أما بعد...

ميراث المرأة .. العدالة المغيبة؟ بقلم/ رئيسة التحرير / روزالسوف

لفت انتباهي أخيرا مقال تداولته وسائل اعلام عنوانه:” كيف تفاعل السياسيون في تونس مع “المساواة بالميراث “؟، التقرير حمل صورا رفعت فيها لافتات تحمل عبارة “أنا امرأة ونصف، مش نص امرأة”.. محتوى المقال باختصار يتحدث عن مبادرة تشريعية طرحها نائب تناول فيها موضوع المساواة بين المرأة والرجل في الميراث، وذلك اثر تعالي أصوات مطالبة بتفعيل دستور ما بعد الثورة، الذي يقر بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ،  ليكون الميراث أول افتتاحيتها.. أثار هذا الحدث في داخلي تساؤلا حول سر دفاع رجل عن المساواة في ميراث المرأة ، ومن منبر هيئة برلمانية، كما طاف في تصوري احتمال أن يكون للنائب زوجة حرمت من ميراثها “الكنز”، اذ لا يعقل أن أتصوره  وريث ثروة  طائلة ، وهو يرافع ليتقاسم  ثروته مع أخواته البنات..! الطرح  بعيد عن الواقع ، وغارق في الشخصنة .. قد يقول قائل أن هذا الموضوع حسمه العرف والدين والتاريخ، ولماذا يُطرح أساسا ، في ظروف صعبة ومعقدة ، قد تكون على حساب قضايا أخرى أهم وأعمق ، مثل موضوع المصالحة  الوطنية ، وقضايا تحسين الوضع المعيشي  والأمني ، خصوصا اذا ما علمنا  أن السواد الأعظم من شعوبنا  نساءا  قبل الرجال ، مناهضون للمساواة بشدة وشراسة. أعتقد أن الأسس التي نشأ عليها المجتمع القبلي منذ عقود..ليس من السهل أن تتغير بطرح  موضوع على  قبة البرلمان ، لأن الوضع معقد  باعتبار الموضوع من الثوابت العرفية والشرعية والمجتمعية . والسبب ليس جديدا ، وانما يعود بنا الى الماضي السحيق. فنظام الميراث عند اليهود مثلا كان يقضي بحرمان الإناث ، إلا عند فقد الذكور، فلا ترث البنت إلا في حال انعدام الابن: “أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته” . سفر العدد إصحاح 27 : 1-11،  ويرجع سبب ذلك إلى النية في عدم إخراج الثروة خارج نطاق القبيلة، وفضل العهد القديم الابن البكر وخصه بنصيب اثنين من الوارثين الذكور  لم يترك حرية اختيار الزوج للبنت التي ترث اباها، وهذا يتضح من قصة بنات “صلفحاد” الخمس اللاتي يرجع نسبهن إلى سبط “منسى بن يوسف” عليه السلام ، فقد مات أبوهن أثناء التيه في البرية، فطالبن “موسى “عليه السلام أن يعطيهن نصيب ابيهن في أرض كنعان، فرجع “موسى” إلى الرب ليحكم، فأمر الرب أن يؤول إليهن نصيب أبيهن ، وعندما بلغن سن الزواج أمر موسى بألا يتزوجن خارج سبط “منسي” حرصًا على بقاء الميراث . وعند الأمم الشرقية القديمة ، فقد كان الميراث عندهم يقوم على إحلال الابن الأكبر محل أبيه، فإن لم يكن موجوداً فالأخوة ثم الأعمام. وتميز نظام الميراث عندهم بحرمان النساء والأطفال من الميراث . بعكس المصريين القدماء، الذين كانوا يتقاسمون الميراث ذكورا واناثا. في المسيحية لا يوجد نص يشير الى قضية الميراث  باستثناء ما نقل عن المسيح أنه عندما جاءه رجل يطلب منه قائلاً:” قل لأخي أن يقاسمني الميراث فقال له: من أقامني عليكم قاضيا أو مقسما انظروا وتحذروا من الطمع “، فالمسيحية لم تأت بشرائع وقوانين بل جاءت بمبادئ عامة روحية وإنسانية .. العرب في الجاهلية ، لم يكن لهم نظام ارث خاص بهم ،وإنما ساروا على نهج الأمم الشرقية،  فالميراث عندهم خاص بالذكور القادرين على حمل السلاح والذود دون النساء و الأطفال. السؤال الذي يتبادل الى الأذهان هو : لماذا تساوت وجهات النظر جميعها تقريبا في تبجيل الذكور عن الاناث، هل هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، خصوصا اذا ماربطناها بالواقع الذي يجد فيه الوالدان نفسيهما مدفوعين بقوة الغريزة لمنح ارزاقهما وهما أحياء لأبنائهما الذكور أولا ، مع ترك نصيب  للبنات؟؟.أم أن الذي تولى أمر التقسيم كان من الدقة والعدالة ما يستحيل على البشر أن يهتدوا إليها ، علميا ومنطقيا؟؟ الإسلام أجاب على هذا التساؤل عندما  نظر إلى الحاجة، فأعطى الأكثر احتياجا نصيباً أكبر من الأقل احتياجا فكان حظ الابن مثل حظ الانثيين ، لأن الابن مقبل على الحياة يقدم مهر زوجته ، وينفق على أسرته ، وهو أكثر احتياجا من أخته التي ستصير زوجة تقبض مهرها ، ويرعاها وينفق عليها زوجها . ورغم هذا، يؤكد رجال الدين بوجود أكثر من 30 حالة يكون فيها نصيب المرأة في الاسلام مثل نصيب الرجل، أو أكثر ، مقابل وجود أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف ما يرث الرجل. الحقيقة المُرة التي تعيشها المرأة العربية والمسلمة في واقع بلاد الاسلام ، تتجاوز بكثير حكم الأعراف والدين والقوانين، فهي لا تورث أساسا ، وان ورثت يطلب منها في أحيان كثيرة ، أن تتنازل عن ورثها لأخيها ، أو يجدون لها حججا واهية للاعتداء على نصيبها ، وفي الغالب تلجأ الى العدالة لنيل حقها من الميراث الشرعي بعد أن تُستنزف ماليا ومعنويا ، والمصيبة أن كل هذا يحدث تحت مرأى ومسمع رجال الدين الصامتين..! لنقول في النهاية ، طالبوا بالصرامة في تطبيق  حقوق المرأة في الميراث على الطريقة الاسلامية أولا، وانظروا الى النتائج قبل أن تطالبوا بحقوق يرفضها المجتمع ، نساؤه قبل رجاله…        

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق