ثقافة و أدب

في أزمة الكتاب والمقروئية

في أزمة الكتاب والمقروئية

–       عوض أن نسأل لماذا لا تقرأ أيها القارئ ؟ نطرح السؤال بشكل مغاير، لمن تكتب أيها المؤلف؟

–       معدل القراءة في الجزائر لا يتعدى نسبة 0.003 بالمئة، أي قارئ وحيد لكل 10 آلاف فرد..!

خليفة قعيد

بقلم الأستاذ: خليفة قعيد

في الحقيقة لا يمكن تصور الكتاب دون ارتباط بالمقروئية. فالكتاب تم تأليفه إنما لكي يقرأ ، فالكتاب هو بدون منازع حاوي النصوص القرآنية من الألف إلى الياء بأجزائها وفصولها. حتى أن كتاب الله يطلق عليه ” القرآن” وهي تسمية مشتقة من فعل القراءة. أما الكتاب بدون النص القرآني فلا يعدو أن يكون غلافا أجوف، فمصطلح الكتاب مقترن بالنص المقروء.

أزمة الكتاب:

تتمثل أزمة الكتاب في انقلاب السلسلة الترابطية المنتجة للكتاب. إن الكتاب الذي ينتجه المؤلف يقترن وجوبا بالقارئ للنص. وتحدث عملية إنتاج الكتاب وصولا إلى القارئ ضمن سلسلة ترابطية متراصة الحلقات تشبه السلسلة البيولوجية كما سماها روبير روبيراستيفال وهي سلسلة ترابطية وحلقات تدين كل منها لما سبقها من حلقات وتبدأ بالمؤلف ثم الناشر ، ثم الموزع ، فالمكتبي ، ثم الناقد، وأخيرا القارئ . ومن منطلق هذه السلسلة الكلاسيكية تتم كما هو متعارف عملية طبع ونشر الكتاب في العالم العربي وعمو بلدان العالم.

وانطلاقا من هذا المفهوم يتبادر إلينا السؤال الجوهري وهو أنه منتج الكتاب والمؤلف أو الكاتب الذي يمثل الحلقة الرأسية في إنتاج الكتاب ومن بعده بقية الحلقات من ناشر وموزع وناقد وصولا للقارئ فما هي يا ترى الاختلالات الظاهرة والخفية التي جعلت الكتاب يبدو وكأنه لا قيمة له من طرف الزبون الأخير وهو القارئ ؟

وسبب عدم قيمة الكتاب اليوم أو بالأحرى عزوف المقروئية في العالم العربي يعود بالدرجة الأولى إلى كوننا لم ننتبه إلى التغيرات التي طرأت على هذه السلسة التقليدية لتصنيف الكتاب والقارئ أي السلسلة التي تبدأ وجوبا بالمؤلف وتنتهي إلى القارئ. فالسلسلة التقليدية تنظر إلى المؤلف من زاوية نظر كونه مشعل الأمة والملهم الذي ينتج  لهم الأفكار التنويرية والعلمية والفنية والفلسفية والروحية بينما ساحة الجمهور تكاد تكون متصحرة فيكون غراس هذه الأرض اليباب هو ما يزرعه فيها المؤلف ويتولاه الناشر والموزع والنقاد والقراء وهكذا وفق خط هرمي عمودي قمته الرأس حيث يتواجد المؤلف في عليائه كمنارة مضيئة يرسل اشعاعه هبوطا شيئا فشيئا إلى قاعدة الهرم، كضوء مصباح عمود كهربائي ، حيث يتواجد الجمهور الذي ينتظر انهمار المؤلفات المنيرة كما ينهمر الغيث من السماء.

ولكن ما لم ننتبه إليه في عالمنا العربي  وكثير من البلدان الاسلامية والمتخلفة هو أن  هذه  القاعدة الكلاسيكية تجاوزها الزمن في ظل اقتصاد السوق وتخلي الدول العربية عن واجباتها إزاء دعم الكتاب عموما، فبالنسبة للكتاب المعرفي الجماهيري لم تعد هذه القاعدة الهرمية للجمهور القارئ أو الحلقة الأخيرة في السلسلة الترابطية موجودة بالشكل التقليدي، بل أصبحت مقلوبة رأسا على عقب باستثناء حالة الكتاب الأكاديمي أو العلمي. أمام بالنسبة للكتاب الجماهيري الذي يؤشر إلى درجة المقروئية وهو المقصود في مداخلتنا، فقد أضحت السلسلة الترابطية فيه  كالتالي : البداية من القارئ ثم الناقد يليه الموزع فالناشر وأخيرا المؤلف.

ولتبيان هذه النقطة نقول بأن صناعة الكتاب الجماهيري تقوم في البداية بدراسة السوق واستطلاع الجمهور القارئ   وسبر آرائه من أجل معرفة ميوله ورغباته المعرفية ثم بعدها يبدأ التفكير بالمؤلف أي أن القارئ هو من يفكر فيه أولا لكونه هو من يحدد طبيعة الكتاب ومقروئيته ونوعه وحجمه بل وحتى لونه وشكله، تماما كما هو معمول به في السلسلة التجارية التسويقية للعرض والطلب بين المنتج والزبون، فالزبون هو من يحدد الإنتاج ونوعه وجودته، ثم يقوم المنتج بالاستجابة لرغبات الزبون. والدليل أن ميولات القراء من زبائن الكتاب اليوم الذين ينظرون إلى الكتاب كسلعة كسلعة تلبى رغبات خاصة لديهم قد تكون اجتماعية  او نفسية أو تعليمية أو غريزية تتمثل في انتشار كنب الطبيخ والجنس وتفسير الأحلام والكتاب المدرسي الظرفي وبعض كتب التنمية البشرية المتعلقة بتكوين الشخصية  والكتاب الديني، فتجد الناشر يأخذ بعين الاعتبار رغبة وحاجة القراء الزبائن وعندها يتم بحث عن مؤلفين ويتكفل هو بالتوزيع.

أزمة المقروئية:

الحقيقة أنه يجب اليوم النظر إلى أزمة الكتاب بوصفها مزدوجة لكونها تتضمن أزمة مقروئية. فرغم أننا نشتري كتبا قيمة وأحيانا بأسعار جنونية مرتفعة ولكننا لا نقرأها أو نكتفي  بقراءة بعض فصولها أو صفحاتها ونظل نتفرج على بقية الكتب في رفوف مكتباتنا تتآكلنا الحسرة لأننا لم نقرأ ما اشتريناه بأثمان باهظة وما سافرنا من أجله  إلى معارض الكتب.

وبغض النظر عن نوعية الكتب التي تستجيب لتلبية حاجيات غريزية واجتماعية ونفسية مثل كتب الطبخ والجنس وتفسير الأحلام والكتب المدرسية وما شابهها والتي يسعى حتى شبه الأمي لقراءتها ، فإنه بالنسبة إلى أنواع الكتب المعرفية الأخرى الهامة، نصدم بعدم القدرة على المطالعة.

.لذلك، فعوض أن نسأل لماذا لا تقرأ أيها القارئ ؟ نطرح السؤال بشكل مغاير، لمن تكتب أيها المؤلف؟ هل تضع قارئا صوب عينيك، وللإجابة على السؤال نقول أنه في السابق كان المؤلف ينتج دون اعتبار لطبيعة القارئ لأن المؤلف كان هو الملهم والمثقف والمعلم ومتى عجز القارئ عن التعامل مع الكتاب عد ذلك أدق ميول وتوجهات بعد تغير الجمهور القارئ الذي فرض صولجانة على الناشر والموزع؟ هل تكتب لترمى كتبك في البحر أو في سلة المهملات؟ هل تكتب لترضي نفسك حتى في غياب جمهور قارئ والناشر يرفض مؤلفك لأنه لا يباع وتضطر إلى دفع ثمن طباعته ونشره وتوزيعه وأنت تعرف ؟أنك أكبر خاسر ماديا ومعرفيا لأن كتابك لا يقرأ ؟والإجابة على ذلك هي أن المؤلف يجهل القارئ والقارئ له اهتمامات أخرى،

والنتيجة هي أن المقروئية شبه معدومة عندنا في الجزائر والعالم العربي، فحسب احصائيات كشفت عنها دراسة أعدها الخبير الجزائري في علم  المكتبات ” كمال بطوش” من جامعة منتوري بقسنطينة أورد أن معدل القراءة في الجزائر لا يتعدى  نسبة 0.003 بالمئة  أي يوجد قارئ وحيد لكل 10 آلاف فرد، في حين نجد  معدل قراءة الفرد الأوروبي 35 كتابا في العام  والاسرائيلي هو 40 كتابا في السنة بينما معدل قراءة الفرد العربي هو ربع صفحة من كتاب سنويا . كما أن هناك كتابا واحدا لكل 12 ألف مواطن عربي ويوجد كتاب لكل 500 انجليزي ومعدل قراءة الفرد العربي هو 4 بالمئة من قراءة الفرد الانجليزي وثقافة أوروبي واحد تساوي ثقافة 2800 عربي ومجموع ما ترجم من عهد الخليفة المأمون غلى سنة 2002 هو 10 آلاف كتاب وهي تساوي ما ترجمته اسبانيا في سنة واحدة ولا نقارن أنفسنا باليابان التي تترجم 30 مليون صفحة سنويا.

مشكلة الوقت المخصص للمطالعة:

إن الأمر لا يعود في الواقع إلى كوننا لا نتوفر على الوقت الكافي المخصص للمطالعة أمام تسارع الحياة اليومية وفتنتها كما يقال بل إلى كوننا لم نتعلم في المدرسة فنيات المطالعة التي أصبحت مادة أساسية في التعليم العام لدى الدول المتقدمة، كما أبرزت ذلك في كتابي” المطالعة العصرية” . والتحجج بقلة الوقت  يخفي تحته في الحقيقة العجز عن المطالعة ، فلا يمكن أن نخادع أنفسنا بقلة الوقت وفتنة الحياة.

فبمعادلة حسابية ندرك كم نهدر من الوقت، فنقول أن اليوم هو 24 ساعة ، نعطي 8 ساعات كاملة للنوم و8 ساعات للعمل ، و8 ساعات للراحة. وبجمع ساعات الراحة على مدى ثلاثة أيام نحصل على يوم كامل 24  ساعة راحة، وفي الشهر نحصل على 10 أيام راحة وفي ثلاثة شهور نحصل على  شهر كامل راحة وفي السنة نحصل على 4 أشهر راحة ؟ هكذا هي أمة اقرأ لا تقرأ ؟يضاف  إليها العطل الرسمية والسنوية بنحو 4 أشهر أي نصف سنة تقريبا.

كل قادة العالم الغربي والمتطور من العالم الاسلامي يقرأون ويطالعون لأنهم أدركوا مبكرا قيمة المطالعة وبأن قراءة أكبر عدد من الكتب في أقصر مدة زمنية ممكنة تعني الاستفادة من التجارب والمعارف لتسخيرها في خدمة بلدانهم وحل أزماتهم والسيطرة على العالم بسلاح العلم والمعرفة .فانخرطوا في المراكز التكوينية لتعلم فنيات المطالعة وأدخلوها في مناهج مدارسهم لتعليم الناشئة تقنيات المطالعة. لذلك  فلا غرو أن نجد مثلا جورج بوش الابن يقرأ 104 كتابا في العام ومستشاره للأمن القومي كارل روف 117 وجون كيندي 6000 كلمة في الدقيقة بعد أن تعلم فنيات المطالعة في مركز متخصص وكذلك كبار قادة العالم مثل مهاتير وأردوغان وقادة في بريطانيا  وفرنسا ودول غربية.

وأخيرا

في ظل منافسة الوسائط التكنولوجية الحديثة والكتاب الالكتروني فإن إنتاج الكتاب الورقي يظل صناعة قومية  تدخل ضمن استراتيجية نهضة الدولة، وتشجيع الكتاب هو مهمة المؤسسات الرسمية للدولة، فلا يمكن أن نخضع الكتاب الهادف إلى تقديم المعرفة ورفع مستوى الفرد إلى  المنطق التجاري مجاراة لتلبية الحاجيات الغريزية والنفسية للقارئ، فننتج له كتب تفسير الأحلام والطبخ والجنس من باب رغبة الجمهور

فالدولة الحريصة على تثقيف شعبها لا تنحو هذا المنحنى وإنما تتدخل بتسهيل توصيل الكتاب المعرفي الجماهيري إلى الناس  من خلال دعمه وطبعه ونشره وترويجه. كما أن ادراج مادة تعليمية مخصصة لفنيات المطالعة في الأطوار  التعليمية الأولى وإنشاء مراكز متخصصة لتعليم القراءة والمطالعة في القطاعات المعنية مثل قطاع الثقافة والمكتبات هو واجب الدولة تجاه أفراد المجتمع.

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق