باراسيتامول

و الله زمـــــــان يا سلاحي…

براسيتامول_001

هل من المنطق أن يموت الإنسان من البرد في زمن ملتهب عنوانه النار و الحرائق ؟!.

هل حتمية وقوع الأزمات لا بد أن تفضي إلى مرادفات الفشل، و هل من المعقول أن نؤمن دوما بأن التاريخ نتيجة ضرورية لمقدمات سابقة، و أنه لا يجوز أن يحوي بين طياته الصدف العمياء؟!…صدف قد تهدي المدنية و الحضارة على طبق من ذهب إلى ذلك الآخر الصامت و الجالس أبدا في قاعة الدرس أو السجن.

حركة التاريخ تعلمنا في كلمتين أن كل الحضارات تدخل ساحة الفعل بوفرة روحية و فقر مادي، و تسجل خروجها منها بوفرة مادية و خراب أخلاقي؛ و على هذا الخراب ننحي باللائمة اليوم.

شيد الصينيون القدماء سور الصين العظيم من أجل تحصين البلد و العيش في أمان، و ناموا على يقين تشرئب عنقه نحو نجوم الوهم بأنه ما من أحد يقوى على تسلق هذا الشاهق الحجري الجبار الذي يبلغ 6700 كلم، باحتساب كل الأجزاء و المناطق و الإضافات التي تمت.

و لكن على مدى المائة سنة الأولى من تشييده تعرضت الصين لثلاث غزوات كبرى من الأعداء، و في كل مرة كان العدو يدخل من الباب و لا يرهق نفسه بمعانقة طوب السور و صلصاله و حمإه المسنون، و السبب هنا في غاية البساطة التي لا تخطر على قلب بشر منا.

في كل مرة كان العدو يتقدم بالرشاوى المغرية للحارس فيتم فتح الثغر و تبدأ حفلات الدم.

ما غاب عن أذهان الصينيين يومها أن بناء البشر أولى من تشييد الحجر و صقله، و لهذا هزم ضمير ميت واحد و ذمة خربة واحدة، جُهود 3000 شخص تسلحوا بالتفاني و الإخلاص و هم يصنعون هذه العجيبة من عجائب الدنيا.

هذه هي الضمائر المنافقة التي تفتك بـــ ” راقصات وسط البلد ” ثم ترتدي بدلات الرقص و تهز وسطها للذي يدفع أكثر، و تلك صور راكمتها التجارب على طول خط التاريخ.

و لهذا فإن نقص التجارب يستدعي الكثير من إعمال الفكر و الخيال و عدم الاتكال على الحماسة و المبادرات الفردية التي قد تفيد لكنها لا تملك واقعية الحسم.

غني عن القول أن الشرق الأوسط اليوم يحوي خرائط معروضة للمراجعة، و يجب الفصل فيها قبل انقضاء السنة حتى يتم الحفاظ على رمزية الحدث و قدسية المناسبة، ففي 1916 كان هناك مارك سايكس و جورج بيكو و اليوم يجب أن ندمغ وثيقة الإلهاء باسمين آخرين، كيري-لافروف، حتى ينسى العالم ثنائية عاصمة الأنوار و الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

” إنه يكذب و يعرف أنه يكذب، إنه لأمر محزن “، هكذا وصف فلاديمير بوتين وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، ذات يوم من عام 2014، عندما صرح بما يليق أمام مجلس الشيوخ الأمريكي لخطف قرار يبيح لأوباما توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري بحجة استخدامه للأسلحة الكيماوية في حربه الأهلية داخل سوريا، و بالتالي نحن منذ الوهلة الأولى أمام ثنائية أحد طرفاها متهم بالكذب، و سيتبين فيما بعد أن العنصر الثاني تم تشييده من حجر الخيانة و صخور الحقد الدفين، و لو كان النظام السوري يفهم شيئا في التاريخ لاتعظ بمساعدة الروس للصرب ثم سحبهم للبساط من تحت أرجلهم بفعل الضغط الدولي.

انطفأ الحريق السوري و سيرتفع ركام الرماد و سيجد كل سوري نفسه ضحية الصقيع و ستتراقص ضمائر أثرياء الحرب أمام جيوب من يدفع أكثر و سيعود ذكر النعام السوري إلى أنثاه قادما من منفاه و من برد الملاجئ يرطن بلغة لا تفهمها و ساعتها ينطبق عليه قول علقمة الفحل :

يوحي إليها بإنقاض و نقنقة    كما تراطن في أفدانها الروم

و من أولى بشائر هذه الرطانة أن تقلل سوريا ما بعد الركام و الخراب من جرعات الفكر و العلم لصالح ساعات الترفيه و المرح، و ساعتها تصدح أم كلثوم في كل بيوت الشام ” و الله زمان يا سلاحي “…

 

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق