حوارات

الإعلامي و الرّوائي العراقي المغترب قُصَيْ الشّيخ عسكر لـ : “التحرير”: لابد من اتفاق عالمي لتجفيف منابع الإرهاب و تطهير البلاد العربية من المتطرفين

(الشهيد عبد الكريم قاسم خصص 05 % من نفط العراق لثورة الجزائر)

(كُنَّا نخرج في مظاهرات لدعم الثورة الجزائرية و نهتف ( ديغول اطلع برَّه.. الجزائر صارت حرَّة)

 العديد من الأدباء في الساحة الأدبية العربية ،من كان لهم وعي الأدب العربي بتمزقه وبأزمته الحادة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، كان القلم سلاحهم الوحيد يعبرون به عن غربتهم و حنينهم إلى الوطن، و من الأدباء العرب الذين يكنون حبًّا للجزائر، الإعلامي و الروائي العراقي قصي الشيخ عسكر، و الحديث مع الروائي قصي يشعرك و كأن  كل شيء مجتمع حوله الوطن والأهل والأصدقاء ..الحياة  كلها حاضرة معه في الغربة، كان لنا لقاء بالروائي قصي الشيخ عسكر فكان لنا معه هذا الحوار الشيق

  التحرير: يريد القارئ الجزائري التعرف على شخصكم  الكريم؟

اسمي قصي عبد الرؤوف عسكر و اسم الشهرة قصي الشيخ عسكر والشيخ عسكر هو جدي كان أول إمام للجيش العراقي في بداية تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، ولدت عام 1951 في قرية نهر جاسم من أعمال قضاء شط العرب، كان شط العرب ناحية حينذاك و التنّومة مركز الناحية، درست الابتدائية في شط العرب والثانوية في منطقة ( العشار) حيث مركز محافظة البصرة في حين كانت دراستي الجامعية في جامعة البصرة كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1973-1984… ثم أكملت الماجستير في جامعة دمشق والدكتوراه في الجامعة الإسلامية بلندن، عشت في الدنمارك وأحمل الجنسية الدنماركية و أعيش الآن في بريطانيا مدينة نوتنغهام، أكتب الشعر والرواية والبحث الأدبي، لدي ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة وعدد من الروايات وكتب في التراث منها معجم الأساطير الجاهلية وأساطير العرب قبل الإسلام ،وعلاقتها بالديانات القديمة.

 التحرير: كأديب مغترب كيف ترون وضع الجالية العربية في المهجر؟ و المشاكل التي تواجهها؟

     وضع الجالية العربية في المهجر؟ الآن..، لا أظن الوضع مريحا، مادام هناك كابوس يغذي التطرّف،  من قبل، كانت الحكومات تبعث بأئمة مساجد والسفارات لها ملحقات ثقافية، هناك المغرب تبعث إماما إلى الجالية المغربية والجزائر تبعث إماما إلى الجالية الجزائرية و كذلك تونس تبعث إماما إلى الجالية التونسية والحكومات دائما تبعث أئمة معتدلين وليسوا سلفيين، ما حدث هو أن التطرّف “الوهابي” اجتذب شعوبا مغاربية و أخرى عربية إليه، و انشقت الجاليات إلى متطرفة سلفية ومسالمة، نضيف إلى ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة ، جعلت الجاليات العربية أقل اندماجا بالمجتمعات التي تعيش فيها وأكثر اتصالا بالشرق ، ثم تأتي مسألة الإحباط النفسي التي يعيشها العرب في أوروبا وأمريكا ، حيث تجدين هناك المعتدلين والمتطرفين مما سبب تغييرا في الرأي العام الأوروبي الذي عاد الخط السلفي وذكره بمصطلحات قديمة مثل الرّق والجزية والذمي والقتل وقطع الرؤوس وغير المسلم كافر نجس وعلى المرأة أن تغطي وجهها وكلها عورة، ومكان المرأة في البيت وهن ناقصات عقل ودين إلى غير ذلك من الأفكار البالية التي لم تعد منسوبة والدين منها براء،  هذه الأفكار يتم ترجمتها وترويجها يوميا من قبل المتطرفين في المجتمعات الغربية، وتذاع على الهواء مباشرة وتنشر في الصحف ، إن الجالية العربية منشقة على نفسها والخطأ من الأساس لن يمكن إصلاحه ما لم يتم تطهير البلاد العربية من المتطرفين.

  التحرير: ماذا منحك المهجر و أنت بعيد عن الوطن؟ أم أن الوطن يسكن كتاباتك فلا تشعرك بالغربة؟

هناك ثقافة جديدة يتعلمها المهاجر، لغة جديدة وعادات وتقاليد، أجواء مختلفة تماما غير التي كان يعيشها في بلده ، سيجد المهاجر نفسه وسط مجتمع يختلف عن مجتمعه، فيما يخصني تعلمت اللغة الدنماركية فكانت المفتاح الذي جعلني أندمج بالمجتمع الدنماركي في الوقت نفسه زادني وجودي في بريطانيا معرفة أكثر باللغة الانكليزية واكتشفت شيئا أخر، هو أننا في بلدان الشرق ندرس بعض المصطلحات والكلمات القديمة التي لم يعد يستخدمها أحد ،  إن عامل الثقافة مهم أيضا يمكن أن نفهم من خلال وجودنا في مجتمع ما ،أثر ذلك المجتمع فينا، من خلال المهاجر الجزائري في فرنسا يعرف مقدار نفوذ الثقافة الفرنسية في بلده ومدى تأثير ثقافة بلده على بلد الهجرة،  في الدنمارك مثلا الذي يقرأ تاريخ أهم معلم سياحي عندهم وهو مدينة الألعاب Tivoli يعرف أن سبب بنائها هو أن ابن السفير أو القنصل الدنماركي في القرن التاسع عشر في الجزائر عندما عاد إلى كوبنهاغن بعد انتهاء مدة عمله أصبح حزينا كئيبا، لأنه غادر الجزائر حيث الشمس والشرق فأراد أن يبني مكانا يشبه ألف ليلة وليلة فبنى مدينة الألعاب هذا بفضل أثر الشرق،  وقد أثرت فينا ثقافة مجتمع الهجرة أيضا تأثيرا كثيرا بخاصة في نمط التفكير والسلوك، كنّا نعيش في فوضى في بلداننا ، فكان هناك في المهجر النظام هذا ما يخص المهاجر نفسه.

 التحرير: و ماذا عن الأجيال القادمة؟

أما الجيل الثاني والأجيال اللاحقة فلن تكون مزدوجة اللغة بل سيتكلم أي منهم لغة البلد الذي يعيشه لا لغة الأب أو الأم، على سبيل المثال عندنا في الشرق ابن العم وفق التقاليد العشائرية أحق من أي إنسان في الزواج من ابنة عمه، في الوقت نفسه من الغريب أو الشاذ أن يتزوج ابن العم ابنة عمه في كل أوروبا حتى أوروبا المسلمة مثل ألبانيا والبوسنة، إذن هناك ثقافة أوروبية مشتركة بغض النظر عن الدّين، المهاجر الأول قد تكون بعض تلك الثقافة غريبة عنه لكن أبناءه وأحفاده يعدونها ثقافتهم لأنهم ولدوا على هذه الأرض، أما الشق الثاني من السؤال فأنا دائما، أحمل وطني معي ، الوطن، اللغة الأم، الثقافة التي فتح الإنسان عينية عليها  ، من المحال أن يتجرد عنها، هي ليست لباسا يمكن أن يخلعه بل هي ذاته : “وطني أواريه بقلبي إن يمت.. إن القلوب مقابر الأوطان” او قولي:  ” لا تحزن يا وطنا بالدمع يشيعنا للمنفى لا تحزن فهناك نموت كبارا”.

  التحرير: يقال أن المبدع وليد المعاناة؟ إذا كان الأمر كذلك كيف يحقق المبدع الاستمرارية؟

هذا حق ،المبدع وليد المعاناة ، والمعاناة هي التي تَخَلَّق الإبداع، المعاناة تفاعل وإحساس بالآخرين، ألام تعاني، تلد مرة ثم تلد مرة أخرى ، وثالثة لكنها لا تتوقع عن الولادة المتأتية عن المعاناة الأولى، الأنبياء صلوات الله عليهم  عانوا والمعاناة معناها الأمانة التي ألقاها الله تعالى على عاتق الإنسان فحملها و أنّت بها الجبال،  ولا أظن أن هناك حياة من دون معاناة، لأنها بعبارة أدق تعني تفاعل الإنسان مع مجتمعه والعالم، وكلما كان هذا التفاعل نقيا وقويًّا كان عمل صاحبه عظيما وأكثر إنسانية، و هذا يتوقف على أن تحمل نصوص المبدع لوعة البحث عن الإنسان الطاهر، العفيف والبحث عن الوطن الرحيم الذي لا يفرق بين الأبناء.

 التحرير: كل العالم يترصد الأحداث على الساحتين العربية و العالمية، ما هي قراءتكم للوضع الذي يمر به العالم العربي؟

 بصراحة الواقع مؤلم جدا، لقد انصرف العرب بصفة عامة والمسلمون عن القضية الفلسطينية التي هي لُب الصراع وجوهره مع الإمبريالية إلى حروب داخلية، نجد حربا في العراق هدفها التقسيم وحربا في سورية ، مصر تعاني من اضطرابات وتونس تطارد الإرهابيين ، لقد عانيتم أنتم من مذابح اقترفها المتطرفون بحق الشعب الجزائري أسوأ مما اقترفه المستعمر ، لم تكن الجزائر تعرف التطرّف الديني وكان هناك قادة طيبون من العرب و الأمازيغ،  كان المرحوم حسين آيت أحمد والمرحوم هواري بومدين يتقاتلان جنبا إلى جانب العرب من دون حساسية ما، لا دينية ولا قومية كانا مالكيي المذهب، لكنهما قاتلا من أجل الإباضي أيضا،  لقد كانت الجزائر بعد نهاية حكم الشاذلي بن جديد أول بلد يسقط ضحية الإرهاب ، الآن العالم يعيش المأساة نفسها،  لقد تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم الفكر المتطرف السلفي ( الوهابي) لغرض محاربة السوفيت في أفغانستان، ثم انتشر هذا الفكر بالضبط مثل التجارب المخبرية التي تفلت من المختبرات لتدمر الآخرين، فكانت التجربة الأولى التي راح ضحيتها الجزائر، لكن وعي الشعب كان عظيما، و لا ننكر أن الأمازيغ في الدول المغاربية لهم حقوق لكن لا يعني أن تقوم الحكومات بذبحهم،  كما فعل الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد حين قمع انتفاضة الريف، يقال أنه في الحسيمة لم يتوان عن ذبح البشر والدجاج ، هذه جريمة… وقد سجل التاريخ أن الأمازيغ في الجزائر والمغرب هم صِمَام الأمان من التطرّف الديني، و أما عن أحداث سورية والعراق فما زالت تستأثر باهتمام العالم… الوهابيون والمتطرفون يطلبون الحكم مهما كان الثمن، وقد انتقلت العدوى، عدوى القتل والتدمير نفسها إلى أوروبا والولايات المتحدة ولا حل إلا أن يكون هناك اتفاق عالمي على تجفيف منابع الإرهاب وتخلي آل سعود عن الفكر الوهابي المتطرف، وتغيير المناهج الدراسية، التي تبني فكرة العداء والتكفير في الذات البشرية منذ الطفولة.

 التحرير: تحول “المثقف” إلى قضية، ماذا يقول الأستاذ قصي في ذلك؟ و هل يمكن أن يحقق المثقفون العرب نهضة ثقافية عالمية؟

 المثقف هو لُب القضية. المثقفون في أوروبا وأمريكا اللاتينية هم الذين غيروا مجتمعاتهم تغييرا جذريا ، هم الذين نظّروا للمدارس السياسية والأدبية وهم من ضحى مثل المناضل الشهير جيغيفارا، و المثقفون العرب أن يحققوا ذلك إذا تجردوا عن عصبيتهم القومية والدينية والعرقية وأصبح موضوعيا وتجردوا عن أنفتهم وغرورهم، ونزلو من برجهم العاجي ليخدموا بمجتمعهم ولم يعزلوا أنفسهم عنه، وضحوا… و أعود فاذكر أن يضحوا مثلما فعل المثقف الأوروبي الذي عمل من قبل ضمن مجتمعه، من أجل مستقبل بعيد، تتمتع به الشعوب الأوروبية الآن.

 التحرير: نعود إلى مشواركم الإبداعي، ماذا عن إصداراتكم الجديدة؟ و هل هناك مشاريع في الأفق؟

هذا العام صدرت لي رواية جديدة عنوانها ( رسالة) وهي رواية مهجرية؛ وهناك ديوان شعر وثلاث روايات عن المهجر أيضا، كذلك ألفت كتابا بعنوان ( المنقلب والمتحول من الكلمات) ولدي قاموس عنوانه ( القاموس الثلاثي المشترك عربي دنمركي انكليزي).

 التحرير: كلمة أخيرة

أقول للشعب الجزائري أنتم في القلب دائما، حفظكم الله، رحم الله شهداءكم في حرب التحرير وشهداءكم الذين سقطوا ضحايا الإرهاب التكفيري، وفقكم الله ورعاكم دائما.

حاورته من الجزائر علجية عيش

  

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق