

عندما تجندنا في إطار التنظيم السري، أخذنا عبد القادر العمودي في أكثر من مرة لتدريبنا على استعمال السلاح ، شمال شرق غيطان الوادي، منطقة ” حي الناظور” حاليا وكانت أيامها بعيدة عن المدينة ، بعد أن دفنت الغيطان وأصبحت كلها حيا سكنيا.

وليجربنا إن كنا ملتزمين  فعلا بأوامر القيادة، اجتمع بخليتنا مرتان، وضع لنا خطة لندخل إلى الثكنة العسكرية ،  التي مازالت موجودة لليوم ، في وسط مدينة الوادي، في المرة الأولى كلف واحدا ليعترضنا في طريق الثكنة ، نادى سي عبد القادر العمودي، تحدثا قليلا ، ثم جاءنا العمودي ليخبرنا أن العملية تأجلت لموعد آخر ، وفي المرة الثانية ، سار معنا يتقدم  المجموعة تجاه الثكنة أنا وعبد الكريم ميلودي والسايح العيد (غموم) وحساني مهرية ، حيث وصلنا تحت أقصر جدار ، وهو الواقع في المنطقة الغربية، المطلة الآن على ساحة حمه لخضر،  التي بها النصب التذكاري للشهداء، وأعاد لنا شرح الخطة ، بحيث ندخل الثكنة بقفزنا من على الجدار، ونتوجه إلى مخزن الأسلحة ، فنأخذ منه ما استطعنا، ونرميه له وراء الجدار، أعطانا الأمر بالتنفيذ ، وبدأ بي أنا ، لأقفز على الجدار، وبالفعل بدأت بتنفيذ الأمر، فقفزت ووضعت يديا على الجدار ، ورميت برجلي اليمنى أعلاه ، لأرتمي في الحركة الثانية، داخل الثكنة، ولكن عبد القادر العمودي التقط رجلي اليسرى، وأمرني بالنزول ، واعترف لنا حينها ، أننا نجحنا في الامتحان، لأنه أراد معرفة مدى طاعتنا لأوامر القيادة، مهما كانت المهمة خطيرة، وأي خطورة أكبر من سرقة سلاح الثكنة.

بداية عام 1954 أمرته القيادة بالانتقال للعاصمة

بعد أن أنهى الهاشمي الريمي عمله  في شركة ( دوقليون) للنقل من الوادي إلى بسكرة عام 1950، عاد للعمل في الفندق عند” رابسكي” وفي عام 1954 جاءته الأوامر بالانتقال  للجزائر العاصمة ، وهناك واصل عمله، مع أحمد ميلودي، ثم ذهب لفرنسا ، وناضل هناك ، وكاد يتورط مرة بالوقوع وحجة إدانته في بيته، حيث جاءت السلطات مرة للتفتيش في ” برارك العمال” وكان سلاح مجموعته مخفيا  بصندوق في ” براكته” وعندما اقتربوا منها للتفتيش، أخذ بخناق صاحبه في البراكة، وأصبح يتهمة بالسرقة، ويضربه ويسبه، ويصرخ في وجهه ، فأسرعوا إليهم ليفضوا الخناقة بينهما، فلما فصلوا بينهما، وأمروهما بعدم تكرارها، جلس الهاشمي على الصندوق المملوء بالسلاح، وقال لهم : لولا احترامي لكم، ما تركته أبدا، لكن لما تدخلهم ، فإني أسامحه ، تركوا ” براكتهم” دون تفتيش ، وذهبوا للبراكة ( كوخ خشبي) الموالية لها… اختلق الهاشمي الخناقة، ولم يعلم صاحبه أنه سيفعلها معه، حتى تأخذ جديتها، ولما انتهى التفتيش اعترف لصاحبه ، وسامحه على ما لحقه من ضرب وسب ، وشكره المسؤولون  على فعلته، التي حمت سلاحهم، من السقوط في يد فرنسا ، ولولا ذلك لألقي القبض على أكثرهم.

وعاد للجزائر عام 1956، واصل نضاله إلى الاستقلال، لم يرغب  في استخراج عضوية انتماء لجبهة التحرير، حتى أصبح محمد بوضياف رئيسا، وهو يعرفه جيدا في الوادي، ويعرف دوره، والتقاه مع ميلودي والعمودي وسأله عن وضعه، فأخبره الهاشمي  أنه لم يسع لنيل عضوية مجاهد ، ففرض عليه اتمام اجراءاتها احقاقا للحق…وأقسم لي الهاشمي أنه لولا الخجل من الرئيس بوضياف حينها ، ما كان ليستخرجها ، لأنه ما كان يعقل رفض أمره وهو رئيس الدولة، لأنه لا يرى استخراجها مفيدا، بل يستهلك الحسنات، ونحن كما يقول” فعلنا ما فعلناه ، وركبنا الخطر ، في سبيل الله ، وأي امتياز نأخذه بهذه العضوية، ينقص من حسناتنا.

المجاهد الدكتور علي محساس يؤكد شهادة الهاشمي الريمي

يوم السبت 09 جانفي 2010 ، حضرنا ندوة في الزاوية القادرية بالبياضة ، عنوان الندوة” التراث الثوري للشيخ الهاشمي ” ، حضرها المجاهد الكبير علي (أحمد) محساس ، فلما كان الفطور ، ذهب كل الحاضرين لمكان ، وأبقوني أنا والمحامي عبد القادر غريسي ، والمرحوم  ابراهيم شرفي لتناول الغذاء  مع محساس، وشيخ الزاوية القادرية في الجزائر وعموم إفريقيا الأحسن بن محمد بن ابراهيم حسن  ، وكان يجالسنا المضيفون  المرحوم ابن عمر لخضر ( العياط) والهادي هميسي، وابن عمر عبد القادر (دلولة) ، فاغتنمت الفرصة لأتثبت من بعض المعلومات ن التي كان لمحساس دور فيها ن وسمعتها من الهاشمي الريمي، والمرحومين عبد المالك الجنة والطاهر بن عيشة.

فاستسمحته بإجراء حوار معه ، حول بعض الأمور التي له بها دراية ، ولها علاقة بأهل  منطقة سوف ، فرحب بالفكرة ، وأمام الحاضرين المذكورين وشهادتهم كان بيني وإياه الحوار التالي:

 سؤال: لا يوجد من يفتخر بالسطو ، ويعتبره وساما ، يكلله بالفخار ، ويعتبره الجزائريون جميعا  عملا وطنيا ، كسطوكم مع بن بلة وباقي اخوانكم على بريد وهران، كم هو المبلغ الذي أخذتموه .

علي محساس: أكثر من 4 ملايين فرنك .

سؤال: علمنا أن جزءا من هذا المبلغ، مولتم به أول دفعة سلاح ، هي كما يقول العمودي: حمولة سبع جمال قوية ، جلبها محمد بلحاج من ليبيا ، وقيل أنكما الوسيط في هذه العملية؟

علي محساس: لم أكن الوسيط بل كنت المشرف على العملية ، والوسيط بيني وبين الجماعة في سوف هو ( محمد بلعصام)، فقد سلمته المال ، وأجرى اتصالاته، وبعد انجاز العملية ، أعلمني أن السلاح وصل وهو مخزن في زريبة الوادي، غير بعيد من بسكرة.

سؤال: ما إضافتكم لما سمعناه من المناضل الهاشمي الريمي، أن مبادرة تكليف مناضلي سوف بتأمين سلاح انطلاق الثورة كانت من أصيل سوف ( سعيد ادريس بن الطاهر) ، اقترحها على محمد بلوزداد  الذي كان غالبا ما يقيم عنده في قسنطينة، ورويت له القصة كما سمعتها من الهاشمي الريمي،وقدم محمد بلوزداد شخصيا لسوف وحضر اجتماعا لقيادة التنظيم فيها ، وكلفهم رسميا بمهمة  تأمين السلاح لانطلاق الثورة ، وأسندت مهمة التنفيذ لمحمد بلحاج ،وما كانت هذه المهمة لدفعة السلاح من ليبيا ، وغير ذلك من الدفعات من الأسلحة الممولة على حساب مناضلي المنطقة ، إلا بأمر محمد بلوزداد شخصيا ؟

علي محساس: هذا صحيح ، هذا صحيح ، وأنا أعرفه تماما ، ولكن فيما يخصني تكلفت فقط بالدفعة الأولى المجلوبة من ليبيا ، وكان وسيطي محمد بالعصامي ، الذي كلفته بالإشراف على متابعة عملية التسليح .

سؤال: عرفنا من المناضلين المؤسسين للتنظيم السري في سوف، أن أول مسؤول للأوراس في بسكرة  كان العربي بن المهيدي ، ومسؤول سوف هو عبد القادر العمودي ، فلما تقلد بن  مهيدي مسؤولية التنظيم في وهران ، خلفه عبد القادر العمودي على الأوراس وبسكرة  والصحراء ما مدى مصداقية ما سمعنا ؟

علي محساس: صحيح كان هذا  هو ترتيب المسؤولية في التنظيم بالأسماء ، ولكن بخصوص دفعة السلاح الأولى وغيرها مما وصل الشمال من الأسلحة كان المسؤول أمامي هو محمد بالعصامي ، وما وصلتكم من معلومات هي صحيحة تماما .

سؤال: أعذرني في طرح سؤال محرج ، عن معلومات زودني بها الطاهر بن عيشة وعبد المالك الجنة، وهي أنكم شخصيا من ألقى القبض على سعيد عبد الحي وهالي عبد الكريم والطاهر بن عيشة وجماعتهم من الإطارات المكونة لما يدعى الأمانة لجبهة التحرير في تونس ؟ وعبد المالك الجنة يقول أنك من أخذ شخصيا عباس لغرور من السجن للمحاكمة ، فلما دخلتم للجنة شخصيا لأخذه كذلك ، ظهر لكم وأنه مجنون واستعملتم عبارة il est fou، وتركته ؟

وهنا انتفض ابراهيم شرفي ،ووقف منفعلا ، ووجه كلامه لي ، أنقله حرفيا كما سمعته  بحضور الجميع ” علي عليعلي  ، متسهلاش عن هذا اسهلني نا ، أنا كنت معاهم ، هو شخصيا – وأشار لمحساس بالأصبع- ألقى القبض علينا بتونس العاصمة ، وأخذنا للحبس التونسي، ونا هو بذاته وهاو نقولهاله في وجهه : انت حطيتني في الزنزانة رقم 10 ” فأخذني وجميع الحاضرين الذهول ، ونوع من الخجل من السيد محساس، أمام هذه المواجهة المحرجة ، ولكنها صادقة ، وهو شخصية نحترمها جميعنا كثيرا ، فتلون وجه محساس ، ولم ينكر الحادثة أبدا ، ولكنه قال ما يبرر فعله فيها ( بانزعاج مكتوم) : الحادثة صحيحة ، ولكن يا سي ابراهيم تلك ظروف لها معطياتها ، والأحداث تفسر بظروفها ، ومعطياتها، وليس بمجريات حوادثها. فتوقفنا على الحوار ، وخرجنا مع بعضنا من الزاوية ، حتى وصلنا إقامة الولاية في حي 19 مارس بالوادي ، ودعناه مع الشيخ الأحسن ، شد على يدي بقوة وقال لي : هذه أمور تبقى للتاريخ ، وبارك الله فيك على اهتمامك بتاريخ الثورة ، واصل عملك بتوثيق ما استطعت توثيقه .

بوصبيع علي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق