باراسيتامول

بــــــــــوكو حرام……

 براسيتامول_001

بدأت بوكو حرام بعشرة مسدسات و انتهى بها الأمر غولا أمنيا عصيا على الترويض.

كل القصص الكبيرة تبدأ بجنون ما، ثم يتضخم حضورها حتى يقنعنا بمعقوليتها و مكانها الرصين في مهد المنطق و العقل، و هكذا تحول كومبارس نيجيريا إلى محترفين يوزعون الأدوار على مختلف الفاعلين في دول الجوار، و بدلا من مواجهة إرهاب الشمال النيجيري وحده انداحت الدائرة لتشمل الكاميرون تشاد النيجر و جنوب ليبيا، و بدلا من الاقتصار في الحديث عن العمة ” بوكو ” نجدنا مرغمين على المرور بجانب منظمة أنصارو لأنها منشقة عنها و تعمل على الأراضي النيجيرية لكن من يقودها هو الكاميروني ” كوما مانو “.

بوكو حرام تبدو إلى الآن قصة لا نهاية لها،  تعتمد في جنونها و لامعقوليتها على هرمية سعر و قيمة الدماء في هذا العالم، فلا شيء أرخص من الدم العربي إلا الدم الإفريقي، يضاف إلى ذلك صوت الخير الذي جرى إحباطه، و غبش الرؤية الذي لا يفرق بين القدرة و الدوافع، لأنه بدل أن تُضعف القدرة اذهب و اعمل على إضعاف الدوافع، مع التفهم الشديد لمتطلبات المرحلة و إفرازات الواقع، بعيدا عن الأجزاء الملقاة من الحجر القديم.

ما لم يقله أحد هو أن الإنسان النيجيري لا يؤمن بنيجيريا بل يستند في بيان هويته إلى تجليات العرق و القبيلة فلا مكان هناك لــ ” أنا نيجيري و أدفع الضرائب ” بل لهلوسات عنصرية تفصح عن الانتماءات الضيقة للقوميات النيجيرية الكبرى : الهوسا، اليوروبا و الإيبو، و لقد جاء القصف العشوائي لبوكو حرام في وقت أخذ فيه عقد الوطن و الدولة الأمة ينفرط فاسحا المجال لنسيم غير عليل يحمل عبق الماضي مجسدا في تجربة جمهورية ” بيافرا الانفصالية ” التي أسسها الأيبو و استمرت من 30 ماي 1967 إلى غاية 15 جانفي 1970، إبان الحرب الأهلية، و قد اعترفت بها دول هايتي و الغابون و كوت ديفوار و تانزانيا و زامبيا و دعمها الكيان الصهيوني بالأسلحة السوفيتية التي غنمها من عرب الخسائر و الدمار في حروبه ضدهم، كما انتهزت البرتغال الفرصة للانتقام من لاغوس التي دعمت استقلال مستعمراتها السابقة فكانت العاصمة لشبونة مقرا لكل مكاتب التمثيل الخارجي لجمهورية بيافرا.

لكن ما يغيب عن أذهان الكثير في قاع المحيط هو أن محمد يوسف الأب الروحي للمنظمة بدأ محسنا كبيرا يوزع الأمل و البسمة على وجوه الجميع بعد أن ينقذهم من غائلة الجوع، و أن أكبر متهم بتمويل بوكو حرام اليوم هو ” عماد شريف ” المحافظ السابق و زعيم حزب الشعب الديمقراطي المعارض و هو ما يعني أن الرجل لا يزال يختفي وراء الحصانة حتى اللحظة مع أن الكثير من النيجيريين يعرفون حقيقته.

بوكو حرام بلغة الهوسا تعني تحريم التعليم الغربي، و اسمها الرسمي هو جماعة السنة للدعوة و الجهاد، و هي دلالة على اختلاف الرؤى في تدبيج الرسائل و إجراء الجراحات التجميلية المحدودة، و لكنها تنم عن مهارة منقطعة النظير في جمع كل الهدايا  التي تسقط في الطريق و تخفف من وطأة حامليها.

تأملوا جيدا تقاطع واقع بوكو حرام مع ماضي ” بيافرا ” لتدركوا أن التاريخ لا يحمل ذرة عقل أو قطميرا من عدل، فهو إن لم يكن مجموعة من الأكاذيب المتفق عليها كان بالتأكيد توليفة سحرية من الجنون و الجور.

و وسط كل هذا أجدنا ساهين عما يدور حولنا، منشغلين بهرطقات صحافة تحولت إلى نشرات غير مقروءة، و تهارش القطيع الذي لا يخرج عن دائرة الزوج المخدوع و الزوجة التي تخبئ العشيق في الدولاب.

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق