باراسيتامول

رادا كريشنان في مازفران…

باراسيتامول

من الصعب أن نقدر الحقائق و مصائرها في بلدنا بآلية كفتي الميزان، بلا زيادة أو نقصان، فذلك أمر أراه عسيرا، مع أنه لا يصل إلى درجة المستحيل.

الحقائق في هذا البلد تقررها طاقات نفسية فيها من قوة الجذب بمقدار ما فيها من قوة الطرد، تحضر كالرؤيا ثم تعبر كالخطف، شذرات تومئ و لا تقول، تتعبنا وراءها مغرية إيانا بالجواهر و الياقوت و في الأخير نتنفس الصعداء على وقع ” فَرَج الفراغ “.

و الغريب أننا وقعنا يوما في غرامها ثم ها نحن اليوم نسرع الخطا هربا من أشباحها و روائحها، لأننا أدركنا بأن الأخبار المثيرة في أيامنا هذه لا يصنعها الحكماء، و إنما يساهم المجانين بقسط وافر في صنعها و إخراجها إلى دائرة الضوء.

الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، قيمة جزائرية مضافة للرأسمال الرمزي الجزائري، و السيد مولود حمروش، مدرسة في التوهج و الاختصار و الأناقة، خالية من التزويق الإنشائي و عناصر التطريز التي تثقل كاهل الجملة و ما نبنيه من عبارات.

و ساعة يأتي الوقت لنجمع هذا النور في قاعة واحدة مع ” ديجور الركام و الكبت ” فتيقنوا أن الجنون لم يعد يركب الرؤوس فحسب بل أضحى يرتدي مسوح القساوسة و البابوات و يأتي ليصدع رؤوسنا بــ ” سجع الكهان “.

معارضة البوكيمون تمشي خطوة إلى الأمام لتصل إلى باحة المس و الجنون، فتهين الرجال و التاريخ و تهيل التراب على قداسة الثورة و رمزيتها ثم تنتظر من الشعب أن يتكرم عليها بصوت واحد في الاستحقاقات القادمة.

و الشعب الذي أدب الجميع من خلال الجنازة الأسطورية للدا الحسين، طيب الله ثراه، جعل خونة الثورة يفقدون أعصابهم و يتدحرجون من شاهق الشهود على العصر إلى حضيض النكرات التي تجري وراء التكريمات و ” اللفتة الكريمة ” حتى و إن جاءت من طرف فريق رياضي يفهم في الكرة أحسن مما يفهم في الوطن و المواطنة.

في 1953 كان هناك 5 نفر مصريين، ثلاثة رجال و امرأتان، يكتشفون سحر الهند من خلال حضارتها الضاربة في عمق التاريخ، و كان دليلهم السياحي أستاذ جامعي مختص في الديانات الهندية، لم تحن فرصته بعد ليكون رجل المرحلة، ثم دار الزمن دورته فأصبح المرشد السياحي رئيسا للهند و غدا الرجال الثلاثة أرقاما مهمة في المعادلة السياسية و القانونية و الأدبية لمصر.

فأما الرجال فهم : محمد حسين هيكل باشا صاحب النص المركزي الخالد ” زينب “، و أستاذ القانون المصري الشهير ” وايت إبراهيم “، و الإيقونة الصحفية الكبيرة ” محمد حسنين هيكل “، و بقدر ما تعني هاته الأسماء الشيء الكثير أو القليل للقراء، فإن الدليل السياحي هو الذي أخذ علي مجامع نفسي، لأنه ببساطة الرئيس الهندي ” رادا كريشنان “، و أحكم الحكماء فيها عندما كان صوت الحكمة عاليا، و العظمة تصنع نفسها بقوة الحضور لا بماكياج الإدعاء و الغرور، فقد سكن القصر الرئاسي الهندي الأسطوري ” راشتر آباتي بهافان “، و مع ذلك لم يستغل فيه سوى غرفتين، واحدة لنومه و الأخرى لاستقبال ضيوفه، تاركا باقي القصر لأوهام المجد و أشباح الماضي، و مضى الزمان بضره و بقت الأُسْدُ أُسْداً و الكلاب كلابا.

لم يتنكر “رادا ” يوما لردائه الأبيض البسيط و بقي وفيا لصفاء الملامح و الصوت، الذي نكتسبه عادة من طول العشرة و المنادمة لثنائية الأفكار و البشر، محرك الحوادث و صانعها.

و من هذا الحكيم بالذات تعلمت أنه لا يوجد طريق مسدود أمام الإنسانية و إلا لتوقف التاريخ، و أن ذلك الطريق غير موجود قط و إنما نحن نتصوره حينما تقصر هممنا و وسائلنا عن اجتياز العقبات التي تصنعها الظروف أمامنا.

جزء كبير من شخصية هيكل صنعتها هاته الأسماء التي صادفها في حياته، فكيف تريدون من جيل الغد أن يكون في مستوى المسؤولية و أنتم تصنعون له من ” مازفران 2 ” مثالا يحتذى، مع أنه لا يختلف في شيء عن ” جنيف 2 ” الذي لا يكف بهلوانه عن ترديد هذا الخطل : للأسف حاولنا و حاولنا و في الأخير وصلنا إلى طريق مسدود !..  

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق