باراسيتامول

في اللاذقيـــــــــــة ضجة…..

براسيتامول_001

بالإضافة إلى جنسيته اللبنانية الأم كان الراحل الكبير وديع الصافي يملك الجنسية المصرية، الفرنسية و البرازيلية، و لكنه ما فتئ يردد : بعد كل هذا العمر من التجارب و الخبرات علمتني الحياة أنه ” ما فيه أعز من الولد إلا البلد “.

أحمل هذا الجمال الروحي الصافي للعم وديع و أرحل به تلقاء اللاذقية فأجد الماضي يترصدني على الأبواب قبل أن ألج دنيا الحاضر الصاخبة بكل ألوان الضجيج، لأستمع إلى أنين أبي العلاء المعري و هو يهمس في أذن المستقبل البعيد الذي لم يصل إليه بجسده و روحه و لكنه تجاوزه ببعد نظره الفريد حين أنشد يوما : في اللاذقية ضجة ما بين أحمد و المسيح، هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح، كلٌّ يعظم دينه يا ليت شعري ما الصحيح ؟!.

لم يكن التعايش الطائفي في الوطن العربي قضية تطرح بل محبة تُعاش، و لهذا لم يكن لعمى الألوان أو الدالتونيزم من معنى و دور إلا في هذا المجال بالذات، فلا مسلم أخضر أو مسيحي أبيض، و لا يهودي أزرق أو ملحد أحمر، بل الكل على صعيد واحد، يعيشون في وئام و سلام و عندما يطحن الحزن أحدهم يعزي نفسه بمصائب شركائه في الوطن و يذهب يغني ” كلنا في الهم شرق “؛ فأنظمة القهر و مفرخات البؤس لدينا مثل القطار لا تفرق بين دين و دين أو لغة و لغة أو لون و لون فالدهس شريعة الحديد كما هي الحرائق شريعة النار؛ و على أيدي قاهرينا تعلمنا أن الثعلب الماكر في آخر النفق ينتظر، ليأكل نعجة الحمقى إذا ما هم للنوم قد خلدوا، ليحولهم إلى مضرب للأمثال من بعد هيبة و وزن.   

قد لا نستيقظ من غفلتنا لنعيد السقوط ثانية في أيدي تجار الموت، و لكن علينا أن نتعلم فن الانتصار للحياة أيام الحرب، فالمعجزة تولد من رحم الأحزان، و الدم المسفوك غدرا يؤسس للثأر لكنه بالقدر نفسه يضاعف الحصانة ضد الوقوع في الخطأ مرة أخرى.

يجب أن لا تحجبنا ظلمة خواطر هذا الدهر عن رؤية الحقيقة كاملة كما هي بلا رتوش.

و مثلما نزل هولاند مطار بيروت ليجد الشغور الرئاسي في استقباله، غادرنا مانويل فالس خالي الوفاض بعد أن تجرأ على عش الدبابير من باب العجز الرئاسي، و ما بين هبوط طائرة الرئيس هناك و إقلاع طائرة كبير وزرائه هنا ينام الثرى السياسي على آلاف الحقائق غير المعلنة و الصادمة في آن واحد لكل الهواة و صرعى الأضواء و المؤسسين لجمهوريات الموز بكل ما تعنيه من  نفايات و فشل…و رغم أن جاذبية المهرجين لم تتراجع و بضاعتهم الكاسدة لا تزال تحقق الرواج إلا أن الحق يعلو و لا يعلى عليه.

الذين هاجموا القطب ” سيدي شكيب ” لم يقولوا لنا أنه هو الأول الذي جعل عملاق المحروقات الجزائري يكسر حاجزه النفسي و يذهب للاستثمار في موريتانيا و البيرو، و أنه أول من أسس لمحطات تحلية مياه البحر، لاقتناعه كخبير دولي أن الحروب القادمة هي حروب مياه، و أنه أول مسؤول جزائري يصرح على أمواج الأثير أنه يجهل سعر بيع الغاز الجزائري و إلى أي وجهة تذهب عائداته.

نحن لا ندافع عن الرجل و لا نضرب له الشيتة بل نقر له بفضل لاحق سيتكرم به على بلده حين تغدو جائعة تتلوى أمعاؤها على أحقاد الحصص و الأقاليم المعلنة و المضمرة.

حينها سنفقد الحصانة و تغدو وحدتنا مهشمة و يخسر شعبنا حق صياغة الخطوط العريضة للدستور، و لن ينقذنا من وحل المرحلة إلا رجال من طينة ابن الخياط الوهراني و الخبير الجزائري المرموق ” إدريس الجزائري “، و بقية الرفاق الذين لا وقت لديهم لتخاريف التيار الوطني و حماقات التيار الإسلامي و أوهام المليادير الأحمر.

ساعتها سنبحث عن نسخة أخرى من ” حبيس الدارين ” تعيد إلى دنيانا المجنونة رشدها و هي تردد : في اللاذقية ضجة ما بين أحمد و المسيح. 

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق