باراسيتامول

بين الجريمة و الضمير

باراسيتامول

الخرجات الأخيرة لصانعي المأساة و الملهاة الجزائرية، لا علاقة لها البتة بتهارش الخصيان أعلى الهرم، بل تأتي تحت وطأة شيء لا يعلم عنه الهواة شيئا؛ إنه الضمير الجمعي، الذي يتطور استدراجه للمزيد من التعريفات و التوصيفات كلما تقدم العمر بالمعرضين دوما لديجور ناره المحرقة، لأن الضحايا يرحلون و الجلادون يتوسدون الثرى، لكن الحقيقة تبقى ماثلة للعيان تلح على الفضح و الإشهار.

في 17 أوت 1987 عثر الضوء على النازي الكبير ” فالتر ريتشارد رودولف هس ” منتحرا بسلك كهربائي في سجنه ببرلين الغربية، هو الذي حاول الانتحار مرتين قبل ذلك؛ الأولى عام 1941 بإلقاء نفسه من الشرفة و الثانية عام 1977 بقطع شرايين رسغيه بواسطة سكين طعام…لقد افلت من إعدام خصومه ثم أعدم نفسه.

رودولف هس أثناء محاكمته مع كبار أركان الرايخ الثالث في نورمبورغ لم يكن يرد على كل الأسئلة و الردود و التعليقات و التصويبات إلا بكلمة واحدة : لست نادما.

و مع ذلك قضى منتحرا، لأن الندم كان يعصره من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، و لكنه ظل يكابر حتى لا يتيح للضمير الجمعي استدعاء المزيد من التأنيب و التقريع.

التاريخ ينقل لنا آلاف الصور التي تؤسس للضمير الجمعي الذي لا يموت و يبقى هو آخر أمل للمقهورين و الباحثين عن الحقيقة على حد سواء، لأن الإنسان مهما طغى و تجبر يبقى توليفة متناغمة من نور الملائكة و نار الشياطين، يلفها الطين و يخلد بها إلى الأرض، كلما اتبعت هواها و استحالت كلبا إن تحمل عليه يلهث و إن تتركه يلهث.

السذاجة وحدها هي من تقترح علينا اعتبار البشر تجسيدا خالصا للنبل الدائم، مع أن الأمر ليس كذلك تماما؛ فرؤوس الإنكار و الشماتة لن تستطيع، حتى لو ربحت حروبها عسكريا، أن تنفي خسارتها الكبرى لمعناها و مبررات وجودها، و لهذا تصمد طويلا قبل أن تركع أمام الانشطار النوعي في نسيجها العصبي الذي يخلف وراءه أحمالا ثقيلة و خليطا من الردود و التعريفات و التوصيفات الجديدة التي تفسر بمنتهى الوضوح ما حدث ذات يوم….في غفلة من الزمن.

لأول مرة تتخلى جوقة مصادرة حق الشعب عن ” ثوريتها ” و تسمح بعبارة الانقلاب، هي التي كانت تقيم الدنيا و لا تقعدها من أجل عبارة أكثر تهذيبا و أقل فضحائخية مثل توقيف المسار الانتخابي أو الديمقراطي،  في حين كان رئيس الجمهورية أسبق منها في نفض الغبار عن الحقائق و تطليق الأوهام بإقصاء انقلاب بومدين من قائمة الأعياد الوطنية، رغم أن البروباغندا أنفقت العمر  تردد على مسامعنا خرافة التصحيح الثوري.

اليوم من خلال خرجات نزار و ” مخ الجيش ” و مهندس الراندو و غيرهم من ” نجوم التسعينات “، يصل كتاب الكذب إلى فصله الأخير، لنقرر نحن بعدها بكل شجاعة و أريحية أن نظرية ” لمصلحة الجزائر ” تفقد كل ذخائرها و بنادق صيدها الثورية لصالح انقشاع و شفافية هائلين لا يخطران على قلب بشر.

لقد قاد الجانفيون ذات يوم ما  يمكن أن نسميه  ” Coup d’état “، و صدعوا رأس الدولة الجزائرية الفتية و تاريخها بــ 250 ألف قتيل و آلاف المفقودين و ملايين الذين ذهبوا وراء الشمس، و اليوم ينتقل الصداع إلى رؤوسهم فيحدث بها نفس الانقلاب و يجبرها على التجرع من نفس الكأس وهي على أعتاب القبر….إنها عدالة السماء 

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق